عربي21:
2026-06-03@07:16:55 GMT

سيرة مدينتين

تاريخ النشر: 21st, October 2025 GMT

في أقصى خرائِطِ الوجع، حيث الرّمل يخضب بالملح والدّم، تنهض مدينة كان اسمها غزّة صار اسمها العزة، تنهض كرمح لا ينكسر وكراية لا تنكسها الرِّياح. وعلى بعد وجعين وشلاّل دمٍ؛ تلوِّح في الذاكرة ستالينغراد، مدينة صهرتها النّيران وهرستها جنازير الدّبابات، وبين المدينتين خيط دقيق من نار ونور، الأولى تحاصرها السّماء الضيقة والبحر المصلوب وطائرات الأعداءِ وبنادق الأخوة، والثّانية حاصرتها الثّلوج والمدافع والشتاء الطّويل.

كلتاهما علمتا العالم أن المدن حين تحشر في الزّوايا، تتحول إلى نار تشعل جذوة المقاومة.

في ستالينغراد، كانت المصانع سيوفا، والنّوافذ متاريس، والثلج غِطاء يخفِّف حرارة الحديد. وفي غزّة، أعاد حطام المباني تعريف أن البيوت ليست جدرانا فقط، بل عهد وذاكرة وأسماء على جدرانِ القلب.

هناك، كانت القنابل تحاول أن تخرس المدينة؛ وهنا، تحاول الصّواريخ أن تلغي التاريخ وتحرِف الجغرافيا. لكن المدن التي كتِبت بالدّم لا تمحى بالرّصاص، بل تتمدّد على خرائطِ الجغرافيا والتّاريخ.

ستالينغراد علّمت العالم أنّ الهزيمة ليست قدرا إن رفضتها الأزِقّة والخنادق المحفورة بالأظافر، وأنّ اللّيل وإن طال، لا يلبث أن ينسكِب مِنه فجر ساطع. وفي غزّة تمتد الأنفاق كأوردة سِرّية للمدينة، شرايين من ترابٍ وعناد، تسري فيها لوجِستيّات الحياة كما تسري الهمسة في صدرِ أمٍّ تخبّئ أبناءها خشية العاصفةِ وتهتف في وجهِ العاصفةِ:  لن تمرّوا وفينا بقيّة نفس.

 في بردِ ستالينغراد، كان الجنود يدفِّئون أصابِعهم بأنفاسِهم وبأعقاب سجائر «كوزموس» يديرونها بينهم، وفي الحِصار الحديث، تدفِّئ العائلات خبزها -إن وجد-على نارٍ من صبرٍ لا ينطفئ.

هناك إنهارت جدران، لكن لم تسقط الرّوح، وهنا هوت الأبراج؛ لكي ينهض الناس من تحت الغبارِ كأنه بعث مبكر. في ستالينغراد، كانت المدينة تملي على التاريخ فقراتِه الصّعبة؛ وفي غزّة، يملي الأطفال على القرنِ تعريفا جديدا للكرامة. ما أشبه الحِصارين! كِلاهما امتحان للزّمن: هل يقوى الحديد على كسرِ الماء؟ وهل يفلِح الجوع في تجفيفِ نبعٍ حفر في أعماقِ الصّدر؟

المدينتان مِرآتان متقابِلتان: إذا نظرت إحداهما إلى الأخرى، رأت في عيونها بذور نجاةٍ عصيّة. في تلك المدينة البعيدة، انتصر النّاس حين قرّروا أن الشوارع ليست ممراتٍ فقط، بل خنادق من عزيمة. وفي غزّة، يقرّر الناس كلّ صباح أنّ الضوء مِلكهم، وأنّ أبواب النّهار تفتح بالنّداء: «نحن هنا». قد تتشابه الأصوات حين تضجّ المدافِع، لكن لكل مدينة لحنها: لحن ستالينغراد كان وقع الخطى على الثّلج، ولحن غزّة هدير البحرِ حين يهمِس للرّصيف اصمد.

ليس التّشبيه هنا احتفاء بالدّم، ولا تزيينا للحطام، بل طريقة لنفهم كيف يخلِق البشر معنى  للكرامةِ كي لا تبتلِعهم المعاناة، ليعيدوا تفسير الكرامةِ التي لا تقاس بالعدّةِ والعتاد، بل بِعددِ المرّات التي ينهض فيها القلب من كبوتِه؛ لينبِض صارِخا: سأواصل الهدير.

دخلت ستالينغراد عشيّة رأس سنةٍ على بعدِ نصرٍ ونيِّفٍ من الحرب، فلم أجد فيها إلا احتفاء بالحياةِ وتِمثالا للنّصرِ يذكِّر الماكِثين فيها بِأولئِك الذين عبروا، وسندخل غزة قريبا في الطريقِ إلى القدس لنحتفي بالحياةِ وبالخلاصِ من «المارّين بين الكلماتِ العابرة».  

هكذا تتجاور مدينتان وحّدتهما المأساة وجمع بينهما الصّمود، إحداهما من صقيعٍ وأخرى من ملحٍ، وبينهما، يمشي الإنسان ذلك الكائن الذي إذا حوصِر، حوّل الحِصار إلى ملحمة. 

ستبقى غزّة تدرِّس العالم صبر البحرِ حين يضيق الشّاطئ، وستبقى ستالينغراد تذكِّر التّاريخ أنّ المدن لا تقاس بمساحتِها، بل بِقدرتِها على تحويلِ الألمِ إلى معنى، والخراب إلى نهوض، واللّيل إلى فجرٍ يتعثّر أوّلا.. ثمّ يبزغ.
(الغد الأردنية)

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه ستالينغراد غزة فلسطين غزة ستالينغراد مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة مقالات سياسة اقتصاد اقتصاد سياسة مقالات سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

لملوم: “بطاقة مفوضية اللاجئين” ليست وثيقة هوية ولا تمنح وضعًا قانونيًا في ليبيا

قال رئيس مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء، طارق لملوم، إن “الورقة” الصادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في ليبيا، لا تُعد وثيقة هوية ولا تمنح أي وضع قانوني أو امتيازات داخل البلاد، بل تُستخدم فقط كإجراء أولي لتسجيل طالبي اللجوء تمهيدًا لدراسة ملفاتهم أو إحالتها لبرامج الحماية أو إعادة التوطين.

وأوضح لملوم، في حديث لتلفزيون “المسار”، أن هذه الوثيقة لا تتيح لحاملها حرية التنقل أو الحصول على خدمات مثل شرائح الهاتف أو غيرها من الامتيازات، مشيرًا إلى أن هناك خلطًا واسعًا في الرأي العام حول طبيعتها ودورها الحقيقي.

وأضاف أن المفوضية تسجل الأشخاص القادمين من دول تشهد نزاعات باعتبارهم طالبي لجوء، على أن تخضع ملفاتهم للتدقيق من قبل الجهات المختصة، وقد يتبين لاحقًا عدم دقة بعض البيانات المقدمة في بعض الحالات.

وفي سياق متصل، شدد لملوم، على ضرورة التفريق بين اختصاصات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، موضحًا أن الأولى تعنى بطالبي الحماية من دول النزاع، بينما تتعامل الثانية مع المهاجرين غير النظاميين وبرامج العودة الطوعية.

كما أشار إلى وجود مكاتب للمفوضية في طرابلس وبنغازي تعمل ضمن تنسيق رسمي مع السلطات الليبية، عبر تقارير وموافقات تُرفع إلى وزارة الخارجية، مؤكدًا أن عمل المنظمات الدولية يتم ضمن أطر رسمية وليس بشكل مستقل.

وقال لملوم، إن ليبيا تعاني من غياب إحصاءات وطنية دقيقة منذ سنوات، ما يجعل تقدير أعداد السكان والمهاجرين غير موثوق بالكامل، مشيرًا إلى أن الأرقام المتداولة “بين 700 و900 ألف مهاجر”، هي تقديرات تشمل جنسيات متعددة ولا تعكس واقعًا إحصائيًا دقيقًا.

وبينّ أن آخر إحصاء شامل للسكان يعود إلى عام 2006، ما يزيد من صعوبة وضع سياسات دقيقة لإدارة ملف الهجرة، في ظل تغير مستمر في أعداد وتدفقات المهاجرين واتساع مناطق الانطلاق نحو السواحل الليبية، بما في ذلك مدن جديدة مثل مصراتة.

وأشار لملوم، إلى أن شبكات التهريب أسهمت في تغيير مسارات الهجرة داخل ليبيا، حيث لم تعد مناطق مثل الزاوية هي الوحيدة النشطة قبل 2011، بل ظهرت نقاط انطلاق جديدة على السواحل الليبية. وحذر من أن استمرار هذه الشبكات، إلى جانب غياب التنسيق المؤسسي بين شرق وغرب وجنوب البلاد، يزيد من تعقيد الأزمة.

وانتقد لملوم، أوضاع بعض مراكز إيواء المهاجرين، معتبرًا أن بعضها يفتقر للمعايير الإنسانية، وأن الاكتظاظ قد يؤدي إلى مشكلات أمنية واجتماعية.

ولفت إلى أن بعض المساعدات المقدمة من المنظمات الدولية تندرج ضمن الإغاثة الطارئة مثل المواد الغذائية والنظافة، لكنها مؤقتة وقد لا تكون دائمًا بالمستوى المطلوب، لافتًا إلى أن بعض المهاجرين يضطرون لبيعها لتلبية احتياجاتهم.

وتطرق لملوم، إلى أوضاع النازحين السودانيين في ليبيا، خصوصًا في الكفرة وبنغازي وطبرق، موضحًا أن أعدادًا كبيرة منهم ما تزال داخل البلاد، وبعضهم لم يُسجل لدى المفوضيات الدولية. مبيناً أن العودة إلى السودان مرتبطة بالوضع الأمني، حيث تُنظم أحيانًا رحلات عودة طوعية عبر مطار معيتيقة في طرابلس.

ورأى لملوم، إن غياب التنسيق بين المؤسسات الليبية وضعف أنظمة التسجيل داخل مراكز الاحتجاز يفاقمان الأزمة، مشيرًا إلى أن بعض المراكز تعتمد على تصنيف جنسيات فقط دون بيانات فردية دقيقة.

ودعا لملوم، إلى إنشاء منظومة وطنية موحدة للحصر والتسجيل، وتطوير قاعدة بيانات حديثة، والاستفادة من تجارب دول أخرى في إدارة ملف الهجرة، مع تعزيز دور وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بدل الاعتماد الكامل على المنظمات الدولية.

وفي ختام حديثه، اعتبر لملوم، أن معالجة ملف الهجرة في ليبيا تتطلب “سياسة وطنية موحدة” تنهي الانقسام المؤسسي، وتضع إطارًا قانونيًا واضحًا لتنظيم العلاقة مع المنظمات الدولية، وتحد من الفوضى في البيانات وسوء الفهم المنتشر حول هذا الملف الحساس.

مقالات مشابهة

  • أوكرانيا تحث إيطاليا على إتمام اتفاقية الطائرات المُسيرة
  • لملوم: “بطاقة مفوضية اللاجئين” ليست وثيقة هوية ولا تمنح وضعًا قانونيًا في ليبيا
  • أكبر ثروات العراق فيها.. تقرير عن ثنائية السلطة في البصرة
  • كاسيميرو: البرازيل ليست المرشح الأول لكأس العالم 2026 رغم القوة والطموح
  • حماس تؤكد جاهزيتها لتسليم مجالات الحكم بغزة كافة "بما فيها الأمن"
  • التوابل ليست مجرد نكهات وفوائدها لصحة الجسم كبيرة