تعيش مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، على صفيح ساخن منذ أيام، بعد أن تصدرت واجهات الأحداث ومحركات البحث العالمية، إثر إعلان قوات الدعم السريع سيطرتها على مقر قيادة الفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش السوداني في المدينة، التي وقفت شاهدا على أعنف المعارك في السودان.

التغيير _ وكالات

فعلى مدار أكثر من 550 يوماً من الصراع الدموي، لم تهدأ رحى القتال بين الجيش وحلفائه من الحركات المسلحة، من جهة، وقوات الدعم السريع من جهة أخرى، في محاولة للسيطرة على الفاشر، آخر معاقل الجيش في دارفور.

لماذا الفاشر مهمة؟

وتُعد الفاشر المعقل الأخير للجيش وحلفائه في دارفور، بعد أن بسطت قوات الدعم السريع سيطرتها على أربع من ولايات الإقليم الخمس.

أما أهميتها فتكمن في كونها عقدة وصل بين شمال ووسط وغرب دارفور، إضافة إلى كونها مركزاً تجارياً تاريخياً ومعبراً رئيسياً نحو ليبيا وتشاد ومصر.

وتبلغ مساحة ولاية شمال دارفور وحدها نحو 296 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل 12% من مساحة السودان، وتشكل أكثر من نصف مساحة إقليم دارفور، ما يجعل السيطرة على المدينة ذات بعد استراتيجي كبير. علماً أن مساحة إقليم دارفور بأكمله تساوي مساحة فرنسا بالكامل.

كما تقع الفاشر على ارتفاع يقارب 800 متر فوق سطح البحر، وعلى بعد نحو 800 كيلومتر غرباً من الخرطوم . ونشأت في القرن السابع عشر كعاصمة سلطنة دارفور التاريخية التي أسسها السلطان سليمان صولونج، ما جعلها مركزاً سياسياً وثقافياً بارزاً في المنطقة حتى ضم الإقليم إلى السودان عام 1916، إبان الحقبة الاستعمارية.

أما اليوم، فتضم المدينة مزيجاً إثنياً فريداً من قبائل وأعراق شتى، ويقطنها نحو مليون نسمة، عاشوا لعقود في تنوع اجتماعي وثقافي نادر، قبل أن تشتعل الصراعات حولهم مجدداً.

الأهمية العسكرية

إلى ذلك، تعتبر الفاشر قاعدة عسكرية مركزية للجيش في الغرب، ومقراً لقيادة الفرقة السادسة مشاة الشهيرة.

ويُعد مطار الفاشر من أبرز المرافق الحيوية في الإقليم، إذ استخدم كقاعدة لوجستية لإمداد القوات الحكومية ومركزاً لتنسيق العمليات الجوية والبرية. كما أن مخازن السلاح والذخيرة داخل المدينة تزيد من وزنها العسكري في المعادلة الميدانية.

وعلى الصعيد الإنساني، ظلت الفاشر لعقود مركزاً رئيسياً للمنظمات الإغاثية وبعثة “اليوناميد”، لقربها من معسكرات النازحين الكبرى مثل أبو شوك وزمزم. لكن اليوم، تواجه المدينة أزمة إنسانية خانقة، إذ تزايدت أعداد النازحين مع تصاعد المعارك، وتراجعت الإمدادات الطبية والغذائية بشكل خطير. وقد وصلت أسعار السلع الضرورية جراء الحصار الخانق، إلى مستويات خرافية غير مسبوقة وسط ندرة خانقة، اضطرت السكان لتناول علف الماشية ليظلوا على قيد الحياة.

هيمنة شبه كاملة في إقليم دارفور

وفي السايق، أوضح اللواء المتقاعد د. عصام عباس، مستشار تكنولوجيا المعلومات وتحليل البيانات بحسب  “العربية.نت” أن سقوط مدينة الفاشر يمثل تطوراً محورياً في مسار الصراع السوداني لما ترتب عليه من تداعيات عسكرية وإنسانية واسعة. فقد أدى هذا الحدث إلى اكتمال سيطرة قوات الدعم السريع على معظم إقليم دارفور، الأمر الذي وفر لها عمقاً جغرافياً واستراتيجياً يمتد عبر حدود ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان، ومكنها من إنشاء قاعدة عمليات مركزية لإدارة التحركات العسكرية غرب البلاد والتوسع نحو الوسط.

كما أشار إلى أن هذا التطور أسهم في رفع الروح المعنوية لقوات الدعم السريع وتعزيز سرديتها الإعلامية كقوة منتصرة، مما قد يؤدي إلى استقطاب عناصر جديدة ودعم قبلي متزايد.

ضربة قاسية للقوات المشتركة

في المقابل، شكل سقوط المدينة -حسب عباس- ضربة قاسية للقوات المشتركة من الحركات الدارفورية المسلحة، التي فقدت مركزها الرمزي والسياسي والعسكري الأبرز، وهو ما يُضعف من تماسكها وقدرتها على التأثير الميداني.

أما الجيش السوداني، فرغم احتفاظه بقدرات قيادة وسيطرة عالية، إلا أن خسارته للفاشر تمثل انتكاسة معنوية كبيرة كونه فقد آخر معقل رئيسي له في دارفور.

مع ذلك، اعتبر عباس أن “الجيش ما زال يحتفظ بعوامل تمكنه من استعادة زمام المبادرة في المدى القريب، لاسيما مع تفوقه الجوي وتماسكه في شمال البلاد، حيث يُستبعد أن تتمكن قوات الدعم السريع من التقدم عبر الصحراء المفتوحة نحو تلك المناطق “.

كارثة إنسانية

إلى ذلك، رأى اللواء المتقاعد أن سقوط الفاشر أدى “على الصعيد الإنساني، إلى تدهور حاد في الأوضاع المعيشية والأمنية داخل المدينة ومحيطها، حيث شهدت المنطقة أعمال نهب وانتهاكات واسعة ضد المدنيين، إضافة إلى موجات نزوح كبيرة باتجاه الشمال الغربي في ظل نقص حاد في الغذاء والمياه والرعاية الطبية، وانتشار الأوبئة وارتفاع معدلات الوفيات”.

كما لفت إلى “تصاعد أعمال العنف ذات الطابع القبلي والانتقامي، ما ينذر بإعادة إنتاج دوامة الصراع الأهلي التي عرفتها دارفور مطلع الألفية الجديدة.”

وأضاف أن “قوات الدعم السريع وجدت نفسها أمام اختبار حقيقي في هذا السياق، إذ يتعين عليها إثبات قدرتها على التصرف كقوة مسؤولة من خلال تحمل مسؤولياتها الإنسانية الكاملة، وحماية المدنيين والمرافق الحيوية، والسماح للمنظمات الإنسانية بالوصول الآمن دون قيود، وضمان مرور القوافل الإغاثية وفتح ممرات إنسانية آمنة. ”

وتابع قائلا إن “فلفشل في إدارة هذا الملف سيؤدي إلى تآكل شرعية الدعم السريع السياسية والعسكرية، ويضعف موقعها داخلياً ودولياً، وقد يحول انتصارها الميداني إلى عبء سياسي وإنساني ثقيل.”

استنزاف طويل

من جهته، وصف اللواء المتقاعد أمين إسماعيل مجذوب، القائد السابق للفرقة السادسة مشاة، ” ما يجري في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور بقتال في مواقع تبادلية، يأتي بعد نحو 266 محاولة هجوم فاشلة على المدينة من قبل قوات الدعم السريع.”

وأضاف في تصريحات بحسب “العربية نت” إن الدعم السريع يعتمد على أسلوب الحصار لإضعاف المدينة.

كردفان والخرطوم

وأكد اللواء مجذوب أن الدعم السريع لن يتجه نحو ولايات كردفان أو العاصمة الخرطوم أو الولاية الشمالية، بسبب ضعف القوة البشرية واللوجستية. وأضاف أن ما يُعرف بـ”حكومة تأسيس” في نيالا لن تحظى بأي اعتراف محلي أو دولي، في ظل رفض الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

إلى ذلك، اعتبر أن السودان لن يسير نحو سيناريو ليبيا، مرجعاً ذلك إلى اختلاف طبيعة الشعب السوداني وتماسك مؤسساته، لكنه حذر من انعكاس التطورات الأخيرة سلباً على مسار التفاوض.

في المقابل، رأى الخبير العسكري د. أسامة عثمان مساعد أن “غياب القوات المسلحة في الفاشر يمثل حافزاً للدعم السريع للتقدّم والهجوم على مواقع الجيش، فهذا الفراغ يسهل تأمين خطوط الإمداد للدعم السريع. ”

لكنه أوضح في الوقت عينه “أن الجيش يمكنه مع ذلك، وبحكم خبرة قواته المسلحة المكتسبة طيلة فترة الحرب في الجنوب، امتصاص هذه الصدمة باستخدام الأسلحة النوعية وسلاح الطيران، ما يعيق تقدم قوات الدعم السريع.”

من جانبه، وصف الخبير العسكري السوداني العميد المتقاعد جمال الشهيد الأحداث الأخيرة في الفاشر بأنها نقطة تحوّل استراتيجية في مسار الحرب، مؤكداً أن المعركة لم تكن مجرد اشتباك ميداني محدود، بل مواجهة فاصلة أعادت رسم معادلة القوة بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع. وأضاف في حديثه “للعربية.نت” أنه “رغم التفوق العددي والناري للمهاجمين، فإن القدرة القتالية العالية والانضباط الميداني لقوات الجيش جعلت من المعركة نموذجاً في الصمود والقتال حتى آخر طلقة.” وأشار إلى أن قرار إعادة التموضع المؤقت خارج المدينة خطوة احترافية تهدف للحفاظ على القوة البشرية وإعادة التنظيم، تمهيداً لاستعادة المبادرة الهجومية في الوقت المناسب، ما يعكس نضج القيادة الميدانية ومرونتها في إدارة القتال ضمن بيئة معقدة ومتغيرة.

بين هذا وذاك، يبقى الأكيد أن السودان عامة يعيش بعد أكثر من سنتين على الحرب الدامية، أحد أكبر المآسي والتحديات الإنسانية.

الوسومالجيش الدعم السريع الفرقة السادسة مشاة تحوّل مسار في السودان معركة الفاشر

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: الجيش الدعم السريع الفرقة السادسة مشاة تحو ل مسار في السودان معركة الفاشر

إقرأ أيضاً:

مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف

 

قال تقرير دوري لمجلس الأمن الدولي إن الحرب في السودان دخلت مرحلة أقرب إلى “حرب استنزاف” طويلة الأمد، مع استمرار تدفق الأسلحة والدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، وترسخ ما وصفه بانقسام فعلي لمناطق السيطرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.

التغيير ــ وكالات

وأوضح التقرير الشهري الصادر في أول يونيو الجاري أن النزاع، الذي دخل عامه الرابع، يشهد تصعيداً في عدة جبهات، لا سيما في إقليمي دارفور وكردفان، بالتزامن مع توسع استخدام الطائرات المسيرة والأسلحة المتطورة، الأمر الذي يزيد من مخاطر امتداد تداعيات الحرب إلى دول الجوار.

وأضاف أن استمرار القتال أدى إلى مزيد من تفكك مؤسسات الدولة وإضعاف هياكل الحكم الهشة أصلا، في وقت لم تنجح فيه حتى الآن الجهود الإقليمية والدولية في تحقيق تقدم ملموس نحو تسوية تفاوضية أو وقف مستدام لإطلاق النار.

وأشار التقرير إلى أن الخلافات بين أعضاء مجلس الأمن لا تزال تعرقل التوصل إلى مواقف موحدة بشأن عدد من القضايا المرتبطة بالنزاع، بما في ذلك حماية المدنيين وآليات المساءلة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني، رغم توافقهم على ضرورة وقف الأعمال القتالية وضمان وصول المساعدات الإنسانية.

وحذر التقرير من استمرار التدهور الإنساني، مشيراً إلى أن 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم 135 ألفاً في ظروف كارثية.
كما لفت التقرير إلى أن الوصول الإنساني لا يزال يواجه قيوداً كبيرة بسبب انعدام الأمن والعقبات اللوجستية والإدارية، فيما تظل عدة مناطق في دارفور وكردفان معرضة لخطر المجاعة.

وفي الجانب الحقوقي، أشار التقرير إلى تصاعد المخاوف بشأن تأثير الطائرات المسيّرة على المدنيين والبنية التحتية المدنية، في ظل تقارير أممية تفيد بارتفاع أعداد الضحايا المدنيين المرتبطين بهذه الهجمات خلال الأشهر الأخيرة.

ومن المتوقع أن يتلقى مجلس الأمن خلال شهر يونيو الإحاطة الدورية الخاصة بالوضع في السودان، والتي تُقدَّم كل 120 يوماً.

كما يُنتظر أن يتلقى المجلس خلال الشهر إحاطة بشأن أعمال لجنة العقوبات المنشأة بموجب القرار 1591 الخاصة بالسودان. إلا أنه حتى وقت إعداد التقرير لم يكن قد تم تعيين رئيس اللجنة، نظراً لعدم توصل أعضاء المجلس بعد إلى اتفاق بشأن توزيع رئاسة الهيئات الفرعية التابعة للمجلس خلال العام الحالي.

ويشهد السودان منذ أبريل 2023 حرباً بين الجيش وقوات الدعم السريع أودت بحياة عشرات الآلاف، وأدت إلى نزوح ولجوء ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها، في أزمة تصفها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ في العالم.

الوسوماستنزاف انقسام داخلي حرب السودان مجلس الأمن الدولي

مقالات مشابهة

  • نقشٌ على {باب المدينة}(ع)
  • واشنطن : الصين التزمت الحذر .. وإمداداتها لإيران لم تغير مسار الحرب
  • ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺤﺮب اﻷﻫﻠﻴﺔ ﻓﻰ اﻟﺴﻮدان.. و»اﻟﺒﺮﻫﺎن« ﻳﻄﺎرد اﻟﻤﺮﺗﺰﻗﺔ
  • رهاب العلمانية!
  • مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف
  • أبل تطور ميزة جديدة لحماية آيفون من السرقة والخطف السريع
  • الكرملين: الحرب في أوكرانيا قد تنتهي فورًا إذا انسحبت قوات كييف من الدونباس
  • سلسلة الوعود المعطلة: من 10 × 10 إلى المدينة الجديدة واللجان.. الذاكرة لا تنسى
  • إهناسيا المدينة تواصل الكشف عن كنوزها الأثرية
  • دبلوماسي هندي: زيارة رئيس ميانمار تمهد السبيل لوضع خارطة طريق جديدة للعلاقات