جريدة الرؤية العمانية:
2025-05-15@15:54:28 GMT

محطات الانتظار

تاريخ النشر: 1st, July 2024 GMT

محطات الانتظار

 

سلطان بن محمد القاسمي

في عُمق الحياة؛ حيث تتقاطع مسارات الزمن، تقف محطات الانتظار كنقاط تفتيش للروح والأحلام. ففي هذه المحطات، يقف كل منَّا، مُحملًا بأمتعته من ذكريات وتوقعات، يتأمل مسارات قد تأخذه إلى وجهات مجهولة. هنا، حيث تلتقي الأقدار بخيوط الزمن المُتشابكة، يتوقف كل شيء للحظة. يتساءل كل مسافر: متى يأتي قطاري؟ وهل أنا حقًا مُستعد لما ستجلبه الرحلة القادمة؟

إنَّ هذه اللحظات تكتسب بُعدًا أكثر عمقًا عندما نفكر في الرحلات السابقة التي قادتنا إلى هنا.

كما أن الاختيارات التي قمنا بها، والطرق التي سلكناها والتي تركناها، كلها تلعب دورًا مهما في تشكيل القرارات التي نواجهها اليوم. وفي هذا التأمل، نجد فرصة لا تقدر بثمن لإعادة تقييم خططنا وأحلامنا، لنقرر بحكمة أكبر كيف نود أن نقضي الوقت الثمين الذي يتسرَّب من بين أيدينا. هل نختار الانتظار بصبر، أم نتحرك بحزم نحو القطار القادم، مستعدين للتعامل مع كل ما يحمله من تحديات وفرص؟

توفر محطات الانتظار هذه مساحة ليس فقط للتفكير فيما قد نضحي به أو نكسبه في الرحلات القادمة، ولكن أيضًا لتقدير الطريق الذي سلكناه حتى الآن. كما يمكن أن تكون اللحظات التي نقضيها في التأمل والتقييم في هذه المحطات بمثابة جسور تربط بين ماضينا ومستقبلنا، مما يسمح لنا باتخاذ قرارات أكثر وعيًا وتحضيرًا للمرحلة التالية من رحلاتنا.

الفرص واختياراتها: محطة القرارات

الحياة لا تقدم لنا خريطة محددة أو جدولًا زمنيًا دقيقًا لقدوم قطارات الفرص، بل تعرض أمامنا لوحة معقدة من الخيارات المتشابكة التي تتطلب منَّا القرار والعمل. وبين لحظة الوصول وأخرى للرحيل، نجد أنفسنا في مواجهة مستمرة مع قرارات قد تغير مجرى حياتنا بأكملها، وقد تكون هذه القرارات صعبة ومحملة بعواقب واسعة النطاق؛ فكل قطار يقف أمامنا لا يمثل فقط مجرد وسيلة نقل، بل يحمل قصة ممكنة، مغامرة جديدة، ودرسًا محتملاً في الحياة.

وهنا علينا أن نُقرر: هل نقف جانبًا نتأمل القطار يغادر دون أن نستقله، متجنبين المخاطر المحتملة للمجهول، أو نتخذ خطوة جريئة نحو القفز على متنه، مستعدين لمواجهة كل ما يحمله من مجهول؟ الاختيار الصحيح يتطلب منَّا ليس فقط الشجاعة للمخاطرة، بل أيضًا الحكمة لتقدير الفوائد المحتملة مقابل المخاطر. هذا يعني أننا بحاجة إلى تقييم دقيق للفرص المتاحة، مع الاعتبار للتكاليف والمكاسب المحتملة، وكذلك الاستعداد للتعامل مع النتائج غير المتوقعة التي قد تترتب على قراراتنا.

في هذه المحطة، يصبح كل قرار نتخذه بمثابة رهان على المستقبل، يُظهر إيماننا بقدرتنا على التنقل في مسارات الحياة المتغيرة. ومن خلال هذه القرارات، نشكل مسارنا الفردي، نكتب قصتنا الخاصة، ونحدد الاتجاه الذي سنأخذه في محيط الحياة الواسع.

جودة الرحلة: أكثر من مجرد وجهة

المسار الذي نختاره ليس بالضرورة الأسرع أو الأسهل، بل قد يكون الأكثر إثراءً لروحنا وعقلنا. والاختيارات التي تبدو صعبة في البداية غالبًا ما تكون الأكثر قيمة، إذ تمنحنا الفرصة لاكتساب الخبرات العميقة التي تشكل شخصيتنا وتعزز من نمونا الذاتي؛ ففي قطار العمر، كل محطة تقدم لنا دروسًا تزيد من ثراء تجربتنا الإنسانية، تعلمنا كيف نقدر الجمال في البساطة، والعمق في اللحظات الهادئة.

إنَّ استثمار الوقت في تقدير هذه الجوانب يُمكن أن يعزز من قدرتنا على التواصل مع الآخرين ومع أنفسنا، مما يرفع من جودة حياتنا العامة. فعندما نختار مسارًا يتحدى قدراتنا، نكتشف موارد داخلية لم نكن نعلم بوجودها. هذه الرحلات الأصعب غالبًا ما تقود إلى اكتشافات شخصية ومهنية قيمة، مثل تعلم كيفية التعامل مع الصعوبات، تطوير الصبر، وتعزيز الثقة بالنفس.

علاوة على ذلك، الطرق التي نختارها تكشف عن قيمنا وأولوياتنا. وبالتركيز على جودة الرحلة بدلاً من السعي الحثيث نحو النهايات، نتعلم أن كل خطوة في الطريق هي جزء لا يتجزأ من الوجهة النهائية. كما أن تعلم الاستمتاع بالرحلة وليس فقط الوصول إلى الهدف يمكن أن يؤدي إلى حياة أكثر سعادة وإشباعًا، حيث تصبح كل لحظة ذات قيمة ومعنى.

استثمار الوقت: الركيزة الأساسية للنجاح

ففي عالم يتسم بالسرعة، يُعتبر الوقت العملة الأكثر قيمة، وكيفية استثمار هذه العملة تحدد جودة الحياة التي نعيشها. استثمار الوقت بفاعلية لا يعني فقط الانشغال الدائم، بل يتطلب الانشغال الذكي. يجب أن نتساءل: هل نستثمر وقتنا في تعلم مهارات جديدة وبناء علاقات معنوية، أم أننا نضيعه في القلق على المستقبل والندم على الماضي؟ إن التوازن بين هذه الأمور يُعد مفتاحًا لتحقيق الرضا والنجاح.

كما إن استثمار الوقت بحكمة يتطلب منَّا نظرة استراتيجية للحياة، تشمل تحديد الأولويات بوضوح ووضع أهداف قابلة للتحقيق. على سبيل المثال، يمكن أن تساعد تقنيات تقسيم المهام الكبيرة إلى أجزاء صغيرة، استخدام الأجندة لتنظيم اليوم، وممارسة الانضباط الذاتي لتجنب المماطلة في تحسين إدارة الوقت بشكل كبير.

بالإضافة إلى ذلك، يُعد الوقت الذي نقضيه في تعزيز علاقاتنا الشخصية والمهنية استثمارًا قيمًا، حيث توفر هذه العلاقات الدعم العاطفي والمهني الضروري في أوقات التحدي. كما أن التعلم المستمر وتحديث المهارات يفتح أبوابًا جديدة ويخلق فرصًا للنمو الشخصي والمهني، مما يُعزز من قدرتنا على التعامل مع التحديات المستقبلية بفعالية أكبر.

تحقيق الذات: ما بين الانتظار والفعل

الانتظار بحد ذاته ليس عملاً سلبيًا؛ بل يمكن أن يكون فترة حيوية للتأمل وإعادة تقييم الاختيارات. وفي لحظات الانتظار، نجد الفرصة للتفكير العميق في مساراتنا الحياتية، وتقييم ما إذا كانت الأهداف التي نسعى إليها لا تزال تتماشى مع قيمنا وتطلعاتنا. ومع ذلك، يجب ألا يتحول الانتظار إلى حالة دائمة من التردد تمنعنا من استغلال الفرص المُتاحة. كما أن الفعل الموجه والمخطط له يمكن أن يحول الانتظار إلى جسر يوصلنا إلى ضفة النجاح والإنجاز.

وفي هذا السياق، يصبح الفعل المدروس والاستعداد المسبق عناصر أساسية لتحقيق الذات. كما أن استغلال الفرص في الوقت المناسب يتطلب استعدادًا نفسيًا وعمليًا يتجاوز مجرد الرغبة في النجاح إلى بناء القدرات اللازمة لتحقيقه. هذا يشمل تطوير مهارات جديدة، تعميق الفهم الذاتي، وتوسيع شبكات الدعم التي يمكن أن تساعد في التنقل عبر التحديات.

بالإضافة إلى ذلك، يجب علينا أن نتعلم كيف نوازن بين الصبر والحزم في اتخاذ القرارات. وفي بعض الأحيان، قد يكون الانتظار الاستراتيجي أفضل من الفعل المتسرع، خاصة عندما لا تكون المعلومات كافية لاتخاذ قرار مُستنير. ومع ذلك، فإنَّ التردد المفرط يمكن أن يؤدي إلى فقدان فرص قيمة قد لا تتكرر. ومن هذا المنظور، يجب أن نكون مستعدين للتحرك بثقة عندما تظهر الفرصة المناسبة، مستفيدين من التحليل المعمق والتجارب السابقة لتحقيق النتائج المرجوة.

الرحلة مُستمرة

وفي نهاية المطاف، قطار العمر لا يتوقف عند محطة محددة؛ بل يُواصل سيره، مخترقًا محطات عديدة، كل منها يمثل فرصة للتعلم والنمو، ويُقدم لنا فرصة جديدة لاستكشاف، ولتعزيز مهاراتنا، ولتوسيع أفقنا، ومع كل قطار نستقله، نكتسب خبرات تضاف إلى رصيدنا الحياتي، وتعمق من فهمنا للعالم ولأنفسنا.

وهناك سؤال مهم يطرح: كيف نجعل كل رحلة تعدنا بشكل أفضل للمحطات القادمة؟ هذا السؤال يدفعنا لاستثمار الوقت والجهد في تطوير الذات، ويحفزنا على التفكير بأن كل خطوة نتخذها يمكن أن تكون بمثابة بناء للجسور نحو أهداف أعلى وأسمى.

إنَّ فهم هذه الرحلة المستمرة والمشاركة النشطة في توجيه مسارها، يمكن أن يحول التجربة الإنسانية إلى مغامرة غنية ومُرضية. ومن خلال الاستمرار في التعلم والتكيف، يمكننا أن نجعل كل رحلة أكثر قيمة، وأن نبني حياة مليئة بالرضا والإنجاز. في كل محطة ومع كل قطار، نحن مدعوون لاكتشاف، لتجربة، ولتحقيق الإمكانيات الكاملة لوجودنا.

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

من أرصفة الحكمة الى ظلال الحياة

بقلم : د. مظهر محمد صالح ..

لم تفلت مني زمام الحكمة وانا اعاود المحاولة كي اتنفس اركان المعرفة التي اصطفت على بلاطات ارصفة الزقاق الرابط بين شارع مادسون ومكتبة مدينة نيويورك العامة. فجنبات الزقاق التي اضاءها الصباح تجعلك لاتبالي باناس ذلك الدرب ،فهم مجانين في مدينة المال ولايرون الا ما في رؤوسهم من حسابات ، فاستعبرت طويلاً قبل ان تلوح في عيني لمعة خاطفة تجاهلت فيها المارة والواقفين حتى وقعت عيني على قطع برونزية شديدة اللمعان ثبتت على بلاطات الرصيف وامتدت بقطع متجاورات تذكي ضياءً من جد وتوثب. وقع نظري على واحدة من تلك القطع البرونزية ولكن بلا تحدي ولا ابتسامة الظفر فوجدتها تخاطبني ،وهي تتمتع بزينتها من دون قلق ولا اعتذار ، وهي تقول : أقرأ ايها القادم من شرق المتوسط ،قبل ان ينقلب الجو عليك متخشعاً تحت سمرة المغيب. فليس ثمة اهمال او عدم مبالاة في هذه البلاد فنحن مشغولون في اعداد المستقبل دون نكران الماضي لنخوض غمارمعركة الحياة .
شعرت حالاً ان سبل الحياة في هذه الامة تقتضي الكفاح وان الكثير يشقى بعنادها وكيدها، وان الحياة بدون تلمس ابرة بوصلتها هي العدو الوحيد الذي لاتدري الامة كيف تأخذ بتلابيبه. لامست ارجلي فجأة قطعة برونزية فريدة على ذلك الرصيف وكانت تحاكي بحق وجه من اوجه شقاء الحياة ومفارقاتها ويقول نصها: الطبيعة والفن يبدوان مختلفين. فلايمكن للاشياء ان تكون نفسها، وعلى الرغم من ذلك ،فان الفن الذي يجسد فهمنا يؤكد دوماً ان الطبيعة هي واحدة ولا تختلف!. قلت في سري من هو قائل ذلك النص الذي ثُبت على تلك القطعة البرونزية اللامعة ؟ عاودت نظري ثانية محدقاً عيني لاجد ان قائلها هو الرسام التشكيلي بابلو بيكاسو. استدركت من فوري لاُعيد انتاج شيئاً رقد في مستودعات ذاكرتي لاسيما تلك الحادثة التي عاد يومها بيكاسو الى بيته بصحبة صديق له، فوجد أثاث منزله مبعثراً وان ادراجه محطمة وجميع الدلائل تشير الى ان اللصوص اقتحموا البيت في غياب صاحبه وسرقوه. وعندما عرف بيكاسو ماهي المسروقات ظهر عليه الضيق والغضب الشديد. هنا سأله صاحبه: هل سرقوا اشياءً مهمة؟أجاب بيكاسو:كلا لم يسرقوا سوى اغطية الفراش.فقال صديقه وهو يسأل بدهشة:إذن لماذا انت غاضب؟اجاب بيكاسو وهو يحس بان كبريائه قد جرح : يغضبني ان هؤلاء الاغبياء لم يسرقوا شيئاً من لوحاتي..!. هنا اخذت ارجلي تغادر نهايات الرصيف متذكراً حكمت بيكاسو بان الفن هو الذي يجسد الطبيعة الواحدة نفسها وان السراق هم تصرفوا خلاف الطبيعة. واخيرا انتهيت بآخر لوحة برونزية اصطفت في رصيف ذلك الزقاق وكانت للشاعرة الاميركية اميلي ديكنسون ، وهي تقول: تموت الكلمات عندما تقال في يوم ما، ولكنني اقول ان الكلمات بدأت لتعيش منذ يومها الاول! .ختاما،وقفت امام مكتبة نيويورك العامة وقد اعتلا مقدمتها اعلانا كبيرا يقول ان بين شهري ايلول وتشرين الاول 2015 سيقدم عدد من الكتاب والمؤلفين نبذة من اصداراتهم الجديدة والدعوة عامة للجميع. استدركت هنا ان ذلك الجمع (من الكتاب والمؤلفين والروائيين ) لم تُغيبهم ارصفة الحكمة طالما ستصطف رموز اعمالهم على ارصفة طريق مكتبة نيويورك العامة . فالطبيعة هي واحدة مهما اختلفت الاشياء.

د.مظهر محمد صالح

مقالات مشابهة

  • قصة: على هامش الحياة
  • بين إفراط القوة وفرط الانتظار
  • من أرصفة الحكمة الى ظلال الحياة
  • تشيزني: زوجتي تقرر مستقبلي مع برشلونة
  • الصحة: إنهاء قوائم الانتظار كان هدفا وتوجيها رئاسيا نجحنا في تحقيقه
  • "الفراعنة" في المونديال بعد غياب 12 عامًا
  • مشاهد من الحياة في بورتسودان عقب هجوم المسيرات
  • الكرة الذهبية تختار نجومًا جددًا.. وصلاح يُجبر على الانتظار
  • عندما يحين الوقت
  • خورفكان يخطف التعادل أمام بني ياس