أبو حامد الغزالي أحد عباقرة الثقافة العربية والإسلامية وأعلامها الكبار، وقد شاع ذكره ﻓﻲ مشارق الأرض ومغاربها، ﻭﻓﻲ الأزمنة كلها، وما يزال حتى اليوم موردا عذبا لمن رغب ﻓﻲ تذوق المعرفة، ﻭﻓﻲ متابعة الروح الباحثة عن أسرار الحقيقة، ويمثل كتابه الفذ "المنقذ من الضلال" سيرة سردية روحية لقلق الروح وتأرجحها في حمى السؤال، ورحلتها من القلق ﺇﻟﻰ البحث والتأمل وصولا ﺇﻟﻰ تذوق لذة الطمأنينة والسكينة.

ولد الغزالي ﻓﻲ مدينة تدعى طوس، وهي من مدن خراسان ﻓﻲ بلاد فارس، وكان ميلاده سنة 450 للهجرة، أي ﻓﻲ منتصف القرن الخامس الهجري، ولقد تيتّم مبكرا من جهة والده، لكن اليتم ﻟﻢ يمنعه من التوجه نحو العلم وطلب المعرفة، فمضى الغزالي يطلب ما أتيح ﻓﻲ بلده من دروس، ﻭﻟﻢ يلبث أن انتقل ﺇﻟﻰ مدينة جرجان محطته التعليمية الثانية، فاستكمل فيها دروسا جديدة ﻓﻲ الأصول ﻭﻓﻲ فروع العلوم الدينية والدنيوية، ومنها عاد ﺇﻟﻰ بلدته طوس مجددا، ولكن المقام ﻟﻢ يطل به فيها، فغادرها ﺇﻟﻰ نيسابور، كي يلازم الإمام الجويني ويصاحبه فيها ويأخذ العلم مباشرة عنه.

بعد وفاة إمامه وأستاذه الجويني، يرحل الغزالي الشاب المتعلم ﺇﻟﻰ العراق، وإذ يصل بغداد يجد اسمه قد سبقه إليها، وهذا يعني أن أمر علمه وتميزه قد بدأ يذيع بين الناس، ﻭﻓﻲ عاصمة الخلافة يعمل ﻓﻲ المدرسة النظامية التي أسسها الوزير العباسي نظام الملك وهو ذاته الذي استقبل الغزالي وقت وصوله ﺇﻟﻰ بغداد.

عمل الغزالي بضع سنوات ﻓﻲ المدرسة النظامية حتى سنة 484، فقد اشتد به المرض واستبد به القلق واليأس، حتى اضطر إلى الاعتذار ﺇﻟﻰ طلبته ففارقهم حاجّا ﺇﻟﻰ مكة، فاستقر ﻓﻲ الحجاز زمنا قصيرا، ﺛﻢ قفل راجعا ﺇﻟﻰ بيت المقدس وأقام به نحو سنتين مجاورا المسجد الأقصى.

ﺛﻢ رحل ﺇﻟﻰ البلاد المصرية مقيما ﻓﻲ الإسكندرية بعض الوقت، ﺛﻢ قفل راجعا ﺇﻟﻰ موطنه بعدما طال غيابه عن بلدته طوس، ومنها انتقل ﺇﻟﻰ التدريس ﻓﻲ نيسابور ﻭﻟﻢ يلبث أن عاد نهائيا ﺇﻟﻰ بلدته ليتفرغ لبعض تآليفه المتأخرة، حتى أدركته الوفاة مبكرا سنة 505 للهجرة، وله من العمر 55 سنة.

إعلان

ترك الإمام الغزالي ﻓﻲ رحلته العلمية عددا وافرا من الآثار والمؤلفات، وقد وصل إلينا أكثر ما ألفه، مما يدل على شيوع كتبه منذ زمن مبكر، ومن مؤلفاته الشهيرة كتاب إحياء علوم الدين وهو من الكتب المرجعية التي يعتمد عليها حتى اليوم، وله أيضا كتاب تهافت الفلاسفة ﻓﻲ الرد على الفلاسفة ونقد طروحاتهم، وله أيضا: مكاشفة القلوب، ومعارج القدس على مدارج معرفة النفس، وميزان العمل، وكيمياء السعادة، وجواهر القرآن، والاقتصاد ﻓﻲ الاعتقاد. وله كتب كثيرة غيرها.

ﻓﻲ القسم الأول من سيرة "المنقذ من الضلال" يعرض الغزالي لمرحلة الشباب فيرى أنه فطر على التساؤل والشك والبحث عن الحقيقة (مواقع التواصل)المنقذ من الضلال.. كتاب القلب والعقل

أما كتابه "المنقذ من الضلال" فهو كتاب الروح والقلب والعقل، سيرة العلم والعالم، لا من ناحية حياته وأيامه فحسب، ﻭﺇﻧﻤﺎ من ناحية تحولات روحه، وقلق أسئلته وطرق تحصيله للمعرفة والطمأنينة. ترى ما الذي قاله الغزالي عن قلق روحه؟ ﻭﻟم استبد به الاضطراب والقلق؟ وكيف تمكن من تجاوز محنته والتخلص من اضطرابه؟ هذا ما يخبرنا عنه ﻓﻲ سيرته الروحية الممتعة التي سماها باسم "المنقذ من الضلال".

"المنقذ من الضلال" إذن سيرة روحية وعلمية تكشف قلق الغزالي ﻓﻲ هجراته المستمرة، وترحاله من مكان ﺇﻟﻰ مكان، فكأن ذلك الرحيل ما هو إلا الصورة الخارجية التي تعكس هجرة داخلية من حال ﺇﻟﻰ حال، ومن قلق ﺇﻟﻰ قلق، ﻓﻲ طريق البحث عن مدارج السالكين، وعن طمأنينة الإيمان المطلق الفاتن.

والغزالي ﻓﻲ سيرته السردية يبدو صريحا ﻓﻲ الاعتراف بقلقه واضطرابه، فقد شك ﻓﻲ كل شيء: ﻓﻲ نفسه ﻭﻓﻲ علمه، ﻭﻓﻲ حواسه جميعها، واستبد به القلق والشك، لكن الشك يوصل ﺇﻟﻰ اليقين. وهو يشير ﺇﻟﻰ ما يقرب من ذلك ﻓﻲ مقدمة سيرته (المنقذ من الضلال)، إذ يوجه خطابه ﺇﻟﻰ شخص لا يذكر له اسما، لكنه يسميه الأخ ﻓﻲ الدين: "سألتني أيها الأخ ﻓﻲ الدين"، وقد يكون هذا السؤال الافتراضي من تلك الأسئلة السردية التي تبتدع متلقيا أو مسرودا له يساعد الراوي على إعلان خطابه، وهو نمط معروف مخصوص ﻓﻲ السرديات العربية، عند الغزالي وعند غيره من المؤلفين القدامى.

ﻭﻓﻲ القسم الأول من سيرة "المنقذ من الضلال" يعرض لمرحلة الشباب، فيرى أنه فطر على التساؤل والشك، والبحث عن الحقيقة، يقول بلسانه: "وقد كان التعطش ﺇﻟﻰ درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري، وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله وضعتا ﻓﻲ جبلتي، لا باختياري وحيلتي". ﻭﻓﻲ تلك المرحلة ظن أن اليقين أمر مادي يجب أن تتثبت منه الحواس تثبتا جليا واضحا: "ظهر ﻟﻲ أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى عنه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم".

عزلة الغزالي استمرت نحو 10 سنين بعد التطواف ﻓﻲ بلاد الإسلام ﻭﻟﻢ يكن يشغله عن الذكر والتأمل شيء (مولدة بالذكاء الاصطناعي-الجزيرة)مداخل السفسطة وجحد العلوم

ويسمي الغزالي هذه المرحلة "مداخل السفسطة وجحد العلوم" لأنه أصبح فيها "سفسطائيا"، أي متسائلا شكاكا، لا يسلّم بشيء، ويجحد أو ينكر أي يقين ما لم يثبت له على نحو مادي ملموس، وهو يعوّل على الحواس والمحسوسات، ﺛﻢ لا يلبث أن يستبد به القلق، فيضطرب اضطرابا شديدا.. ومن أين له أن يطمئن.. وكيف يصل ﺇﻟﻰ اليقين؟

إعلان

يقول الغزالي عن مرحلته السفسطائية: "من أين الثقة بالمحسوسات، وأقواها حاسة البصر، وهي تنظر ﺇﻟﻰ الظل فتراه واقفا غير متحرك، وتحكم بنفي الحركة، ﺛﻢ بالتجربة والمشاهدة بعد ساعة تعرف أنه متحرك، وأنه ﻟﻢ يتحرك دفعة بغتة، بل على التدريج ذرة ذرة، حتى ﻟﻢ تكن له حالة وقوف، وتنظر (العين) ﺇﻟﻰ الكوكب فتراه صغيرا ﻓﻲ مقدار الدينار. ﺛﻢ الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض ﻓﻲ المقدار، وهذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس بأحكامه، ويكذبه حاكم العقل ويخونه تكذيبا لا سبيل ﺇﻟﻰ مدافعته، فقلت: قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضا، فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات".

الحال الذي يسرده الغزالي هو حال القلق والشك حتى ﻓﻲ المسلمات، وأمور الحواس، والعقل، أي إنه يشك ﻓﻲ أدوات اليقين نفسها، وقد اشتد به هذا القلق، وتفاقمت الأزمة حتى "شفى الله تعالى من ذلك المرض، وعادت النفس ﺇﻟﻰ الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة، وموثوقا ﺑﻬﺎ على أمن ويقين".

ويضيف الغزالي: "ﻭﻟﻢ يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى ﻓﻲ الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيّق رحمة الله تعالى الواسعة".

ويستشهد الغزالي بشرح النبي الكريم عليه الصلاة السلام لقوله تعالى "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام"، فقال: "هو نور يقذفه الله تعالى ﻓﻲ القلب. فقيل: وما علامته؟ فقال: التجافي عن دار الغرور، والإنابة ﺇﻟﻰ دار الخلود".

دراسة اتجاهات الفكر والمعرفة

هكذا شفي الغزالي من مرضه ومن الشك الكلي الذي عذبه، وبعد ذلك اتجه ﺇﻟﻰ مرحلة أرقى ﻓﻲ البحث، وحصر اتجاهات المعرفة ﻓﻲ عصره في 4 اتجاهات أساسية، رأى أن الحق لا بد ﻓﻲ أحدها، فقرر أن يدرس هذه الاتجاهات، كي يختار من بينها ما يناسبه، وهذه الاتجاهات الفكرية أو المعرفية هي: "المتكلمون، الباطنية، الفلاسفة، الصوفية" على اعتبار ﺃﻧﻬﺎ التيارات الغالبة ﻓﻲ عصره، فكان عليه أن يخوض فيها ويدرسها واحدا وراء آخر، حتى ينتقي من بينها ما يرى أنه أهل للاختيار، وما هو موصل إلى طريق الحق واليقين، ولكن الذي ﻟﻢ يفكر فيه الغزالي: ماذا لو أن اليقين خارج هذه الاجتهادات، وما الذي يمنع من إبداع تيار آخر، واجتهاد جديد، خارج التيارات السائدة، وربما هذا ما توصل إليه الغزالي فيما بعد.

بدأ الغزالي رحلته العلمية مع علم الكلام، وهو علم عربي يختلف عن الفلسفة، وبرزت فيه جماعة المعتزلة: "ﺛﻢ إني ابتدأت بعلم الكلام فحصلته وعقلته… فصادفته علما وافيا بمقصوده، غير واف بمقصودي، وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عند تشويش أهل البدعة.. فلم يكن الكلام ﻓﻲ حقي كافيا، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيا".

وهكذا ﻟﻢ ينتفع الغزالي كثيرا من أهل علم الكلام لأن أهداف علمهم تعالج أمورا ﻓﻲ الرد على أعداء الإسلام بالاحتجاج والبرهان، وبالمقدرة على ابتداع الأدلة، وهذا لا يناسب ما يعاني منه الغزالي. لكن من المؤكد أنه ثقف هذا العلم وانتفع ببعض أدواته، فهو ﻟﻢ ينكر أهمية علماء الكلام، لكنه اعترف بأن أدويتهم لا تناسب مرضه.

انتقل الغزالي ﺇﻟﻰ التيار الفلسفي بعد أن فرغ من علم الكلام، ولكن من خلال ما سرده عن تجربته مع كتب الفلسفة وأصحابها نجده يشدد النكير عليهم، ويرفضهم رفضا مطلقا، ويعد علمهم علما فاسدا، قال: "وعلمت يقينا أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم، أي الفلسفة".

وقد تتبّع الغزالي اتجاهات الفلسفة وأنواعها، مثلما فهمها وثقفها، فرأى أن الفلاسفة 3 أصناف: الدهريون والطبيعيون والإلهيون. وقسم علوم الفلاسفة ﺇﻟﻰ: علوم رياضية كالحساب والهندسة، وعلوم منطقية تشتمل على النظر ﻓﻲ طرق الأدلة والمقاييس والبرهان، وعلوم طبيعية تعرض للفلك ولمكونات العالم وعناصره، كالماء والهواء والتراب والنار وهي العناصر الأربعة الأساسية بالمنظور الفلسفي، والأجسام المركبة كالحيوان والنبات والمعادن.

إعلان

ويكشف تحليل الغزالي عن معرفة شاملة بالفلسفة، لكنه ﻓﻲ نهاية الأمر رفضها رفضا قاطعا، وأخرجها من علوم اليقين ورآها علما ضالا باطلا رغم كل ما عاناه ﻓﻲ سبيل تحصيلها واختبارها.

أما الاتجاه الباطني، أو الباطنية، فقد مضى معه الغزالي شوطا معقولا لمعرفته واختباره كما فعل مع علم الكلام والفلسفة، ونستفيد من الغزالي درسا علميا مفيدا، يتمثل ﻓﻲ منهجه الدقيق ﻓﻲ تتبّع أصول هذه الفرق وجمع آرائها وتنظيمها، حتى ليخال المرء أنه واحد من دعاتها، مع أنه لا يهدف ﺇﻟﻰ أكثر من المعرفة، والخروج بحكم نهائي عليها.

ويشير ﺇﻟﻰ أن بعض معارفه انتقدوا اهتمامه بالباطنية وحججها: "حتى أنكر علي بعض أهل الحق مني مبالغتي ﻓﻲ تقرير حجتهم، وقال: هذا سعي لهم، فإنهم كانوا يعجزون عن نصرة مذهبهم بمثل هذه الشبهات، لولا تحقيقك ﻟﻬﺎ وترتيبك إياها"، ولكن الغزالي عالم أراد لزوم منهج البحث، كي يكون حكمه دقيقا مقنعا، وهكذا خرج ببطلان مذهب الباطنية، فرده ورفضه، كما رفض مذهب الفلاسفة.

سيرة الغزالي المسماة "المنقذ من الضلال" سيرة علم وروح نتعرف من ﺧﻼﻟﻬﺎ على ثقافة المؤلف وعلى كثير مما درسه من ثقافة عصره (مولدة بالذكاء الاصطناعي-الجزيرة)الغزالي والتصوف

أما الاتجاه الرابع الذي خاض الغزالي فيه فهو التيار الصوفي، وهكذا اتجه ﺇﻟﻰ تفهم الطرق الصوفية، ومراجعتها بحثا عن الحق واليقين الذي دفعه ﺇﻟﻰ دراسة عصره بتياراته وأفكاره المختلفة، وألزمه طريق منهج العلم، والتثبت ﻓﻲ مختلف خطوات رحلته المضنية.

وهكذا درس أولا كتب المتصوفة كتابا كتابا، ﺛﻢ سمع من بعض شيوخهم مباشرة، فاقترب من حقيقة التصوف وطرق المعرفة الصوفية، علما وذوقا، وبدا متبحرا ﻓﻲ علوم الصوفية، كأنها وجدت هوى ﻓﻲ نفسه، فاستقر عليها أو اندمج فيها، لما وجده فيها من قرب روحي وجمال أخاذ يجتذب النفس، ويقلل من سلطان العقل الذي أتعبه وأرهقه، ومرحلة العزلة الروحية مرتبطة ببلاد الشام وإقامته فيها، في دمشق وبيت المقدس والخليل، كما هو واضح مما يرويه الغزالي نفسه، بعدما استقر به الأمر على الإيمان الصوفي.

استمرت عزلة الغزالي نحو 10 سنين، بعد هذا التطواف ﻓﻲ بلاد الإسلام، ﻭﻟﻢ يكن يشغله عن الذكر والتأمل شيء، إلا ما يعرض من شؤون الأسرة ومشاغلها، ولكنه يعترف صراحة بوصوله ﺇﻟﻰ ما يرتضيه من الإيمان بطريق التصوف كخيار روحي له، بعد أن مضى طويلا ﻓﻲ طريق الشك.

وهكذا تتبين لنا سيرة الغزالي المسماة "المنقذ من الضلال" سيرة علم وروح، نتعرف من ﺧﻼﻟﻬﺎ على ثقافة المؤلف، وعلى كثير مما درسه من ثقافة عصره، كما نعرف على نحو دقيق تقلبات روحه وأسئلتها الحارة التي تنتقل إلينا، فنتلذذ بطعم السؤال، وما يحركه فينا من رغبة المعرفة.

إنها سيرة ممتعة رغم أن الأسلوب السردي لا يجري فيها على وتيرة واحدة، فيقوى ويضعف، وفق ما يعرض له المؤلف من أحوال، لكنها تستحق القراءة كمثال مبكر على السيرة الروحية والعلمية إضافة إلى لغتها المشوقة العذبة التي تبدو مثل نهر منساب لا يعيقه إلا التسآل عن الحقيقة. وهي إلى اليوم قابلة للتجدد والحياة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: غوث حريات دراسات الغزالی ﻓﻲ الله تعالى علم الکلام البحث عن عن الحق

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • أوكرانيا تحث إيطاليا على إتمام اتفاقية الطائرات المُسيرة
  • أكبر ثروات العراق فيها.. تقرير عن ثنائية السلطة في البصرة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • حماس تؤكد جاهزيتها لتسليم مجالات الحكم بغزة كافة "بما فيها الأمن"
  • برلماني: توجيهات الرئيس السيسي لتطوير التعليم العالي تعزز مكانة مصر في المعرفة والابتكار
  • سلطنة عُمان تحتفل باليوم العالمي للتجارب السريرية
  • "العربية للمسرح": نمد جسور التعاون مع الصين لتبادل المعرفة وتطوير معارف المسرح العربي
  • ميداوي: 14 مادة جديدة لتنظيم البحث العلمي ورفع منح الدكتوراه من 40 إلى 70%
  • قرار عاجل من النيابة ضد المنقذ ومستأجر حمام السباحة في واقعة غرق شاب ببسيون
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟