ملاحظات تربوية على تصحيح امتحان التربية الدينية إلكترونيًا
تاريخ النشر: 22nd, January 2025 GMT
علق الدكتور تامر شوقي الخبير التربوي وأستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، على تصريح حول "تصحيح امتحان التربية الدينية إلكترونيا بعد دخولها في المجموع".
وصرح محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، بأن امتحان مادة التربية الدينية ستصحح إلكترونيًا بعد إضافتها للمجموع في نظام البكالوريا المصرية المقترح.
وأوضح الخبير التربوي أنه لا بد من انتظار ما يسفر عنه الحوار المجتمعى، واستشارة المتخصصين في المناهج والتقويم التربوى عن جدوى ذلك.
تساؤلات حول تصريح تصحيح التربية الدينيةواستنكر الخبير التربوي تصريح وزير التربية والتعليم عن مادة التربية الدينية برغم أنها موضع خلاف، متسائلا: "هل تم الانتهاء من الحوار المجتمعى حول البكالوريا حتى يتم التصريح بذلك؟".
وتابع الخبير التربوي قائلا: "هل المشكلة في التصحيح ذاته أم في اختلاف الامتحانآت واحتمالية عدم التكافؤ فيها؟ يعارض الكثيرون تعدد نماذج الامتحانات في نفس المادة والمحتوى في صفوف النقل، فما بالنا باختلاف الامتحانات عبر مواد مختلفة تماما في سنة مصيرية وليست انتقالية".
وأضاف الخبير التربوي أنه معروف أن امتحانات الثانوية العامة تأتى في معلومات المادة التى درسها الطالب فى سنوات سابقة، متسائلا:" فهل ستأتى امتحانات التربية الدينية بنفس الطريقة والتى يفتقد الطالب أساسياتها لأهماله لها في سنوات سابقة أم ستقتصر فقط امتحاناتها على المقرر الجديد في الصف الثالث الثانوي وبالتالي ستكون غير مناسبة لمستويات التمييز التى يجب أن تتميز بها امتحانات الثانوية العامة؟ ".
وطرح الخبير التربوي تساؤلا حول كيفية منح مادة التربية الدينية 100 درجة لتتساوى مع مواد صعبة مثل الكيمياء والفيزياء والرياضيات مستوى رفيع وهى مواد تخصصية.
ولفت الخبير التربوي إلى أنه لا يوجد أي جديد في تصحيح مادة التربية الدينية بشكل إلكتروني لأن ذلك التصحيح يتم استخدامه منذ عام ٢٠٢١ في الامتحانات.
وأضاف الخبير التربوي أنه لا يمكن تصحيح الاسئلة المقالية بشكل إلكتروني، فهل هذا يعنى اقتصار الامتحان على الاسئلة الموضوعية فقط التى يصلح معها التصحيح الإلكتروني؟ وهذا يمثل خلل لأن التربية الدينية تتطلب من الطالب حفظ الآيات القرآنية والاستشهاد بها فكيف سيتم تصحيحها إلكترونيا؟
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: التربية الدينية امتحان التربية الدينية الدكتور تامر شوقي الخبير التربوي وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف مادة التربیة الدینیة الخبیر التربوی
إقرأ أيضاً:
التربية والوعي أساس لحفظ وتماسك النسيج المجتمعي
في المجتمعات التي تتعرض للاهتزازات الكبرى، لا يكون الخطر الأكبر في ضياع بعض الموارد أو تعثر بعض المؤسسات فحسب، بل في اهتـزاز الوعي نفسه، وفي تراجع المعاني التي كانت تجمع الناس حول قيم مشتركة تحفظ لهم وحدتهم وتماسكهم.
ومن هنا تأتي التربية والوعي لا بوصفهما ملفين ثانويين، بل باعتبارهما الركيزة الأولى في بناء المجتمع وصيانة نسيجه من التشقق والتفكك.
فالمجتمع الذي يفقد بوصلته التربوية، ويضعف فيه الوعي، يصبح أكثر عرضة للفرقة، وأكثر قابلية للاختراق، وأقل قدرة على الصمود أمام الأزمات.
إن التربية الحقيقية ليست مجرد تلقين للمعارف، ولا حشو للأذهان بالمعلومات، بل هي صناعة للإنسان، وصياغة للضمير، وبناء للاتزان الداخلي الذي يجعل الفرد أكثر قدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، وحين تتأسس التربية على القيم الإيمانية والإنسانية الأصيلة، فإنها لا تخرّج أفراداً صالحين فقط، بل تبني مجتمعاً متراحمًا، متعاوناً، قادراً على تجاوز المحن دون أن يفقد هويته أو أخلاقه.
أما الوعي، فهو البصيرة التي تمنع الإنسان من أن يكون أداة في يد غيره، أو ضحية للثقافات المغلوطة والعقائد الباطلة ، أو أسيراً للانفعال اللحظي.
الوعي يعلّم الناس أن ينظروا إلى الأحداث بعقل مفتوح، وأن يفرقوا بين من يريد لهم الخير ومن يوظف آلامهم لمصالحه. وفي أزمنة الفوضى والحروب، يصبح الوعي سلاحاً لا يقل أهمية عن أي وسيلة أخرى، لأنه يحمي المجتمع من الانجرار إلى مؤامرات العدو، ومن الوقوع في فخ الشائعات والحرب الناعمة.
وإذا كانت التربية تُنشئ الإنسان من الداخل، فإن الوعي يحصنه من الخارج. ولذلك فإن بناء النسيج المجتمعي يبدأ من الأسرة أولًا، حيث يتشكل الطفل على معنى الاحترام والمسؤولية والانتماء، ثم تنتقل الرسالة إلى المدرسة، حيث يتسع الأفق وتُصقل الشخصية، ثم إلى المسجد والإعلام والمؤسسات الثقافية، حيث تترسخ القيم وتتحول إلى سلوك عام. وعندما تتكامل هذه المؤسسات في أداء دورها، يصبح المجتمع أكثر قدرة على حماية نفسه بنفسه، وأقل اعتماداً على ردود الأفعال المتأخرة.
وفي السياق اليمني على وجه الخصوص، تزداد أهمية التربية والوعي، لأن المجتمع الذي واجه أعواماً من العدوان والحصار والضغوط لا يحتاج فقط إلى الإغاثة، بل إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل. فالصبر الذي أبداه اليمنيون، والكرامة التي حافظوا عليها، والصمود الذي أذهل العالم، كلها تحتاج إلى حاضنة تربوية ووعي راسخ حتى لا تضيع تضحيات الشهداء في ضجيج اللحظة.
إن الأوطان لا تُحفظ بالسلاح وحده، بل تُحفظ أيضاً بالمدرسة، وبالقدوة، وبالخطاب المسؤول، وبالعقل الذي يرفض الانكسار.
ومن أخطر ما يهدد النسيج المجتمعي اليوم أن يتحول الاختلاف إلى عداوة، وأن تصبح التفاصيل الصغيرة سبباً لتفكيك الكبير المشترك.
وهنا تبرز وظيفة التربية الواعية في تعليم الناس أدب الخلاف، وفي غرس ثقافة التعاون رغم التباين، وفي ترسيخ فكرة أن قوة المجتمع لا تأتي من تماثله الكامل، بل من قدرته على إدارة تنوعه دون أن ينقلب إلى صراع. فالمجتمع المتماسك ليس ذلك المجتمع الذي لا يعرف الخلاف، بل الذي يعرف كيف يضبطه، ويمنع تحوله إلى قطيعة أو خصومة مدمرة.
إن الوعي الحقيقي لا يكتفي بكشف الأخطاء، بل يدفع إلى الإصلاح. والتربية الحقيقية لا تكتفي بالتحذير من الانحراف، بل تزرع البديل النظيف، وتفتح للناس أبواب الأمل والعمل. ومن هنا فإن بناء مجتمع متماسك يبدأ من مشروع طويل النفس، يربط بين الإيمان والمعرفة، وبين القيم والسلوك، وبين الحرية والمسؤولية. وحين يشعر الإنسان أن كرامته مصونة، وهويته محترمة، ومستقبله محفوظ، فإنه يكون أكثر استعدادا للعطاء، وأكثر التزاما بالمصلحة العامة، وأكثر وفاءً لمجتمعه ووطنـه.
إن التربية والوعي ليسا ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية لأي أُمّـة تريد أن تبقى. وتحفظ الأجيال من الضياع، ويستعيد المجتمع قدرته على النهوض من جديد.
وفي زمن كثرت فيه الجراح، تظل التربية الصادقة والوعي الصافي هما الطريق الأقرب إلى شفاء النفوس، وحماية الصف، وصون النسيج المجتمعي من كل ما يهدده بالتمزق والانكسار.