الأسرة الواعية .. مصنع الأجيال المسؤولة وصمام أمان المجتمع
تاريخ النشر: 21st, October 2025 GMT
تعد الأسرة هي النواة الأولى لبناء المجتمع وأساس استقراره، فهي الحضن الذي ينشأ فيه الفرد ويكتسب من خلاله القيم والمبادئ، والعادات والتقاليد التي تحفظ تماسك المجتمع وتصون هويته، ومع تزايد التغيرات الاجتماعية والتحديات التي تهدد كيان الأسرة أيا كان شكلها، فقد أصبح من الضروري حماية استقرار الأسر العمانية، والحفاظ على وحدة المجتمع وتوازنه، وأكد مختصون على أهمية إدارة الخلافات الأسرية بعقلانية والعمل على نشر ثقافة الأسرة المترابطة ودورها الحيوي في حماية الفرد والمجتمع.
البعد النفسي
قالت سمراء بنت راشد الحبسية أخصائية نفسية: إن الجانب النفسي يمثل الدعامة الأولى لاستقرار الأسرة، مشيرة إلى أن القرآن الكريم أرسى أسس العلاقة الزوجية على المودة والرحمة، مشيرة إلى أن الأسرة ليست مجرد إطار اجتماعي، فهي البيئة النفسية التي ينشأ فيها الفرد سليماً متوازناً.
وأوضحت أن الفرد عندما يعيش في أسرة متماسكة يتملكه الشعور بالأمان والطمأنينة والسلام الداخلي، ما ينعكس ذلك على السلوك الأخلاقي للأبناء ومستواهم العلمي، ويبعدهم عن الاضطرابات النفسية والتعصبات التي قد تصيبهم في حالات التفكك الأسري، مبينةً أن التفكك يولد شعور الوحدة والاكتئاب لدى الأفراد، ويغذي بداخلهم أفكار سلبية تجعلهم عدوانيين، ما يشكل تهديداً للمجتمع.
وأشارت الحبسية إلى أن أثر التماسك الأسري لا يتوقف عند الفرد، بل يمتد إلى المجتمع بأسره؛ مؤكدة أهمية تربية الأبناء بطريقة متوازنة تجمع بين الحداثة والعادات الأصيلة، إلى جانب أهمية الحوار والتواصل بين أفراد الأسرة، بما يعزز روابط التفاهم والانسجام، وشددت على دور التعليم الديني والدنيوي معا، معتبرة أن تعليم القرآن وحفظه سراج الأمة وهويتها، كما دعت إلى استثمار الإعلام في نشر ثقافة الأسرة المترابطة ودورها الحيوي في حماية الفرد والمجتمع.
فالمجتمع المترابط يفرز أسرًا متماسكة خالية من الشوائب، متعاونة على البر والتقوى، وتقل فيه مشاعر الكراهية والعصبية، أما المجتمع المفكك فيشيع الفوضى والسلوكيات الخاطئة والأنماط السلبية التي تنفر منها المجتمعات الأخرى.
الإطار القانوني
أوضحت المحامية فاطمة بنت راشد الحبسية صاحبة مكتب فاطمة الحبسية للاستشارات القانونية أن التشريعات الدولية والمحلية أولت الأسرة اهتماما بالغا من خلال سن القوانين التي تحمي حقوق الأفراد داخل الأسرة والمجتمع، مشيرة إلى أن المشرع العماني بوجه خاص وضع منظومة تشريعية متكاملة تهدف إلى صون الأسرة وحمايتها من التفكك.
وأكدت أن النظام الأساسي للدولة نص صراحة على مكانة الأسرة وأهمية استقرارها، وفق ما جاء بنص المادة رقم (15) "الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وتعمل الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها، وتكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل، وتلتزم برعاية الطفل، والأشخاص ذوي الإعاقة، والشباب، والنشء، وذلك على النحو الذي يبينه القانون."
وبينت أن قانون الأحوال الشخصية نظم المسائل التي تتعلق بحقوق وواجبات الأفراد داخل الأسر والمجتمع من خلال وضع الأطر القانونية التي تسهم في استقرار حياة الفرد وصون حقوقه في مختلف الجوانب المدنية والسياسية والأسرية والصحية، كما أشارت إلى أن قانون الطفل أكد على ضرورة حماية الطفل ضمن أسرة متماسكة، وفق ما نصت عليه المادة (25) " أن للطفل الحق في البقاء والنمو في كنف أسرة متماسكة ومتضامنة وتكفل له الدولة التمتع بهذا الحق بكل الوسائل المتاحة"، وغيرها من القوانين التي نظمت هذا الجانب.
وأكدت أن التشريعات الدولية والمحلية حرصت على حماية الأسرة ونظمت كذلك حياة الأفراد في حال وقوع الانفصال، لضمان استمرارية الحقوق وصونها، كما أفرد قانون الجزاء العُماني عقوبات خاصة للجرائم التي تمس الأسرة، مثل الإهمال والتقصير وعدم الإنفاق على من تجب إعالتهم، معتبرة أن هذه الأفعال تشكل اعتداءً على حقوق الأفراد داخل أسرهم من قبل الأشخاص المكلفين بالرعاية.
وأكدت الحبسية أن هذه القوانين لا تكتفي بتوفير الحماية القانونية فقط، بل تسعى إلى تعزيز استقرار الأسرة وحفظ كرامة أفرادها، مضيفة أن دور القانون يجب أن يقترن بوعي الأفراد بمسؤولياتهم تجاه أسرهم ومجتمعهم .
حصن الأسرة
وفي ذات السياق أشار عبدالله بن سليمان الندابي خبير لجنة التوفيق والمصالحة بولاية سمائل إلى أن الأسرة تمثل في المنظور الإسلامي والإنساني الركيزة الأساسية لبناء المجتمع، وهي الخلية الأولى التي يقوم عليها استقرار الأوطان وازدهارها، ولذا أولى الإسلام الأسرة عناية بالغة واهتماما فائقا فشرّع لها من الأحكام ما ينظم مختلف شؤونها: من حقوق زوجية ونفقات، إلى تربية الأبناء، ورعاية الوالدين، وتقسيم الميراث، غير أن التشريع الإسلامي لم يقف عند حدود الماديات ولكن غرس في العلاقة الزوجية قيماً سامية من المودة والرحمة والسكن فجعلها الدعامة الكبرى لتماسك الأسرة وصمودها أمام التحديات.
وانطلاقاً من هذا الأساس الشرعي الذي يقدّس الأسرة ويسعى للحفاظ على روابطها رأت سلطنة عمان أن حل الخلافات الزوجية لا يكمن في تطبيق القانون فقط بل في الإصلاح الهادئ ورأب الصدع وجمع الكلمة قبل أن يتمدد الخلاف، لذا برز دور لجان التوفيق والمصالحة في قضايا الأحوال الشخصية بصفته جهازا محوريا في استراتيجية الدولة للحفاظ على كيان الأسرة وصون النسيج الاجتماعي.
وأوضح الندابي أن هذه اللجان تعد أداة بديلة عن القضاء التقليدي إذ تمنح للأطراف فرصة لحل النزاع بطريقة ودية قبل وصوله إلى أروقة المحاكم وهي تستمد قوتها من رئاسة القضاء حيث يرأسها قاضي المحكمة في كل ولاية، ما يمنحها طابعا رسميا وثقة مجتمعية ويجعل محاضرها قابلة للتوثيق والتنفيذ ولا يقتصر عملها على حسم الخلافات بل يمتد إلى حماية كيان الأسرة ومنع تفككها فهي تهيئ بيئة حوار آمنة وهادئة، تشجع على التسامح والتنازل وتغرس في الأطراف قناعة أن الصلح أولى من الخصومة وأن بقاء الأسرة متماسكة يصب في مصلحة الجميع ولا سيما الأبناء.
وأشار الندابي إلى إن اللجان تقوم بدور وقائي مهم؛ إذ توضح للزوجين المخاطر الاجتماعية والنفسية والسلوكية والتعليمية والاقتصادية التي قد تترتب على الطلاق أو الشقاق وتبين لهم أن معالجة الخلاف بالحوار خير من تعقيده بالمنازعات، كما أن نجاحها في إنهاء عدد كبير من القضايا وديًا يسهم في تخفيف العبء عن المحاكم ما يعزز كفاءة المنظومة العدلية، وهي كذلك تنشر الوعي الأسري والتربوي فتعزز مفهوم الأسرة الواعية القادرة على إدارة خلافاتها بعقلانية، وتذكّر الزوجين بالمرجعية الدينية التي جعلت الزواج "ميثاقًا غليظًا"، قائمًا على الرحمة والمودة والسكن وبذلك تجمع بين قوة القانون ودفء القيم الإسلامية والمجتمعية الأصيلة.
وأكد الندابي أن اللجان تتميز بمنهجية دقيقة تبدأ بجلسات فردية وسرية مع كل طرف تتيح استكشاف جذور المشكلة بهدوء ثم تنتقل إلى تقريب وجهات النظر وصياغة حلول وسطية وعملية ترضي الطرفين وتحقق المصلحة العليا للأسرة، وإذا ما توافق الطرفان يتم توثيق الاتفاق في محضر صلح رسمي له قوة التنفيذ القانوني عند الحاجة، موضحاً أن هذه الأدوار لم تبق حبرًا على ورق بل تجسدت في قصص نجاح واقعية أعادت الأمل إلى العديد من الأسر فكم من قضية طلاق توقفت في اللحظة الأخيرة بعد جلسة مصالحة صادقة وكم من نزاع حاد تحوّل إلى توافق يحفظ حقوق الزوجين والأبناء وهكذا أثبتت اللجان أنها ليست مجرد وسيط قانوني بل حارس اجتماعي يعيد للحياة الأسرية بريقها ويمنح الأبناء فرصة لنشأة متوازنة ومستقرة.
وبهذا التكامل بين القانون والوعي المجتمعي والمرجعية الدينية تمثل لجان التوفيق والمصالحة في سلطنة عمان خط الدفاع الأول عن تماسك الأسر وحصنًا للأسرة الواعية وضمانة لاستمرار المجتمع العُماني متماسكًا متآزرًا أمام تحديات العصر، فهي تجسد فلسفة عميقة مفادها أن حماية الأسرة ليست شأنًا قانونيًا فحسب بل مسؤولية دينية ومجتمعية ووطنية.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..