تحقيق CNN يكشف ما وراء جثث مُجرَّفة ومقابر بلا علامات في غزة
تاريخ النشر: 3rd, December 2025 GMT
ملاحظة المحرر: تحتوي هذه القصة على صور مزعجة.
(CNN)-- أدرك عمار وادي أنه يُخاطر بحياته عندما انطلق لجلب كيس دقيق لعائلته من شاحنة مساعدات قرب معبر زيكيم إلى غزة في يونيو/ حزيران. كتب على الشاشة الرئيسية لهاتفه: "سامحيني يا أمي إن أصابني مكروه. من يجد هاتفي، فليخبر عائلتي أنني أحبهم كثيرًا".
ووسط إطلاق النار الإسرائيلي المُستمر على طالبي المساعدة هذا الصيف، لم يعد وادي إلى منزله، ووصلت الرسالة التي تركها إلى عائلته بعد أسابيع من شخص وجد هاتفه.
وادي من بين عشرات الفلسطينيين الذين يقول أحباؤهم إنهم اختفوا قرب زيكيم، ولا يزال مصيرهم مجهولًا.
رسالة وداع عمار وادي:
ذهب وادي لجلب كيس دقيق من شاحنة مساعدات قرب معبر زيكيم إلى شمال غزة في يونيو/حزيران 2025. لم يعد إلى منزله، ولكن هاتفه وصل إلى عائلته بعد أسابيع، وعلى شاشته الكلمات التالية:
ويشير تحقيق لشبكة CNN الآن إلى أن الجيش الإسرائيلي جرف جثث بعض القتلى قرب المعبر إلى قبور ضحلة مجهولة. وفي أحيان أخرى، تُركت رفاتهم لتتحلل في العراء، حيث لم يكن من الممكن استعادتها في المنطقة العسكرية. ويقول خبراء قانونيون إن ممارسة سوء التعامل مع الجثث عن طريق دفنها في قبور مجهولة يمكن أن تشكل انتهاكا للقانون الدولي.
واستندت مراجعة CNN، التي وجدت أيضًا أن طالبي الإغاثة قُتلوا بنيران إسرائيلية عشوائية بالقرب من المعبر، إلى مئات مقاطع الفيديو والصور من محيط زيكيم، إلى جانب مقابلات مع شهود عيان وسائقي شاحنات مساعدات محليين.
كما تُظهر صور الأقمار الصناعية نشاط تجريف طوال الصيف في المناطق التي قُتل فيها طالبو الإغاثة. يُظهر مقطعا فيديو، حددتهما CNN جغرافيًا في منطقة زيكيم، آثار حادثة وقعت في يونيو، حيث يُصوّران جثثًا مدفونة جزئيًا حول شاحنة مساعدات مقلوبة.
وتحدثت CNN مع اثنين من أفراد الجيش الإسرائيلي السابقين اللذين وصفا حالات في أماكن أخرى في غزة خلال الحرب حيث تم دفن جثث فلسطينيين في قبور ضحلة، وقد طلبا عدم الكشف عن هويتهما لأنهما غير مخولين بالحديث في هذا الشأن.
ونفى الجيش الإسرائيلي استخدامه للجرافات "لنقل" الجثث، لكنه لم يتطرق إلى ما إذا كان قد تم استخدامها لدفنهم، إذ صرح الجيش الإسرائيلي لشبكة CNN بأن وجود الجرافات حول زيكيم كان "أمرًا روتينيًا" يُستخدم لأغراض عملياتية، مثل التعامل مع التهديدات المتفجرة أو "الاحتياجات الهندسية الروتينية".
ووفقًا للقانون الدولي، يتعين على الأطراف المتحاربة التعاون في دفن القتلى بطريقة تسمح بالتعرف عليهم، وفقًا لجانينا ديل، المديرة المشاركة لمعهد أكسفورد للأخلاقيات والقانون والصراع المسلح.
وقالت المديرة المشاركة لمعهد أكسفورد للأخلاق والقانون والصراع المسلح، جانينا ديل: "الغرض هو منع تحول الموتى إلى مفقودين، وإتاحة الفرصة لتخليد ذكراهم، لا سيما من قبل عائلاتهم.. وعلاوة على ذلك، إذا تم تشويه الجثث عمدًا أو إساءة التعامل معها بطريقة تنتهك كرامتهم، فقد يرقى ذلك إلى "اعتداءات على الكرامة الشخصية" وهي جريمة حرب بموجب اتفاقيات جنيف".
ومع ذلك، يبقى تحديد ما إذا كان الجيش الإسرائيلي يتتبع المواقع التي يُزعم أنه دفن فيها الجثث سؤالًا مفتوحًا، وأخبر أحد المبلغين عن المخالفات في الجيش الإسرائيلي شبكة CNN أنه عندما دفنت وحدته تسعة أشخاص في أوائل عام 2024، تُرك موقع القبر بدون علامة، ولم يرد الجيش الإسرائيلي على سؤال CNN حول هذه الحادثة.
وبعد ما يقرب من 6 أشهر من اختفاء وادي، لا تزال عائلته بلا إجابات، وبدلاً من إيجاد العزاء في رسالته الهاتفية الأخيرة، فإن والدة وادي، نوال مصلح، تطاردها فكرة قد لا تكتشفها أبدًا.
وقالت لشبكة CNN: "عندما يخطر ببالي، لا تتوقف عيناي عن البكاء.. نحن نقبل ما كتبه الله لنا، ولكننا نريد فقط أن نعرف ماذا حدث لابننا".
يُظهر مقطعا فيديو صادمان نُشرا على مواقع التواصل الاجتماعي في 11 سبتمبر - راجعتهما شبكة CNN وحددت موقعهما الجغرافي - تدفقًا مستمرًا من الفلسطينيين الفارين من منطقة زيكيم وهم يحملون أكياس الدقيق تحت وابل من النيران.
ويبدو أن شخصًا واحدًا على الأقل يحمل الدقيق قد أُطلق عليه النار من الخلف في اللقطات، ويبدو أن إطلاق النار قادم من اتجاه موقع للجيش الإسرائيلي حددته CNN في صور الأقمار الصناعية.
وحلل روبرت ماهر من جامعة ولاية مونتانا، وهو خبير في الأدلة الجنائية الصوتية، مقاطع الفيديو لشبكة CNN، ووجد أن الطلقات انطلقت من على بُعد حوالي 340 مترًا (1115 قدمًا) من موقع التصوير، وهو ما يُعادل المسافة من موقع الجيش الإسرائيلي.
وفي الفيديو الآخر، يُمكن أيضًا رؤية مجموعة وهي تعتني بجثة شخص يبدو أنه ميت وآخر مصاب بجروح بالغة، قبل نقلهما بعيدًا. في هذه الأثناء، يستمر إطلاق النار.
وفي بيان لشبكة CNN، قال الجيش الإسرائيلي إنه "لا يطلق النار عمداً على المدنيين الأبرياء"، وفي الحالات التي ينشأ فيها تهديد، "يتم إطلاق النار لأغراض التحذير أو لتحييد التهديد".
وتُظهر لقطات وصور أخرى راجعتها شبكة CNN جثثًا متعددة لم يتمكن أيٌّ من طالبي المساعدة أو الدفاع المدني من انتشالها من زيكيم بسبب الظروف الخطيرة.
وفي 15 يونيو/ حزيران، صرّح شاهدا عيان لشبكة CNN بأن حشدًا من الفلسطينيين الجائعين اجتاح شاحنة مساعدات كانت قادمة من المعبر، تُشغّل شاحنات المساعدات هذه من قِبل مقاولين محليين من القطاع الخاص في غزة لنقل الإمدادات من المعبر وإيصالها إلى القطاع.
وقال شهود العيان إنه بعد محاصرة شاحنة المساعدات بوقت قصير، أطلق الجيش الإسرائيلي النار باتجاهها، وبدا أن العديد من الأشخاص قد أصيبوا بطلقات نارية وسقطوا تحتها.
وسُمح لسيارة إسعاف تابعة لعمال الدفاع المدني بالوصول إلى المنطقة بعد عدة أيام.
وقال أحد عمال الدفاع المدني لشبكة CNN، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه خوفًا على سلامته: "لقد صُدمنا بالمشهد. كانت الجثث التي انتشلناها متحللة - من الواضح أنها كانت هناك لفترة من الوقت، وكانت هناك علامات على أن الكلاب أكلت أجزاءً منها".
وتُظهر مقاطع فيديو حصلت عليها شبكة CNN وحددت موقعها الجغرافي في ذلك الموقع في زيكيم، شاحنة مساعدات محطمة ومقلوبة وسط كومة من الأنقاض. وتناثرت عدة جثث متحللة حول السيارة، مدفونة جزئيًا في أكوام من الرمال. كما شوهد كلب ضال في مكان قريب.
ولم يتمكن فريق الدفاع المدني من انتشال سوى 15 جثة، ومع امتلاء سيارة الإسعاف، لم يتم انتشال ما يقرب من 20 جثة، وفقًا للعامل. ولم يُجب الجيش الإسرائيلي على أسئلة حول هذا الحادث.
وتحدث 6 سائقين محليين لشاحنات المساعدات ممن عملوا على طريق زيكيم إلى شبكة CNN شريطة عدم الكشف عن هويتهم خوفًا على سلامتهم، ووصفوا مشاهد الجثث المتناثرة والمتحللة بأنها مشهد شائع، حيث تقوم الجرافات الإسرائيلية أحيانًا بإزالة الجثث في الرمال.
وقال أحد السائقين: "أرى جثثًا في كل مرة أقود فيها عبر زيكيم... شاهدت الجرافات الإسرائيلية تدفن الجثث.. لو مررت بتلك المنطقة في يوليو، لما فاتتك؛ لقد أبقيت نوافذ سيارتي مغلقة".
وقال سائق آخر إن "جرافات الجيش الإسرائيلي إما تدفنهم أو تغطيهم بالتراب".
وتُضاف صور الأقمار الصناعية والصور الفوتوغرافية إلى هذه الشهادات، إذ تُظهر وجودًا ثابتًا للجرافات الإسرائيلية من أواخر يوليو إلى أوائل أغسطس. وتظهر علامات نشاط الجرافات حول معبر زيكيم بدءًا من منتصف يونيو، بعد فتح طريق المساعدات مباشرةً، وحتى 12 سبتمبر، عندما أُغلق.
ويبدو أن بعض نشاط الجرافات كان مرتبطًا بتطهير طريق المساعدات، الذي كان مليئًا بالصناديق والحطام في كثير من الأحيان.
وفي أحيان أخرى، تُظهر صور الأقمار الصناعية نشاط جرافات دون غرض واضح، كما حدث عندما دفعت جرافة مساحة 30 مترًا مربعًا (322 قدمًا مربعًا) من التربة إلى كومة قصيرة في منتصف يونيو، على بُعد حوالي 400 متر (1300 قدم) من مكان العثور على الشاحنة المقلوبة التي عالجها عمال الدفاع المدني قبل أيام.
كما استُخدمت الجرافات مرارًا وتكرارًا لهدم أنقاض المباني التي كان طالبو الإغاثة يحتمون خلفها سابقًا من نيران إسرائيل، كما يتضح في العديد من مقاطع الفيديو.
وقال شاهدا عيان لشبكة CNN إنه في السابع من سبتمبر/ أيلول - بينما كان الناس يبحثون بالقرب من زيكيم عن أي علامة على وجود أفراد أسرهم المفقودين - عثروا على ما قالوا إنه يبدو وكأنه جثث تم تدميرها بالجرافات.
قال عادل منصور، أحد شهود العيان الذين ذهبوا للبحث عن ابنه البالغ من العمر 17 عامًا، لشبكة CNN: "وجدتُ الجثث هناك وقد جرفتها الجرافات مع صناديق الكرتون (المساعدات)... لقد رصوها فوق بعضها البعض".
وقال سائق شاحنة مساعدات عمل على طرق زيكيم لشبكة CNN: "الأمر أشبه بمثلث برمودا؛ لا أحد يعرف ما يحدث في تلك المنطقة، ويبدو أن أحدًا لن يعرف أبدًا".
مبلغون من الجيش الإسرائيلي يتحدثونلا تقتصر هذه التقارير عن جرف الجيش الإسرائيلي لجثث الفلسطينيين على معبر زيكيم. فقد أشار مبلغو جيش الدفاع الإسرائيلي الذين تحدثوا إلى CNN ومنظمة "كسر الصمت" (BTS) غير الحكومية للمحاربين القدامى المناهضين للاحتلال إلى نمط أوسع من سوء تعامل الجيش مع القتلى في غزة خلال الحرب.
وتحدث أحد المبلغين عن المخالفات في الجيش الإسرائيلي، والذي خدم سابقًا في موقع استيطاني في ممر نتساريم، إلى CNN شريطة عدم الكشف عن هويته خوفًا من الانتقام. قال الجندي إن 9 جثث لفلسطينيين عزل تُركت لتتحلل لمدة يومين تقريبًا حول قاعدته في أوائل عام 2024. وأضاف أن رائحة الجثث المتعفنة أصبحت نفاذة للغاية بينما كانت الكلاب تنبش البقايا.
وأضاف المبلغ: "طلب قائدنا من الجرافات D9 تغطية الجثث بالرمل"، ويتذكر قائلا: "مجرد رؤية هذا الكم من الجثث من حولك، عندما ترى أنهم غير مسلحين، عندما ترى الكلاب تأكلهم لتلعب بالعظام والأرجل والجمجمة. إنه لأمر فظيع."
وعلى حد علم المُبلغ عن المخالفة، لم يتم التقاط صور للجثث للسماح بالتعرف عليها لاحقًا أو لتحديد موقعها، وقال: "ربما لا تعرف العائلات ما حدث لأحبائهم".
وكما قالت منظمة BTS، التي توفر منتدى للجنود الإسرائيليين للتحدث والتحقق من رواياتهم، إنها تلقت العديد من الشهادات من الجنود حول هذه الممارسة.
وقال جندي سابق آخر في الجيش الإسرائيلي - نقيب خدم في مركز قيادة يشرف على القوات الإسرائيلية في غزة أواخر عام 2023 - إنه لم يتلق أي توجيه من الجيش يحدد معاملة جثث الفلسطينيين الذين قُتلوا في غزة، ويقول إنه عندما أغلقت جثة فلسطيني قتلته القوات الإسرائيلية طريقا في غزة، قرر ضباط مركز القيادة في نهاية المطاف استخدام جرافة لدفع الجثة إلى قبر ضحل على جانب الطريق.
وأضاف المُبلّغ لشبكة CNN شريطة عدم الكشف عن هويته: "لم يعطونا أي بروتوكول أو أي أمر بشأن كيفية التعامل على الإطلاق مع أي جثث لمقاتلين أو غير مقاتلين صادفناها في الحرب".
ولم يُجب الجيش الإسرائيلي على أسئلة CNN حول شهادات الجنود السابقين.
وعلى مدار العامين الماضيين، دفن الجيش الإسرائيلي مرارًا وتكرارًا جثث الفلسطينيين في مقابر غير مميزة أو ضحلة أو جماعية في مواقع في جميع أنحاء غزة. ويشمل ذلك مئات الجثث التي عُثر عليها العام الماضي في مستشفى ناصر في خان يونس، وفقًا للسلطات هناك، ومقتل 15 عامل إغاثة في جنوب القطاع في مارس/ آذار، والتي تم تفصيلها في تقرير لشبكة CNN
ونفى الجيش الإسرائيلي باستمرار دفن الفلسطينيين في مقابر جماعية.
وكما استخدم الجيش الإسرائيلي الجرافات في نقاط مختلفة من الحرب لتدمير المقابر الفلسطينية بشكل منهجي، وفي العام الماضي، توصل تحقيق أجرته شبكة CNN إلى أن الجيش الإسرائيلي دنس ما لا يقل عن 16 مقبرة في هجومه البري على غزة، مما أدى إلى تدمير شواهد القبور، وقلب التربة، وفي بعض الحالات، إخراج الجثث من تحت الأرض.
ولم يتمكن الجيش الإسرائيلي من تفسير تدمير المقابر التي تم تحديدها، لكنه قال إنه في بعض الأحيان "لا يوجد خيار آخر" أمام الجيش سوى استهداف المواقع التي زعم أن حماس تستخدمها لأغراض عسكرية، وأوضح أنه تم نقل الجثث من بعض مواقع القبور في محاولات لإنقاذ الرهائن.
ومع استمرار اختفاء العديد من الفلسطينيين الذين حاولوا الحصول على الطعام هذا الصيف، يستمر البحث اليائس عن إجابات لعائلاتهم. لا يزال البعض يأمل في أن يكون أحباؤهم لا يزالون على قيد الحياة في مكان ما، مثل الاعتقال الإسرائيلي أو النازحين في أماكن أخرى من غزة.
قال شقيق وادي، حسام: "كان عمار (وادي) شخصًا يترك غيابه فراغًا كبيرًا - إن فقدانه يشبه فقدان جزء من نفسك.. إذا كان قد استشهد، رحمه الله، ولكن إذا كان على قيد الحياة، فعلى الأقل يمكننا التمسك بالأمل".
فريق العمل على التحقيق:
منتج/ مراسل أول: عبير سلمان
مُحقق/ مُنتج: يحيى أبو غزالة
مُنتج التحقيقات البصرية: توماس بوردو
مراسل القدس: جيريمي دايموند
مُشرف التحرير، التحقيقات البصرية: جيانلوكا ميزوفيوري
مُحرر البيانات والرسومات: لو روبنسون
مُشرف المنتج الاستقصائي: باربرا أرفانيتيديس
مُحرر تحقيقات أول: إد أبرايت
مُحرر فيديو أول: أوسكار فيذرستون
مُحرر فيديو استقصائي: مارك بارون
المُصور الصحفي الإداري: أليكس بلات
ساهم في إعداد التقرير كلٌ من طارق الحلو ومحمد الصوالحي
الجيش الإسرائيليتحقيقاتحركة حماسحصريا على CNNغزةقطاع غزةنشر الأربعاء، 03 ديسمبر / كانون الأول 2025تابعونا عبرسياسة الخصوصيةشروط الخدمةملفات تعريف الارتباطخيارات الإعلاناتCNN الاقتصاديةمن نحنالأرشيف© 2025 Cable News Network. A Warner Bros. Discovery Company. All Rights Reserved.
المصدر
المصدر: CNN Arabic
كلمات دلالية: الجيش الإسرائيلي تحقيقات حركة حماس حصريا على CNN غزة قطاع غزة صور الأقمار الصناعیة الجیش الإسرائیلی الدفاع المدنی شاحنة مساعدات الإسرائیلی ا عدم الکشف عن إطلاق النار معبر زیکیم العدید من ویبدو أن لشبکة CNN إذا کان شبکة CNN فی غزة
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.