في قلب مدينة جوهانسبرغ، التي قامت على أكبر اكتشاف للذهب في التاريخ، تستعد جنوب أفريقيا لاستضافة حدث لا يقل قيمة عن المعدن الأصفر الذي بنيت عليه المدينة، وهو قمة مجموعة العشرين (G20) التي ستُعقد يومي 22 و23 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.

هذه ليست مجرد قمة عادية، بل هي لحظة تاريخية بكل المقاييس، فهي المرة الأولى التي يجتمع فيها قادة أقوى اقتصادات العالم على أرض أفريقية.

كان من المفترض أن تكون هذه القمة احتفالا بصعود القارة، وتتويجا لرئاسة جنوب أفريقيا للمجموعة تحت شعار "التضامن، المساواة، والاستدامة". لكن قبل أيام فقط من انطلاقها، تحولت الأجواء الاحتفالية إلى ترقب قلق، بعد أن ألقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بظلال كثيفة على الحدث بإعلانه مقاطعة كاملة للقمة، وتبعه غياب الرئيسين الصيني والروسي، مما يضع مستقبل الحوكمة الاقتصادية العالمية في مهب الريح، ويحول القمة التاريخية إلى اختبار غير مسبوق لقدرة العالم على التوافق في زمن الانقسامات الحادة.

لفهم حجم هذا الحدث، يجب أولا تبسيط مفهوم مجموعة العشرين. هي ليست منظمة رسمية مثل الأمم المتحدة، بل منتدى أو ناد يجمع 19 من أكبر اقتصادات العالم، إضافة إلى هيئتين إقليميتين، هما الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي (الذي انضم حديثا عام 2023).

هذا النادي يمثل قوة اقتصادية هائلة: أعضاؤه ينتجون 85% من كل السلع والخدمات في العالم، ويستحوذون على 75% من التجارة الدولية، ويعيش في بلدانهم ثلثا سكان الكوكب.

تأسست المجموعة عام 1999 باجتماع لوزراء المالية بعد الأزمة المالية الآسيوية، لكنها اكتسبت أهميتها الحقيقية في عام 2008، عندما رُفعت إلى مستوى قمة الرؤساء لمواجهة الأزمة المالية العالمية.

منذ ذلك الحين، أصبحت القرارات التي تُتخذ في هذا المنتدى تؤثر على حياة المليارات، من أسعار الغذاء في القاهرة إلى فرص العمل في جاكرتا. والآن، ولأول مرة، تُعقد هذه القمة في أفريقيا، مما يمنح القارة فرصة فريدة لوضع همومها على رأس الأجندة العالمية.

إعلان عاصفة المقاطعة تهز القمة

كانت جنوب أفريقيا تأمل في أن تكون قمة جوهانسبرغ لحظة إجماع عالمي، لكنها تحولت إلى دراما سياسية عالية المخاطر. بدأت العاصفة في 7 نوفمبر 2025، عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقاطعة كاملة للقمة، ليس فقط بالغياب، بل بمنع أي مسؤول أميركي من الحضور.

والسبب الذي ساقه ترامب كان صادما ومبنيا على معلومات مضللة، إذ ادعى وجود "انتهاكات لحقوق الإنسان" و"ذبح" للمزارعين البيض في جنوب أفريقيا، وهي رواية تروج لها جماعات اليمين المتطرف في الولايات المتحدة وتفندها الحقائق على الأرض.

لم يكتف ترامب بذلك، بل صرح بأن "جنوب أفريقيا لم يعد لها مكان في مجموعة العشرين". هذا الموقف المتشدد أحدث صدمة دبلوماسية، ورد عليه رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا بحزم، حيث صرح في 14 نوفمبر، أن بلاده ستمضي قدما في عقد القمة، وأنها ستسلم الرئاسة الدورية للمجموعة في نهاية القمة إلى "كرسي فارغ" يمثل الولايات المتحدة، في لفتة رمزية.

لم تكن مقاطعة ترامب هي الضربة الوحيدة، ففي 13 نوفمبر/تشرين الثاني، أعلنت وزارة الخارجية الصينية أن الرئيس شي جين بينغ لن يحضر القمة أيضا، وسيمثله رئيس الوزراء لي تشيانغ. ورغم أن الصين لم تقدم سببا رسميا، إلا أن التوقيت أثار التكهنات بأن بكين لا تريد أن تبدو وكأنها تستغل غياب واشنطن لتصدر المشهد. هذا القرار الصيني له دلالات عميقة، فالصين كانت أكبر شريك تجاري لجنوب أفريقيا ولأفريقيا عموما، وغياب شي يقلل من وزن القمة بشكل كبير.

كما تأكد غياب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي لا يستطيع الحضور بسبب مذكرة الاعتقال الصادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية (التي تعتبر جنوب أفريقيا عضوا فيها وملزمة بتنفيذ قراراتها)، وسيمثله نائب رئيس إدارة الكرملين مكسيم أوريشكين.

ورغم أن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أكد أن "مجموعة العشرين لا تزال مهمة للعديد من البلدان"، فإن غياب بوتين يحرم القمة من صوت روسيا، التي تعتبر نفسها قوة عالمية منافسة للغرب.

وانضم إليهم الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي أعلن غيابه أيضا متضامنا مع موقف ترامب.

وهكذا، ستُعقد القمة بدون قادة أكبر ثلاثة اقتصادات في العالم (أميركا والصين وروسيا)، وهو ما يطرح سؤالا جوهريا عن شرعية ومستقبل المجموعة كمنصة للحوكمة العالمية. لكن هناك من يرى في هذا الغياب فرصة نادرة لدول الجنوب للتحرك بحرية أكبر، دون أن تخشى من معارضة القوى العظمى.

ستُعقد قمة العشرين في جنوب أفريقيا بدون قادة أكبر ثلاثة اقتصادات في العالم (أميركا والصين وروسيا) (الأوروبية)أجندة أفريقية جريئة في مواجهة النظام العالمي

في خضم هذه العاصفة الجيوسياسية، تتمسك جنوب أفريقيا بأجندتها الطموحة التي تأمل منها ترك بصمة أفريقية على النظام الاقتصادي العالمي.

تدور الرئاسة الجنوب أفريقية حول ثلاثة محاور رئيسية: التضامن، المساواة، والاستدامة، لكن خلف هذه العناوين البراقة، تكمن قضايا حقيقية ومؤلمة للقارة الأفريقية والعالم النامي.

القضية الأولى والأكثر إلحاحا هي "فخ الديون" وتكلفة رأس المال غير العادلة. ببساطة، عندما تحتاج دولة أفريقية إلى قرض لتمويل مشروع بنية تحتية، فإنها تدفع أسعار فائدة أعلى بكثير من دولة أوروبية، وذلك بسبب تقييمات وكالات التصنيف الائتماني الكبرى (Moody’s, S&P, Fitch) التي تتهمها الدول الأفريقية بالتحيز والافتقار إلى الشفافية.

إعلان

ووفقا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة، فإن هذا التقييم غير العادل يكلف القارة الأفريقية ما يقدر بنحو 74.5 مليار دولار سنويا كفوائد إضافية، وهي أموال كان يمكن أن تبني مدارس ومستشفيات.

القضية الثانية التي تضعها جنوب أفريقيا في قلب النقاش هي "عدم المساواة العالمية"، وهي قضية اكتسبت زخما هائلا بعد أن تسلم الرئيس رامافوزا في 4 نوفمبر تقريرا تاريخيا أعدته لجنة من الخبراء بقيادة الاقتصادي الحائز على نوبل جوزيف ستيغليتز.

كشف التقرير عن أرقام صادمة، أبرزها، أن أغنى 1% من سكان العالم استحوذوا على 41% من كل الثروة الجديدة المستحدثة منذ عام 2020. ليس هذا مجرد رقم إحصائي جاف، بل يعني أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع في تسارع، حتى في الدول الغنية.

التقرير، الذي شارك في إعداده أكثر من 500 عالم واقتصادي من جميع أنحاء العالم، دعا إلى إنشاء "لجنة دولية لعدم المساواة" على غرار الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، وهي هيئة تأسست عام 1988 لتقييم العلوم المتعلقة بتغير المناخ وأصبحت مرجعا عالميا في هذا المجال. الفكرة هي إنشاء هيئة مماثلة تراقب عدم المساواة وتقدم توصيات ملزمة للحكومات.

هذا الاقتراح تدعمه دول مثل فرنسا والبرازيل وإسبانيا، لكنه يواجه مقاومة من دول أخرى مثل الولايات المتحدة (رغم غيابها) وسويسرا، التي تخشى من أن تؤدي هذه اللجنة إلى ضغوط لفرض ضرائب على الأثرياء أو إعادة توزيع الثروة إجباريا.

تسعى جنوب أفريقيا إلى حشد الدعم لهذا الاقتراح خلال القمة، وتحويل النقاش حول عدم المساواة من مجرد شعارات إلى آليات عمل دولية ملزمة. وإذا نجحت في ذلك، فستكون قد حققت واحدا من أهم الإنجازات في تاريخ مجموعة العشرين.

أبراج ضاحية ساندتون الفاخرة (حيث يعقد مركز القمة الإعلامي) تطل على أحياء فقيرة ومكتظة (الفرنسية)جوهانسبرغ: مدينة الذهب والتناقضات الصارخة

لا يمكن فهم سياق القمة دون فهم المدينة التي تستضيفها: جوهانسبرغ، أو "إيغولي" (eGoli) بلغة الزولو، والتي تعني "مدينة الذهب". هذه المدينة لم تكن موجودة قبل 140 عاما، لكن اكتشاف الذهب عام 1886 حولها إلى أكبر مدينة في جنوب أفريقيا ومركزها الاقتصادي.

لكن تاريخها هو أيضا تاريخ من التناقضات الصارخة، فهي مدينة الأبراج الشاهقة والقصور الفاخرة في ضاحية ساندتون (حيث يُعقد مركز القمة الإعلامي)، وهي أيضا مدينة "التاونشيبس" (Townships)، وهي الأحياء الفقيرة والمكتظة التي أنشأها نظام الفصل العنصري "الأبارتايد" (1948-1994) لعزل السكان السود. أشهر هذه الأحياء هي سويتو (Soweto)، التي كانت مركزا للمقاومة ضد الأبارتايد وأنجبت زعيمين حائزين على نوبل للسلام، نيلسون مانديلا وديزموند توتو.

اليوم، وبعد ثلاثة عقود من الديمقراطية، لا تزال جوهانسبرغ تعاني من إرث هذا الفصل. فبينما تستعد المدينة لاستقبال قادة العالم، يكافح سكانها مع بنية تحتية متهالكة، وانقطاع متكرر للكهرباء والمياه، ومعدلات جريمة مرتفعة.

بلدية جوهانسبرغ تعاني من أزمة مالية حادة، حيث كشفت تحقيقات عن إنفاق غير قانوني بقيمة 23.6 مليار راند (أكثر من ربع الميزانية السنوية)، وتعاقب على رئاستها 10 عمداء منذ عام 2016، في مؤشر واضح على عدم الاستقرار والفساد.

في الأسابيع التي سبقت القمة، اضطر الرئيس رامافوزا للتدخل شخصيا وقيادة حملة تنظيف واسعة لإصلاح الطرق وإعادة طلاء الشوارع، في مشهد غير معتاد لرئيس دولة.

وفي 16 نوفمبر/تشرين الثاني، ظهر رامافوزا في شوارع جوهانسبرغ مرتديا قميصا أزرق، يشارك في إزالة القمامة وإصلاح الحفر، برفقة عمدة المدينة دادا موريرو وفريق طوارئ من العمال. هذه الحملة، التي وصفتها وسائل الإعلام المحلية بأنها محاولة لإنقاذ ماء الوجه، تسلط الضوء على التحدي الذي يواجه جنوب أفريقيا: كيف يمكنها أن تقود نقاشا عالميا حول المساواة والاستدامة، بينما لا تزال تكافح لتحقيق ذلك على أرضها؟ لكن رامافوزا، في تصريحاته الأخيرة، لم يتراجع عن طموحاته، بل أكد أن التحديات الداخلية لن تمنع جنوب أفريقيا من قيادة النقاش العالمي حول العدالة الاقتصادية.

ترفع رئاسة جنوب أفريقيا إلى مجموعة العشرين شعار "التضامن والمساواة والاستدامة" (الأوروبية)الاتحاد الأفريقي من مراقب إلى لاعب

أحد أهم الإنجازات التي تحققت قبل هذه القمة، ولا تحظى بالاهتمام الكافي، هو انضمام الاتحاد الأفريقي عضوا دائما إلى مجموعة العشرين في عام 2023. هذا القرار، اُتخذ في قمة نيودلهي بالهند، ويمثل تحولا تاريخيا في موازين القوى العالمية. فلأول مرة، تحصل القارة الأفريقية، التي يبلغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة ويتوقع أن يتضاعف بحلول 2050، على مقعد دائم في أهم منتدى اقتصادي عالمي.

إعلان

لكن الانضمام وحده لا يكفي، فالتحدي الحقيقي هو تحويل هذا المقعد إلى نفوذ حقيقي. تسعى جنوب أفريقيا، بصفتها المضيف الأفريقي الأول، إلى تحقيق هذا الهدف بتنسيق مواقفها مع الاتحاد الأفريقي ودول أفريقية أخرى مثل نيجيريا ومصر. الرهان هو أن تتمكن أفريقيا من التحدث بصوت واحد، بدلا من أن تكون مجرد متفرج على نقاشات تحدد مستقبلها الاقتصادي.

القضايا التي تطرحها جنوب أفريقيا ليست أفريقية فقط، بل تمس كل دول الجنوب العالمي. فمشكلة الديون المرتفعة تعاني منها دول عربية مثل مصر ولبنان والسودان، ومشكلة عدم المساواة تتفاقم في أميركا اللاتينية وآسيا.

لذلك، تحاول جنوب أفريقيا بناء تحالف واسع من الدول النامية لمواجهة ما تعتبره نظاما اقتصاديا عالميا غير عادل. هذا التحالف يشمل دول بريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا)، لكنه يمتد أيضا إلى دول أخرى تشعر بالإحباط من هيمنة الغرب على المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

#ترمب يعلن مقاطعة قمة العشرين ويمنع مشاركة أي مسؤول حكومي أمريكي في اجتماعاتها.. فهل نحن أمام بوادر أزمة جديدة بين واشنطن وبريتوريا؟#الجزيرة_رقمي pic.twitter.com/XUDWBbnF7f

— قناة الجزيرة (@AJArabic) November 9, 2025

مستقبل القمة في عالم منقسم

مع غياب قادة القوى العظمى، تدخل قمة جوهانسبرغ منطقة مجهولة، ويرى بعضهم أن هذا الغياب يفرغ القمة من محتواها ويجعلها مجرد حدث بروتوكولي، فبدون حضور الرئيسين الأميركي والصيني، من الصعب التوصل إلى أي اتفاقيات جوهرية في القضايا الكبرى، مثل التجارة أو تغير المناخ.

لكنّ آخرين يرون في هذا الغياب فرصة تاريخية، فلأول مرة، ستتاح لدول الجنوب العالمي، بقيادة جنوب أفريقيا والبرازيل والهند، فرصة لتوحيد صفوفها وتمرير أجندتها دون اعتراض "فيتو" أميركي أو صيني. قد تكون هذه القمة أقل انقساما وأكثر تركيزا على قضايا التنمية، مثل إصلاح البنوك الدولية، ومعالجة أزمة الديون، والاستثمار في البنية التحتية في أفريقيا.

القمة ستشهد أيضا حضور قادة مهمين آخرين، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني أولاف شولتس، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا. هؤلاء القادة سيكون لهم دور حاسم في تحديد ما إذا كانت القمة ستنجح في تمرير إصلاحات حقيقية، أم أنها ستكتفي ببيانات عامة ووعود غير ملزمة.

المفارقة الكبرى هي أن الولايات المتحدة ستتسلم رئاسة مجموعة العشرين لعام 2026 من جنوب أفريقيا، وهذا يعني أن الرئيس رامافوزا سيسلم المطرقة الرئاسية رمزيا إلى "كرسي فارغ"، في مشهد سريالي يلخص حالة الاستقطاب التي وصل إليها العالم.

هذا المشهد لن يكون مجرد لحظة رمزية، بل سيكون رسالة واضحة من جنوب أفريقيا إلى العالم: التعددية لا تعني الضعف، بل تعني البحث عن نظام عالمي أكثر عدلا وشمولا.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات الولایات المتحدة الاتحاد الأفریقی مجموعة العشرین جنوب أفریقیا عدم المساواة هذه القمة فی هذا

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • المنتخب الأول لكرة القدم.. يكون أو لا يكون
  • من ماسبيرو فرصة ذهبية لعودة التليفزيون المصرى المنافسة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • خريطة المسلمين عالمياً تتغير.. آسيا تقود المشهد
  • تقرير أمريكي يكشف تفاصيل مكالمة عاصفة بين ترامب ونتنياهو بشأن لبنان
  • اليابان: عاصفة قوية تقترب من طوكيو وتوقع مصابين
  • مدرب النمسا: تركيزنا منصبّ على مواجهة الأردن في افتتاح كأس العالم
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • نائب: التعليم والبحث العلمي في صدارة أولويات الدولة المصرية
  • القصة الكاملة لسبب تأجيل سفر منتخب جنوب أفريقيا لخوض مباريات كأس العالم