لجريدة عمان:
2026-06-03@05:46:31 GMT

روحي تحوم فوق السَّرير

تاريخ النشر: 16th, November 2025 GMT

الاثنين، 29 إبريل 1991، سان دييغو، كاليفورنيا

اليوم، وبلا أدنى حرج، أرى الأمر بطريقة تلميذ المرحلة الإعداديَّة في فرع «التعبير» الذي كان من ضمن فروع مادة اللغة العربيَّة وامتحاناتها الجليلة المهيبة في فترة يفوعي:

--لماذا تكتب؟

--أكتب «لأعبِّر» عن عذابي.

حقًّا، هكذا هو الأمر: العودة إلى النَّار الأولى، وكل ما يعيقك من النوم، والكف عن الانخراط غير المشروط في كل ما تقوله أقسام الفلسفة والأدب في الجامعات المرموقة.

هي العودة إلى «التعبير» كما كان يفعل أسلافنا «البدائيون» على جدران الكهوف. أما الأشياء المؤسفة التي تطورت بعد الخروج من الغابة من قبيل «إعادة خلق العالم» (وهذا، ثكلتك أمُّك، مشروع أخرق ومضجِر أصلاً)، و«تدمير الذَّات» (صه!، فهذه ليست بحاجة لمزيد من الدَّمار)، و«إيجاد معادل موضوعي للحياة» (لا بَخٍ بَخٍ!، فهذا، ويلك، تتكفَّل به الحياة نفسها؛ حياة كحياتي، في الأقل)، إلى غير هذا وذاك فهو مما يتعلَّق بمعطيات، وتبريرات، وتنظيرات الكتابة ضمن تراكمها الثقافي و«الكوني» ضمن ما أمكن كتابته من تاريخنا (لغاية الآن). لكن ذلك لا يعنيك أنت في الكتابة باعتبارك منخرطًا في الحياة والعالم بصعوبة كبيرة ولوقت لن يكون طويلاً.

من ناحية أخرى فإن راية «النَّص» ورؤيته وصلا إلى حرف مسدود؛ فقد أصبح «النَّصُّ» يكشف عن توسُّلاته على عتبة النَّوع (genre) وليس عند سلالم عذابك بشكل لا يليق بكرامة الكلمات. وهذا (كما تعترف المعرفة بالعرف) سلوك مقبول من النَّص؛ فهو يبحث عن هويَّة وهواء، لكنه مرفوض تمامًا من الكاتب الذي تبحث عنه الانتماءات، وتتقاتل لأجله الأسماء والعناصر.

يجب، لهذا، أن أكون وفيًّا للإبداع بحيث أتخَلَّق بمقدار طيب من الخسَّة يكفي للغدر بتجربة النَّص. يجب أن أكون مواليًا للفن بحيث أطيح بالنَّص، ولذلك ينبغي الإقلاع فورًا عن عادة النُّصوص حفاظاً على دم الكتابة ورئة الخلق.

خطَّة الانقلاب، كما أحبكها، لا تتمترس في مؤامرة الاستقلال عمَّا يتحرر (ورغم أن ذلك ليس شعاراً استهلاكيًّا بالنِّسبة لي فإني، إن حوكمتُ، لن أصر على نفيه حاجزاً قديماً للاغتيال).

ينبغي، إذًا، عدم إحراج مزيد من النُّصوص؛ بل يجب تجريح الكتابة بالكتابة فحسب. وإلا فالأولى عدم ترجيح كفَّتها في ميزان البوح، وذلك عبرة للعبارة واعتبارًا للتَّعبير، خاصَّة وأن السِّباقات لم تعد تثير أحدًا غير الموتى الذين، نفياً لكل ما تنصُّ عليه الأعراف، يتفنَّنون في قضِّ دماغ المرء بصياحهم حتى في هذا الوقت المتأخر من الليل.

لكن هذا الكلام لا معنى له، ولا يعني أحداً غيري (وقفتُ في مصدرٍ ما على أن مقولة «حياتي مهمَّة، ولكن لي وحدي فحسب» التي تُنسَبُ لغير شخص هي إعادة صياغة تنويعيَّة لشيء قاله نيكوس كازانتزاكي، وأنا واثق تماماً أنه يمكن أن يقول شيئاً من هذا القبيل).

واكتئابي الخانق حَدَثٌ وليس حديثاً.

الأحد، 5 مايو 1991، سان دييغو، كاليفورنيا

(1)

اليوم، بثروة اللغة في رقص الأطفال وثورتها، أنقضُّ على قيود الاكتئاب التي تضطهدني، وأخرج من العقاقير والواجبات الدِّراسيَّة البليدة، وأنضمُّ إليهم راقصاً في «ساحة الأزتِك» احتفالاً بذكرى الخامس من مايو (*)، ليس فقط احتفاء بهذا الحدث التَّاريخي، ولكن كذلك إجلالاً لكل حدث في التَّاريخ يقول فيه الإنسان لأخيه الحيوان: كفى، رفقاً بك!، مذكِّراً الجلاد بجدل الانتماء.

ومهما يكن من أمر ما انتهى إليه الخامس من مايو، فإن الأطفال المكسيكيين الذين رقصت معهم وأياديهم ضارعة إلى الشَّمس المُرضِعة يقولون ما يقولون.

بعد الرَّقص احتضنت بعضهم باكياً، وفي مكان قريب رفعت نخباً للحريَّة الطَّارئة.

(2)

هناك، في المنطقة الأكثر براءة في البحر، يتلثَّم المثلَّث الأكثر رعباً وأمانة للسِّر في الماء. هناك، قرب الرَّمل الرَّطِب، يتكسَّر البريق المائي الباهت في شحوب قرية منقبضة لكآبة الغروب. هناك، في مجز الصُّغرى النائية عن الأرض كنجوم قارَّة لم تكتشف بعد، أمام بيت الأب، على بعد قطرات من الزُّرقة الواسعة مثل نقاهة عروس البحر. هناك، على بياض الأصداف الجليلة وخضرة الطَّحالب اللَّزجة حيث، منذ سنوات بعيدة كما غيبوبة، لعبت معي محفوظة التي ماتت وهي تبتسم لي، فدفنوها في المقبرة الجرداء، ولعبتُ، بعد سنوات من ذلك، مع قطَّتي التي ماتت بدورها فدفنتها مُكَفَّنة في الخطِّ الذي يلتقي فيه الماء بالتراب.

هناك، وقفت وحدي في شجن غروب قرية مهجورة أشهد الهول: حافلة ركَّاب حمراء، سقفها أبيض وعجلاتها كالحة، مليئة بأموات أعرفهم، وآخرين لا أعرفهم، يَتَطوفَنُ (من «الطُّوفان») عليها الموج ميمنة وميسرة (في البال، بكل تأكيد، المشهد الافتتاحي من فيلم «ملِكا الطريق» لفِم فندرس). الرُّكاب يصرخون، فيردُّ عليهم صراخهم مرتطماً بالبيوت المهدَّمة على الشاطئ.

هناك، وأنا معدوم الحيلة أرقب الحافلة تناور الموج عبثاً، وتروح وتجيء كسمكة مطحونة قبل أن تغوص إلى العتمة، ثم يطوِّح بها البحر إلى الشَّاطئ خاوية، مكسورة النَّوافذ، ملطَّخة بالطِّين.

هناك، وأنا الشَّاهد على الكارثة، على عكس ما حَدَثَ في «أناشيد مالدورور» للوتريامون، أغرق في قسوة أن ليس لديَّ بندقيَّة أطلق منها الرَّحمة عليَّ وحدي عوضاً عن إطلاق النار على النَّاجين.

هناك، لم يكن من ناجين ينافسونني على الغياب.

حدث ذلك في طوفان الليلة الفائتة وروحي تحوم فوق السَّرير.

---------------------------------------

(*): الخامس من مايو (Cinco de Mayo): احتفال شعبيٌّ، وثقافي، وسياسيٌّ سنويٌّ بذكرى الانتصار المكسيكي على جيش الإمبراطورية الفرنسيَّة الثانية الأكثر عدداً وأقوى عُدَّة بما لا يقارَن، وذلك في العام 1862 (حاشية أضيفت إلى المتن في يوم الأربعاء، 13 مارس 2025، مسقط).

عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية

يمن مونيتور/ رصد خاص

كشفت السلطات الأمريكية عن مستجدات جديدة في القضية التي هزّت أوساط الجالية اليمنية في ولاية نيويورك، بعد توجيه اتهامات رسمية إلى صالح محمد (28 عاماً) على خلفية جريمتي قتل وقعتا يوم الإثنين في مدينتي بوفالو وتشيكتواغا.

ومثل المتهم أمام المحكمة، حيث وُجهت إليه ثلاث تهم بالقتل من الدرجة الثانية وتهمة واحدة بالقتل من الدرجة الأولى، وذلك على خلفية مقتل عائشة عبد الله وطفلين داخل منزل في منطقة تشيكتواغا.

وفي تطور متصل، أكدت شرطة بوفالو أن المتهم يواجه أيضاً اتهاماً منفصلاً بالقتل من الدرجة الثانية في قضية إطلاق النار التي أودت بحياة المواطن اليمني شكري علي صالح الشيبة داخل متجره في شارع غرانت بمدينة بوفالو، وذلك قبل وقت قصير من اكتشاف الجريمة الأخرى.

وتشير المعطيات الأولية إلى وجود صلة بين مسرحي الجريمتين، فيما تواصل أجهزة إنفاذ القانون جمع الأدلة واستكمال التحقيقات لتحديد التسلسل الكامل للأحداث وكشف جميع ملابسات القضية.

ورغم تداول روايات متعددة بشأن أسباب الجريمة، أكدت المعلومات الرسمية الصادرة حتى الآن عدم وجود أي إعلان من الشرطة أو النيابة العامة يوضح الدافع وراء الجرائم.

كما لم تتضمن البيانات الرسمية أي إشارات إلى خلافات عائلية أو مشكلات مالية أو اضطرابات نفسية، ما يجعل جميع التفسيرات المتداولة في الوقت الراهن مجرد تكهنات غير مؤكدة.

ويُحتجز المتهم حالياً في مركز احتجاز مقاطعة إيري، بانتظار استكمال الإجراءات القضائية ومواصلة التحقيقات.

وتبقى القضية مفتوحة على مزيد من التطورات، في ظل ترقب واسع داخل الجالية اليمنية لنتائج التحقيقات الرسمية التي يُنتظر أن تكشف الدوافع الحقيقية وراء واحدة من أكثر الجرائم صدمة التي شهدتها الجالية في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.

دوافع غامضة وصدمة كبرى.. ماذا حدث للأسرة اليمنية في مدينة بوفالو الأمريكية؟

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • وكالة الطاقة الذرية: هناك تغير جوهري في تقييم برنامج إيران النووي
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • وزير الخارجية الأميركي: هناك احتمال بأن تكون إيران وافقت على التفاوض بشأن جوانب من برنامجها النووي
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • مسؤول إسرائيلي: لن ننسحب من جنوب لبنان طالما بقي هناك تهديد على الأرض