لجريدة عمان:
2026-06-02@21:42:25 GMT

غزة في سورة الفجر

تاريخ النشر: 26th, June 2025 GMT

بينما أتأمل في سورة الفجر -التي تذكرنا بالأيام العشر الأولى من الشهر الذي ودعناه بالأمس مع استقبال عام هجري جديد- تلمس قلبي الآية التي يقول فيها الله تعالى: «كَلَّا بَل لَّا تُكرِمُونَ اليَتِيمَ وَلَا تَحضُّونَ عَلَى طَعَامِ المسكينِ»، فقفزت إلى مخيلتي صور أطفال غزة الجائعين، الذين يعانون من شظف العيش وألم الجوع والعطش والموت، حينها رجعت لأول السورة للبحث عن دلالات وإشارات وعظات تحيلنا إلى الواقع الذي نعيشه، وكيف أن هذه السورة حين تتلوها وتتأملها، تشعر وكأنها نزلت اليوم، لا قبل أربعة عشر قرنا، فأنت تستطيع تلمس كل آية من آياتها لتجد لها مثالا في الواقع ولكن الآية التي تأمرنا بإكرام اليتيم، وتحضنا على إطعام المسكين، هي الآية المفتاح لفكرة التتبع في هذه السورة العظيمة، فهذه الآيات تذكير حي بواجبنا الديني والإنساني تجاه المستضعفين من إخواننا في غزة وفلسطين، ونداء للاستيقاظ من غفلة القلوب تجاه معاناتهم، ومد يد العون لهم بكل ما نستطيع.

فابتداء من الفجر الذي أقسم الله به في هذه السورة حين قال عز من قائل: « وَالفجر (1) وَلَيَالٍ عَشر (2) وَالشفعِ وَالوتر(3) وَالليل إِذَا يَسر (4) هَل فِي ذَلِكَ قَسَم لِّذِي حِجر(5)»، فالله أقسم به تعظيما، والتفاتا لأهمية هذا الوقت، فهو إحدى آيات الله الدالة على عظمته، فنور الفجر ينبثق من حالك الظلمة، فهو يماثل انبثاق نور الهداية من ظلمات الضلال، وهو مؤذن بانقلاب الحال، كما أقسم الله تعالى بمخلوقاته من الأزمنة والأوقات، وبعدها قال عز وجل إن في ذلك القسم تفكرا وتأملا لذي حجر أي لذي عقل.

ثم نجد أن الله عز وجل ذكر أحوال الأمم والحضارات المادية المتغطرسة، التي تشبه الأمم المتغطرسة في عصرنا من يملك القوة لكنه لا يملك الرحمة، فقال عز وجل: « أَلَمتَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ لعِمَادِ (7) الَّتِي لَم يخلق مِثلُهَا فِي البلد (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ لصَّخرَ بِالوادِ (9) وَفِرعون ذِي الاوتادِ (10) الَّذِينَ طَغَواْ فِي البلادِ (11) فَأَكثَرُواْ فِيهَا الفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيهِم رَبُّكَ سَوطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِلمِرصَادِ (14)»، فذكر قوم عاد وحضارتهم التي تعتبر من أعظم الحضارات في التاريخ الإنساني، فهي حضارة مكن الله لها ووصفها بأنها ذات أعمدة عمرانية عظيمة، وأنها لم يخلق مثلها في البلاد، لعظيم ما وصلت إليه، فماذا فعل الله بها، وكذلك حضارة أصحاب الحجر، الذين وصف الله قوتهم فقال إنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتا فارهة، وذلك لعظمة ما مكن الله لهم من قوة وقدرة وعلم، كما أورد ذكر فرعون الذي بنى الأهرامات العظيمة التي تشبه الجبال، فجميع هذه الأمم والحضارات امتلكت القوة، فاستعلوا بها على البشر، فظلموا وطغوا وتجبروا، فكان مصيرهم الدمار الإلهي.

فصب الله عليهم العذاب صبا، فأهلك عاد بالريح، فقال الله عز وجل في سورة الحاقة: « وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ»، وأهلك ثمود بالصيحة، فقال تعالى في سورة الحجر: « فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ»، وأما فرعون وجنوده فقد أهلكهم الله بالغرق فقال الله تعالى في سورة البقرة:« وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ».

وهذا هو حال دول الطاغوت اليوم، من أمثال دولة الاحتلال ومن يساندهم من دول الغرب الذين أكثروا الفساد في الأرض فقتلوا أكثر من 60 ألفا من أبناء غزة، وجرحوا أضعاف هذا العدد، واحرقوا الأخضر واليابس، ودمروا المساكن، وهم يمعنون في تعذيب أهل غزة وظلمهم وتجويعهم.

بعدها ذكرت سورة الفجر حال الإنسان مع الابتلاء بالخير والشر، ويقول المفسرون إن ورود كلمة «الإنسان» في القرآن تأتي دائما في صفة الذم، فالله في سورة الفجر ابتلى الإنسان بالإكرام، والتوسعة في الرزق، كما أنه يبتليه بتضييق الرزق عليه فقال تعالى: « فَأَمَّا الانسانُ إِذَا مَا بتلاه رَبُّهُ فَأَكرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عليهِ رِزقَهُ فَيَقُولُ رَبّي أَهننِ (16)».

تأتي الآيات التي تصف أخلاق المجتمع الظالم، فتجد فيها أوصافا تطابق واقعنا أمام غزة اليوم: «كَلَّا بَل لَّا تُكرِمُونَ ليَتِيمَ (17) وَلَا تَحَضُّونَ عَلَى طَعَامِ لمِسكِينِ»، فاليوم أصبحت مدينة غزة كلها أيتاما ومساكين، فهل حضضنا الناس على إطعامهم، فالله تعالى قال: ولا تحاضّون، أي لا يشجع بعضنا بعضا على إغاثة المساكين، فكيف بمن يسكت أو يثبط أو يساوم على جوعهم؟ ومما يدمي القلب ويعتصره مشاهد الجوع والدماء التي تختلط بالطعام عندما يقوم المجرم الإسرائيلي بقنص شباب غزة وأطفالها ونسائهم في مسيرهم الطويل إلى نقاط توزيع الطعام.

فمع اشتداد العدوان الأخير، وقطع المعابر، ومنع دخول الوقود والغذاء، صار الجوع سلاحا إضافيا يستخدم في حرب ظالمة تخاض ضد المدنيين، فترى صور الأطفال ذوي الوجوه الشاحبة، والرضع الذين توقف حليب أمهاتهم، والنساء اللائي يطبخن الأعشاب، ونحن في زمن الوفرة في عالم تتكدس فيه الموائد، ويهدر فيه الطعام، وتصرف المليارات على الترف، تتجلى هذه المأساة الإنسانية في غزة.

والمصيبة الأعظم ليست فقط في موت الجوعى، بل في اعتيادنا على موتهم، فقد أصبحنا نرى الأخبار ولا نهتز، ونقرأ الإحصاءات ولا نحزن، ونشاهد الجثث فلا نتضرع، ولعل أخطر ما يصاب به القلب هو تبلد الإحساس، حين نتحول من شهودٍ على الجريمة إلى متعايشين معها، وكأنه وضع طبيعي، بل وفي أحيان كثيرا نحاول أن لا نرى تلك الصور والمشاهد ونتجاهلها، إمعانا في حب أنفسنا.

فالمسلم يجب عليه اليوم هو أن يجدد صلته بمفهوم «الجسد الواحد»، الذي لا يهنأ بعضه إذا اشتكى بعضه الآخر، الذي ذكره الرسول الكريم في الحديث الشريف، فيجب أن يلهج قلبنا بالدعاء لإخواننا، وأن نقوم بخطوات عملية من خلال الإغاثة المالية عبر القنوات الموثوقة، والضغط السياسي عبر منابر الرأي، والتبرع، والصيام التضامني، والمشاركة الإعلامية المستمرة، فهي مسؤوليات دينية قبل أن تكون إنسانية.

بعدها يقول ربنا في سورة الفجر: «وَتَأكُلُونَ لتُّرَاثَ أَكلا لَّما (19) وَتُحِبُّونَ لمَالَ حُبّا جَمّا (20)»، وهذا توصيف دقيق للمجتمعات التي تراكم المال وتسرف، بينما على الطرف الآخر من العالم، يموت الأطفال من الجوع.

ثم تنتقل أيات سورة الفجر إلى التحوّل الأخروي، فتصفع كل ضمير غافل، فيقول ربنا جل وعلا: « كَلَّا إِذَا دُكَّتِ لأَرضُ دَكا دَكّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَلمَلَكُ صَفا صَفّا (22) وَجِاْيءَ يَومَئِذ بِجَهَنَّمَ يَومَئِذ يَتَذَكَّرُ الإِنسَنُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكرى(23) يَقُولُ يَلَيتَنِي قَدَّتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَومَئِذ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَه أَحَد (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَد (26)»،

حين تتزلزل الأرض، وتتلاشى الحدود، ويكشف المستور، ستعرض غزة من جديد، على ميزان الله، فكم منا سيقولها حين يكتشف أنه رأى أهل غزة يموتون جوعًا، ولم يتحرّك «يا ليتني قدمت لحياتي» سيصاب بهذه الحسرة لأنه صمت حين وجب الكلام، وبخل حين وجب العطاء.

وفي الختام يقول الله عز وجل لأصحاب النفس المطمئنة من أصحاب المأساة الدنيوية، ومن أعانهم ابتغاء لمرضاة الله: « يَأَيَّتُهَا لنَّفسُ لمُطمَئِنَّةُ (27) رجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَة مَّضِيَّة (28) فَدخُلِي فِي عِبَدِي (29) وَدخُلِي جَنَّتِي (30)».

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: فی سورة الفجر الله تعالى عز وجل

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • موعد أذان الظهر.. مواقيت الصلاة اليوم الأربعاء 3 يونيو بالقاهرة والمحافظات
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • موعد أذان الفجر.. مواقيت الصلاة غدا الأربعاء بالقاهرة والمحافظات
  • الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة المقبل.. «كن راضيا وإياك والتباهي»
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • أمير نجران يعزّي شيخ شمل آل فاطمة يام في وفاة شقيقه
  • الإصدار السابع والخمسون من زاد الأئمة والخطباء "كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي"
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟