نقد لمقال فيصل محمد صالح بعنوان: “علامان من حرب السودان – لم ينجح أحد”
تاريخ النشر: 24th, April 2025 GMT
أول ما يلفت الانتباه في هذا المقال ليس عمق التحليل أو قوة المنطق، بل ما يختبئ خلف الكلمات من تحيّز فج وموقف ضبابي يتخفى خلف قناع “الحياد الزائف”. الكاتب، المعروف بانتمائه السابق لقوى الحرية والتغيير (قحت)، وهي ذات القوى التي تساهلت تاريخيًا مع تمدد المليشيات داخل الدولة، والتي وقعت معها الاتفاق الإطاري و اتفاق أديس ابابا و غيرها من التحالفات، يحاول في هذا المقال عبثًا أن يوهم القارئ بأنه يتناول الحرب من منظور إنساني عام، بينما في الواقع، يضرب على وتر خبيث وهو: تبرئة المليشيا وتجريم الحرب بحد ذاتها، دون تحميل المعتدي المسؤولية.
*أولاً: الخلط المقصود بين الجلاد والضحية*
الكاتب يزعم أن “الجميع خسر ولم ينجح أحد”، وهو تعميم رخيص وكسول. الحقيقة أن من بدأ الحرب هو المليشيا المتمردة، ومن ارتكب الجرائم الموثقة ضد المدنيين في الخرطوم، وود نورة، والتكينة، والفاشر، هم عناصر “قوات الدعم السريع”، باعتراف المنظمات الدولية. ومع ذلك، يصر الكاتب على مساواة الضحية بالجلاد. هذا ليس فقط تضليلاً إعلاميًا، بل هو تواطؤ أخلاقي فاضح.
*ثانياً: استراتيجية “التذاكي” لتبرئة المليشيا*
في الوقت الذي يعدد فيه الكاتب جرائم المليشيا من هجوم على معسكرات النازحين، إلى قصف الأحياء السكنية، نجده يختم كل فقرة بمراوغة: “الحرب هي السبب”، وكأن الحرب كائن نزل من السماء، لا طرف بدأها، ولا مجرم قادها. هذا أسلوب معروف، هدفه تبرئة الفاعل الحقيقي وطمس معالم الجريمة، بل وشرعنتها.
*ثالثاً: ادعاء حياد كاذب لتبييض صورة المليشيا*
القول بأن “الجيش السوداني أيضاً يرتكب جرائم مثل المليشيا” هو محاولة بائسة لتسويق مقولة مهترئة تجاوزها الوعي الجمعي للشعب السوداني. هذا التكتيك المفضوح أصبح اليوم سُبّة، ودليل دامغ ضد أي كاتب يستخدمه. الفارق بين جيش نظامي يحارب لحماية الدولة، وبين مليشيا نهب وقتل واغتصاب، لا يمكن محوه بعبارات صحفية متذاكية.
*رابعاً: التباكي على الرموز دون إدانة الفاعلين*
حتى حين يذكر مقتل الطبيبة هنادي النور، لا يجرأ الكاتب على تسمية القاتل الحقيقي بوضوح، ولا يحمّل المليشيا المسؤولية. بل يعيد الكرة مرة أخرى ويلجأ للعبارات العامة: “ضحية الحرب”، “الخسائر الإنسانية”، وكأن هنادي سقطت من السماء، لا برصاص معلوم المصدر والنية في جريمة حرب تحرمها القوانين الدولية.
*خامساً: التباكي المبتذل على “الانقسام المجتمعي”*
الكاتب يذرف دموع التماسيح على “تفكك المجتمع”، لكنه يتجاهل أن المليشيا هي من غذّت الخطاب القبلي، واستهدفت مجموعات بعينها بالتصفية والاغتصاب، وهي التي زعزعت أسس التعايش. من الغريب أن مقالاً بهذا الطول لا يحتوي إدانة صريحة لهذه الفظائع، بل يمر عليها بخفة مريبة، وكأنها تفاصيل جانبية.
*خلاصة القول:*
هذا المقال نموذج صريح للحياد الزائف، الذي يستخدم قناع “التحليل الإنساني” لتبييض صفحة المليشيا، وتشويه صورة الجيش السوداني، والتهرب من إدانة المعتدي. إنه خطاب مائع ومشبوه، يتبناه من لم يعد يجرؤ على الوقوف علنًا مع المليشيا، فيلجأ إلى التذاكي، والتعميم، والمراوغة. ومثل هذا الطرح، بعد عامين من المجازر، لم يعد فقط غير مقبول، بل أصبح دليلاً على التواطؤ الأخلاقي مع القتلة.
د. محمد عثمان عوض الله
إنضم لقناة النيلين على واتساب
المصدر
المصدر: موقع النيلين
إقرأ أيضاً:
اجتماع دولي في نيروبي لتنسيق المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان
بدأ أمس الثلاثاء، في العاصمة الكينية نيروبي، أعمال الاجتماع الثالث للمبعوثين الدوليين والمسؤولين المعنيين بالملف السوداني، بمشاركة ممثلين عن دول ومنظمات إقليمية ودولية، في إطار جهود تهدف إلى تنسيق المبادرات الخاصة بالأزمة السودانية وتعزيز التعاون الدولي لدعم مساعي وقف الحرب والتوصل إلى تسوية سلمية.
نيروبي ـ التغيير
ويُنظم الاجتماع من قبل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيجاد»، بمشاركة ممثلين عن اليابان وألمانيا والنرويج وإسبانيا وتركيا والمملكة المتحدة وفرنسا، إلى جانب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي.
وقالت «إيجاد»، في بيان، إن الاجتماع يأتي في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تحيط بمسارات التسوية السياسية والاستجابة الإنسانية في السودان، موضحة أن الهدف الرئيسي يتمثل في توحيد الخطاب الدولي وتنسيق المبادرات المختلفة، بعد أن أدى تعددها خلال الفترة الماضية إلى إضعاف الجهود الرامية لإنهاء النزاع.
وجددت الهيئة التزامها بدعم عملية سياسية تقودها أفريقيا، بالتنسيق مع الدول الأعضاء والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والشركاء الدوليين، بما يسهم في تحقيق سلام دائم واستقرار مستدام في السودان.
وأضافت أن الاجتماعات الدورية التي يعقدها مكتب «إيجاد» المعني بالسودان مع الأطراف الإقليمية والدولية تستهدف تقريب وجهات النظر، وبناء رؤية مشتركة لمعالجة الجوانب السياسية والإنسانية للأزمة، وتهيئة الظروف اللازمة لإحراز تقدم ملموس على الأرض.
واستضاف الاجتماع السكرتير التنفيذي لـ«إيجاد»، الدكتور ووركنيه جبيهو، بالشراكة مع وزير الخارجية وشؤون المغتربين الكيني، الدكتور موساليا مودافادي.
وأكد جبيهو، في كلمته الافتتاحية، أن الحرب في السودان لا تزال تُخلّف تداعيات إنسانية وأمنية واسعة على السودان ودول الإقليم، داعيًا إلى تعزيز التنسيق بين مختلف الشركاء الإقليميين والدوليين، وإجراء تقييم استراتيجي مشترك يحدد بوضوح أدوار ومسؤوليات كل طرف.
وشدد المشاركون، بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، إلى جانب مجموعتي «الرباعية» و«الخماسية» وشركاء دوليين آخرين، على ضرورة أن تظل عملية السلام مملوكة للسودانيين وتقودها إرادتهم، مع توفير دعم إقليمي ودولي منسق يعزز فرص إنهاء الصراع وتحقيق سلام مستدام.
و تأتي هذه الاجتماعات في وقت تتواصل فيه الحرب في السودان منذ أبريل 2023، وسط تعثر المبادرات السياسية وتفاقم الأزمة الإنسانية. وخلال الأشهر الماضية، تعددت المسارات الإقليمية والدولية الهادفة إلى إنهاء النزاع، بما في ذلك مبادرات تقودها «إيجاد» والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، إلى جانب جهود الرباعية والخماسية، غير أن غياب التنسيق بين هذه المبادرات حال دون تحقيق اختراق ملموس في مسار التسوية.
الوسوماجتماعات الأوضاع في السودان الإيقاد التسوية السياسية نيروبي