الضفة وحيدة بمواجهة ثالوث الهدم والاستيطان وعنف المستوطنين
تاريخ النشر: 28th, October 2025 GMT
تعتبر منطقتا الضفة الغربية والقدس الشرقية، مسرحا لعملية "هندسة ديمغرافية" إسرائيلية متصاعدة وغير معلنة، تستهدف تفكيك النسيج المجتمعي والجغرافي الفلسطيني عبر آليات متعددة.
وتشكل عمليات الهدم الممنهج والتوسع الاستيطاني المتسارع وعنف المستوطنين، أبرز مظاهر هذه العملية، التي لا يقتصر أثرها المباشر على الإزاحة اللحظية، بل يمتد ليشمل صياغة واقع جغرافي جديد، يتحول فيه الوجود الفلسطيني إلى جيوب معزولة ومحاصرة.
تتحول مساحات واسعة من الأرض إلى مناطق نفوذ إسرائيلية حصرية، خاصة في مناطق "ج" التي تُشكل قلب الضفة، ويترافق ذلك مع زيادة العمليات العسكرية، لخلق واقع على الأرض يمهد الطريق لقانون ضم الضفة الغربية.
وتكتسب سياسات الهدم والاستيطان بُعدا تشريعيا ومستقبليا خطيرا، إذ تُترجم الطموحات السياسية المتعلقة بالضم إلى إجراءات ميدانية يومية، تهدف إلى تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي لصالح المستوطنات.
وكما ذكرت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ميشيل باشيليه، في بيان سابق لها، فإن "إعلان الضم في حد ذاته لن يغير الحقيقة القانونية، لكنه سيضفي الشرعية على واقع الاحتلال القائم على التمييز المنهجي والتهجير القسري".
تُستخدم عمليات الهدم الإسرائيلية للمنازل والبنى التحتية الفلسطينية في مناطق "ج" من الضفة الغربية، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة، كأداة تهجير منظّم تحت مظلة ذريعة عدم الحصول على "تراخيص بناء" إسرائيلية.
وفي سياق رصد هذه السياسة المنهجية، فإن إسرائيل هدمت منازل فلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة خلال العام الحالي بمعدل أعلى من أي عام سابق.
ونقلت وكالة أسوشيتد برس في تقارير إخبارية نشرتها في مايو/أيار الماضي أن الجرافات الإسرائيلية دمرت قرى كاملة في الضفة الغربية، في إشارة واضحة إلى أن الهدف لا يقتصر على مبنى واحد، بل يمتد إلى محو وجود مجتمعي كامل، مما يهدد بتهجير مئات الأفراد.
إعلانوتتضح الطبيعة المنهجية لسياسة الهدم من خلال الإحصائيات الشاملة التي ترصدها المؤسسات الدولية، ففي تقرير أممي عن الوضع الإنساني في الضفة الغربية نشر خلال هذا الشهر وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن السلطات الإسرائيلية دمرت أو قررت هدم نحو 3600 مبنى مملوكا لفلسطينيين في أنحاء الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية.
تمدّد الجغرافيا الإسرائيلية
ولا يعتبر التوسع الاستيطاني مجرد بناء على الأراضي الفلسطينية، بل هي عملية مصحوبة بزيادة في عنف المستوطنين، الذي يعمل كقوة ضغط إضافية لتهجير السكان.
وفي هذا السياق لا بد من توضيح العلاقة الوثيقة بين الأدوات الرسمية المتمثلة بعمليات الهدم والعمليات غير الرسمية المتمثلة بعنف المستوطنين، اللتين تعملان معا لإجبار الفلسطينيين على مغادرة أراضيهم.
وفي تحليل معمق لطبيعة هذا التضافر، يرى موقع معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن "مقص إسرائيل في الضفة الغربية يضغط على الفلسطينيين، وأن هذا المزيج المنسق جزئيا من قرارات توسيع المستوطنات (من أعلى إلى أسفل) وأعمال المستوطنين (من أسفل إلى أعلى) أدى إلى العمل ككماشة يضغط بشكل متزايد على السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية".
ويشير تقرير نشره موقع موندويس إلى أن "التهجير الصامت في الضفة الغربية، يتزامن فيه عنف المستوطنين مع ازدياد عمليات هدم المنازل من قبل الحكومة الإسرائيلية".
ويتم هذا التوسع على حساب أرواح الفلسطينيين، بما في ذلك الأطفال، فقد لفت بيان المدير الإقليمي لليونيسيف لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إدوار بيجبيدر، إلى أعداد الشهداء من الفلسطينيين خلال عمليات التوسع الاستيطاني يدل على أن التوسع عملية عسكرية وأمنية بالدرجة الأولى، لها ثمن باهظ يدفع من دماء المدنيين، مضيفا أنها عملية "محو" ممنهج للوجود الفلسطيني لصالح إنشاء واقع استيطاني دائم.
ويعكس مصطلح "المحو" الطبيعة الجذرية لهذه السياسة التي لا تكتفي بالهدم المؤقت، بل تهدف إلى استبدال التركيبة السكانية والجغرافية بالكامل، مما يخلق وضعا يصعب عكسه في المستقبل.
يتميز النزوح في الضفة الغربية بكونه "صامتا" أو "داخليا"، حيث لا يغادر النازحون الفلسطينيون حدود الضفة نحو بلدان اللجوء، بل ينتقلون من منطقة إلى أخرى ضمن حدود الضفة نفسها، وغالبا ما ينتقلون من الأطراف (مناطق "ج" والأغوار) إلى المناطق المكتظة.
ويضع هذا الانتقال الفلسطينيين في حالة "تشرد داخلي" مستمر، كما يجعلهم خارج دائرة الاهتمام الإعلامي والسياسي.
وتعكس مغادرة مئات العائلات الفلسطينية لمنازلها المهددة بالهدم حالة من اليأس وفقدان الثقة في أي حماية.
وفي تحليل أعمق لمدى اتساع هذه الظاهرة، نشر تقرير إخباري لوكالة أسوشيتد برس في أبريل/نيسان الماضي أن نحو 40 ألف فلسطيني هجروا من ديارهم في الضفة الغربية.
ويضع هذا التقرير الصادم النزوح الصامت في الضفة الغربية في سياقه التاريخي الأوسع، ويُظهره كحركة سكانية كبرى لا تقل خطورة عن النزوح الذي أعقب الحروب الكبرى، مع فارق أن هذا النزوح يتم ببطء وتدريجيا، بعيدا عن أضواء الكاميرات.
إعلانويؤكد التوثيق المستمر لوقائع التهجير من قبل منظمات الأمم المتحدة على استمرار هذه السياسة دون توقف، مشددة على أن النزوح الداخلي ليس نتيجة ثانوية للتصعيد، بل هو نتيجة مباشرة ومقصودة لسياسة استيطانية تهدف إلى إحداث تغيير ديمغرافي مستدام؛ كخطوة متقدمة نحو الضم الكامل أو الجزئي.
تداعيات اقتصادية واجتماعية
يترك النزوح القسري في الضفة الغربية أثرا بالغا على البنية الاقتصادية والاجتماعية، إذ تتسبب سياسات الهدم والمصادرة في فقدان المساكن والمرافق المعيشية وحظائر الحيوانات والأراضي الزراعية التي يسيطر عليها المستوطنون الإسرائيليون، ويجعل العائلات الفلسطينية في حالة فقر مدقع وضعف مستمر.
في هذا السياق، يشير موقع شبكة السياسات الفلسطينية في ورقة تحليلية سابقة بعنوان "المستوطنات الإسرائيلية تخنق الاقتصاد الفلسطيني" إلى أن مشروع الاستيطان الإسرائيلي غير القانوني "أثر سلبا وبشكل عميق على الاقتصاد الفلسطيني".
وقدرت الخسائر الناتجة عن تقييد الوصول إلى المنطقة (ج) والإنتاج فيها بنحو 3.4 مليارات دولار.
هذا الخنق الاقتصادي ترافقه أزمة اجتماعية متفاقمة، أبرز ضحاياها الأطفال الذين يدفعون ثمن العنف والتهجير القسري، فبحسب تقرير الوضع الإنساني الصادر عن اليونيسيف بتاريخ 16 سبتمبر/أيلول 2025، فقد "شهدت الضفة الغربية زيادة في حالات التهجير القسري والهدم، مما جعل الأطفال يواجهون تهديدات لحقوقهم وسلامتهم الجسدية والعقلية، بسبب العمليات العسكرية المتكررة".
ويؤكد التقرير أن فقدان البيئة الآمنة والتعرض المتكرر للعنف والتهديد يدمّر الاستقرار النفسي للأطفال، ويهدد مستقبلهم التعليمي، ويعرّضهم لصدمات مستدامة.
كما أن السياق الأمني المتصاعد، بما في ذلك العمليات العسكرية الإسرائيلية، يفاقم الأزمة الإنسانية والاجتماعية في عموم الأراضي المحتلة.
وكشف بيان صادر عن المدير الإقليمي لليونيسيف بتاريخ 12 فبراير/شباط 2025، أنه "منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قُتل 195 طفلا فلسطينيا"، وهذه الأرقام الصادمة لا تعبّر فقط عن خسائر في الأرواح، بل عن انهيار منظومة الحماية الاجتماعية وتزايد هشاشة المجتمعات النازحة النفسية والاجتماعية والاقتصادية.
أما من الناحية الميدانية، فيوضح تقرير الاتحاد الأوروبي الصادر في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بعنوان "تقرير سنة واحدة عن الهدم والمصادرات في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية خلال عام 2023" أن "19% من عمليات الهدم كانت جزئية أو كاملة نتيجة للعمليات العسكرية الإسرائيلية، مما أثر على نحو 400 ألف فلسطيني، وأدى إلى نزوح 1539 شخصا، بينهم 756 طفلا".
وأشار التقرير إلى أن 78% من حالات النزوح بسبب عنف المستوطنين خلال عام 2023 وقعت بعد 7 أكتوبر/تشرين الثاني، مما يعكس تزايد الترابط بين العنف الاستيطاني والنزوح القسري.
وتؤكد هذه المعطيات ما جاء في تقرير ريليف ويب الإنساني بتاريخ 22 يوليو/تموز 2025، الذي حذّر من "تشرد المزيد من الأطفال في الضفة الغربية خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2025 بسبب هدم منازلهم".
رغم توالي التحذيرات الدولية، لا تزال سلطات الاحتلال تمضي في سياساتها بلا رادع، فقد أكدت تقارير الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي أن عمليات الهدم والتهجير القسري تندرج ضمن جرائم الحرب وفق القانون الدولي الإنساني، غير أن هذه التحذيرات تبقى حبيسة البيانات، دون ترجمة فعلية إلى ضغط سياسي أو عقوبات رادعة.
ورصدت عدة تقارير مؤشرات العديدة على أن إسرائيل تطبق الدروس المستفادة من غزة وبشكل أساسي، في جميع أنحاء الضفة الغربية.
كما دعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في بيانها بتاريخ 15 يوليو/تموز 2025 إلى وقف فوري لعمليات القتل والهدم في الضفة الغربية، مؤكدة أن "المستوطنين الإسرائيليين وقوات الأمن كثفوا عمليات القتل والاعتداءات والمضايقات ضد الفلسطينيين، بما في ذلك هدم مئات المنازل والتشريد الجماعي القسري".
إعلانوفي السياق ذاته، وثّقت منظمة العفو الدولية (أمنستي) في تقريرها الحقوقي الصادر بتاريخ الخامس من يونيو/حزيران الماضي أن "العملية العسكرية التدميرية لإسرائيل في الضفة الغربية أدت إلى نزوح جماعي للفلسطينيين"، مشيرة إلى أن هذه الممارسات تشكّل "تجاوزا خطيرا للقانون الدولي يهدف إلى إحداث تغييرات ديمغرافية دائمة".
غير أن الموقف الأوروبي ما زال يتسم بالتناقض، ففي تقرير أخبار الاتحاد الأوروبي بتاريخ 19 أغسطس/آب 2025 بعنوان "الضفة الغربية: الاتحاد الأوروبي مستاء من الأعمال غير القانونية للمستوطنين لكنه عاجز عن التحرك"، أعرب الاتحاد عن "الفزع" من عمليات الهدم، لكنه أقرّ بعجزه عن اتخاذ خطوات ملموسة لوقفها.
وتعكس هذه الازدواجية بين الاستياء والعجز مأزق المجتمع الدولي الذي يملك أدوات الإدانة القانونية والأخلاقية، لكنه يتقاعس عن تطبيقها، مما يسمح باستمرار سياسة "الهدم بلا ردع" وتعميق أزمة النزوح الصامت.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات الاتحاد الأوروبی فی الضفة الغربیة الأمم المتحدة عملیات الهدم بما فی ذلک فی تقریر إلى أن
إقرأ أيضاً:
«الأغذية العالمي»: لبنان يواجه حالة طوارئ إنسانية متفاقمة
أحمد عاطف (بيروت، القاهرة)
حذر برنامج الأغذية العالمي، أمس، من أن لبنان وبعد مرور ما يقارب ثلاثة أشهر على اندلاع النزاع يواجه حالة طوارئ إنسانية متفاقمة نتيجة تداخل خطير بين النزوح وازدياد انعدام الأمن الغذائي.
وقال البرنامج في بيان له «لا يزال أكثر من مليون شخص في حالة نزوح فيما تؤدي الأسعار المرتفعة وفقدان مصادر الدخل وضغط الأسواق إلى جعل الغذاء بعيداً بشكل متزايد عن متناول الأسر الأكثر ضعفاً».
وأشار إلى أنه «وسع استجابته بسرعة على مستوى البلاد غير أن الوضع لا يزال هشاً للغاية»، لافتاً إلى أن ضمان استمرار الوصول الإنساني واستقرار تدفق الإمدادات وتوافر التمويل بشكل متوقع يعتبر من الأمور بالغة الأهمية وذلك لمواصلة تقديم المساعدة لمن هم بأمس الحاجة إليها.
وذكر أن أحدث تحليل للأمن الغذائي يؤكد وجود تدهور حاد على مستوى البلاد، حيث يواجه 1,24 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي (المرحلة الثالثة أو أسوأ) بين شهري أبريل وأغسطس 2026 بسبب النزوح وارتفاع أسعار الغذاء والوقود واضطرابات الأسواق والصدمات الاقتصادية الأوسع.
وأكد أنه من أجل الحفاظ على المساعدات المنقذة للأرواح والاستجابة للاحتياجات المتزايدة يحتاج البرنامج إلى 112 مليون دولار للفترة بين مايو وأغسطس 2026 بمعدل نحو 44 مليون دولار شهرياً.
وقال إنه «من دون تمويل كاف ومتوقع ستواجه قدرة البرنامج على مواصلة تقديم المساعدات الغذائية والنقدية الطارئة للأسر الضعيفة في لبنان خطر التراجع».
ويشهد لبنان تداعيات اقتصادية واجتماعية خطيرة، جراء استمرار موجات النزوح تحت وطأة التصعيد العسكري، حيث يجد آلاف النازحين أنفسهم أمام واقع معيشي قاسٍ بعد فقدان مصادر الدخل وارتفاع تكاليف الحياة.
وقال هادي حبلي، المحلل السياسي اللبناني، إن هناك حالة من الازدواجية الاقتصادية المؤقتة، نتيجة تمركز التصعيد في مناطق جغرافية محددة، إذ تعاني بعض المناطق شللاً شبه كامل في النشاط الاقتصادي، بينما تواصل مناطق أخرى نشاطها اليومي بشكل نسبي.
وأضاف حبلي، في تصريح لـ«الاتحاد»، أن هذا الواقع أفرز فئتين اقتصاديتين: إحداهما ترزح تحت وطأة العنف وفقدان سبل العيش، والأخرى تواجه، بشكل رئيس، ارتفاع كلفة المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، من دون انهيار كامل في النشاط الاقتصادي، مشيراً إلى أن بعض المناطق تُظهر قدرة نسبية على التكيف مع التضخم والضغوط، مما يعمّق الفجوة بين التجربتين داخل البلد الواحد.
من جانبها، قالت راما حايك، المحللة السياسية اللبنانية، إن النازحين اضطروا إلى ترك مصادر دخلهم بشكل مفاجئ، مما أثر مباشرة على قدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية، خاصة مع استمرار الحرب، وأشارت إلى أن أي مدخرات كانت متاحة لدى بعض الأسر بدأت تتآكل تدريجياً مع طول أمد النزوح.
وأضافت حايك لـ«الاتحاد» أن قضية المسكن تمثل أحد أبرز التحديات، حيث يعيش جزء من النازحين في مراكز إيواء جماعية، بينما يتجه آخرون إلى حلول أخرى، مثل استئجار منازل في مناطق أكثر أماناً أو الإقامة لدى الأقارب أو حتى نصب خيم في أماكن عامة داخل العاصمة بيروت.
عون: لا خيار غير التفاوض
أعلن الرئيس اللبناني، جوزاف عون، أمس، أنه لا خيار آخر غير التفاوض مع إسرائيل لإنهاء الحرب، معلناً أنه يتحمّل مسؤولية خياراته التي اتخذها، وأكّد أن السلم الأهلي لا يمكن المساس به. تصريح الرئيس عون جاء خلال استقباله، في قصر بعبدا، نقيب محامي بيروت المحامي عماد مارتينوس مع وفد اتحاد نقابات المهن الحرة. واستضافت وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، أمس، جولة جديدة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، وسط تفاؤل لبناني بنتائج المباحثات.