أهوال غزة لا تنتهي
تاريخ النشر: 18th, November 2025 GMT
صبحي حسن
من يظن أنَّ الأمر قد انتهى في غزة بعد أن أُوقفت الحرب فهو واهم، أقول أُوقفت لأنَّها كانت بالإكراه لا لأنَّ الطغيان أفاق إلى رشده، لا والله، ولكن لحاجة في نفس أمريكا والصهاينة ومن يتمسح بهم. ليست الإنسانية الباعث إلى وقف الحرب أبدا، ولا لرحمة أو تأنيب ضمير نزل عليهم، الإبادة في غزة لا زالت مستمرة، بعد أن فشل العدو في تحقيق أغراضه.
ولكن من يظن أن هذا الشعب فوق البشرية في احتماله وصموده، ويستطيع أن يصمد أكثر طالما سكتت أصوات الطائرات والدبابات والقنابل، يعيش النرجسية. الشعب الفلسطيني بشر مثلنا يتألم ويتوجع ويصرخ مثلنا تماما، عاش الويلات والحروب والمجاعة، وفي بدايات وقف القتال يريد شعب غزة أبسط حقوق العيش ريثما تتم معالجة بقية الأمور.
هذا الشعب لا يريد أن تفتح له مطاعم فاخرة وبوفيهات تقدم له خدمة الطعام وهو جالس على طاولة، يكفيه ما يسد به جوعه وجوع أطفاله وهزاله بعد طول معاناة.. هذا الشعب لا يريد أن يشرب قهوة مرفهة من الماركات العالمية بأكواب جميلة، يكفيه كوب صدئ به ماء وقليل من أوراق الشاي.
هذا الشعب لا يطالب أن يتم معالجته في "مايوكلينك" أو في أحد مستشفيات تايلند، فقط ادخلوا له المساعدات الطبية وسيتكفل أبناؤه من الأطباء الأكفاء بمعالجته بإمكانياتهم المتواضعة، وافتحوا له المعابر لإيصال الحالات الحرجة إلى أقرب مستشفيات الدول المجاورة لمعالجته.
هذا الشعب لا يطلب سيارات فارهة تنقله من مكان إلى مكان في غزة لقضاء حوائجه، فهو يقطع المسافات من نقطة إلى أخرى مشيا على الأقدام رغم الجراح والألم والأثقال والحمولات التي يحملها على ظهره ليوصلها إلى أهله وجيرانه وهو مرهق منهك، يكفيه دابة تجر عربة أو سيارة متهالكة. رأيت مشهدا لرجل مع ابنته ذاهبان للتسوق مشياً على الأقدام رغم المسافة الطويلة التي قطعوها من مخيمهم الذي يعيشون فيه، تمزق حذاء ابنته من كثرة المشي وبدأت تبكي لصعوبة المشي على طرقات مغبرة مليئة بالحجارة من بقايا مخلفات قصف البنايات والمنازل المتناثر على الطرقات، والطين الذي تكون نتيجة لهطول الأمطار مؤخرا، مما اضطر الأب إلى أن يشترى لها حذاءً جديدا عاديا يباع عندنا بريال عُماني واحد ويباع هناك بأضعاف ثمنه على قلة ذات اليد.
هذا الشعب لا يريد أن تُبنى له قصور أو فلل ليسكن فيها مع أطفاله الذين يعيلهم ليحتمي من برد الشتاء وأمطاره والرياح العاتية، تكفيه خيمة تصمد أمام الأنواء الجوية القارسة بدلاً من الخيمة المهترئة التي تتراقص مع الرياح ويتراقص معها أولاده الصغار من شدة البرد. أهذا كثير عليهم وثقيل مُغرم علينا؟
شاهدوا مقاطع الفيديو التي يرسلها الكثير من أفراد هذا الشعب العزيز عن معاناتهم اليومية يستضيفونكم فيها مباشرة مع أسرهم في خيمهم وكأنكم تعيشون معهم، واحكموا بأنفسكم عليهم. اسمعوا إلى مناشداتهم التي تقطع القلوب وهي موجهة إلينا يطلبون مساعدتنا كإخوة وأشقاء. أتدرون في مقابل ماذا؟ دعواتهم لكم من قلوبهم ومن أرض غزة، وسط البنايات المهدمة وخيمهم المهترئة وأطفالهم يدعون لكم أيضاً. أي عز وشرف هذا؟!
لماذا سكتت الأصوات والأقلام عن الخوض في معاناة أهل غزة بمجرد الإعلان عن وقف الحرب؟ ماذا نريد منهم أن يقدموا أكثر مما قدموا لكي يحركوا ضمائرنا ومسؤوليتنا تجاههم؟ أرواحهم وأرواح أطفالهم وأهليهم وعشيرتهم قدموها، هي أثمن ما يملكه الإنسان في هذا الوجود. بيتوهم دمرت وهدمت، بنيتهم التحتية أصبحت من الماضي، لا كهرباء ولا ماء، معيشتهم اليومية بالكاد يستطيعون توفيرها. تُرى ماذا بعد لم يقدموا لكي نقول لهم قدموا هذا ونساعدكم ونسرع إلى نجدتكم؟
وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 900 مريض توفوا في قطاع غزة نتيجة تأخر عمليات الإجلاء الطبي خارج القطاع، ولا يزال نحو 16500 مريضا ينتظرون الموافقة على سفرهم بينهم 4000 طفل يحتاجون إلى إجلاء عاجل. ودعا مدير عام منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم إلى فتح المعابر فورا والسماح بحرية الحركة الطبية والإنسانية من وإلى غزة في ظل الحصار والإغلاق المستمرين للمعابر التي تتفاقم فيها الكارثة الصحية.
وقال مستشار وكالة الأونروا عدنان أبو حسنة إن مئات الآلاف من الخيام مهددة في قطاع غزة مع سقوط الأمطار، موضحا أن الوكالة تمتلك مواد غذائية تكفي لثلاثة أشهر ومساعدات لإيواء مليون و400 ألف فلسطيني، إلّا أن الاحتلال يرفض إدخالها. وأضاف أن منسق الأمم المتحدة يتواصل مع الجانب الإسرائيلي للسماح بإدخال المساعدات دون جدوى.
أكد مدير عام مجمع الشفاء الطبي محمد أبو سليمة أن القطاع يعيش كارثة حقيقة منذ بدء المنخفض الجوي ولا توجد إمكانيات كافية للتعامل معه. وأضاف أن 60% من الأدوية الأساسية غير متوفرة في القطاع، فيما اختلطت المياه الملوثة بمياه الشرب مهددة بانتشار أمراض صحية، كاشفا أن المستشفيات تستقبل حالات لأمراض جلدية بسبب تراكم النفايات.
هذه إبادة جماعية بعينها، ولكن بطبعتها الفاخرة المستحدثة، ترى ماذا نحن فاعلون؟
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
طريق الخروج (2)
خرجنا من المقال الأول ضمن هذه السلسلة بحزمتين من الأسئلة المهمة؛ أولها تعريف وتحديد الموقف الراهن بدقة: هل هو وضع مؤقت يمكن معالجته؟ أم هو وضع مستمر أو قابل للاستمرارية من الصعب أو من المستحيل علاجه؟
واليوم نحاول الإجابة بكثير من الدقة والتفاصيل التي تقربنا من الحقيقة دون تهويل أو تهوين:
الوضع الراهن ليس وضعا مؤقتا طارئا يمكن تجاوزه بطريقة أو بأخرى، إذ إنه وبمرور الوقت تتراكم السلبيات وليس في الأفق أي ضوء ممكن أو بارقة أمل في تغيير هذا الوضع الراهن، بل إن كافة المؤشرات تبين أن الوضع في تدهور وأن حالة الانسداد الاقتصادي (متلازمة القروض وفوائد الديون- بلغت تريليوني جنيه في 10 أشهر فقط) ترافقها كالظل حالة انسداد سياسي (زيادة أعداد المعتقلين وليس كما يظن البعض أن العدد يتناقص)، وحالة انسداد اجتماعي ومجتمعي وثقافي، فأصبح الوضع كما لو كان ظلمات بعضها فوق بعض.
فالوضع السياسي يمكن تلخيصه في الحكم الاستبدادي الذي لا يراه الحاكم هكذا، ويلوم ويعاقب كل من يراه هكذا، بينما العالم كله يدرك هذه الحقيقة. وهذا التصور الاستبدادي ينعكس على الوضع الاقتصادي، فجل القرارات الاقتصادية أو كلها يتخذها شخص واحد لا يرى فائدة من دراسات الجدوى وبالتالي "لا أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد". وهذا يختصر لك حقيقة المشهد، إذ أننا لسنا أمام ممارسة سياسية تعتريها بعض الأخطاء، بل أمام اعتقاد سياسي بأن ما يقوم به الجنرال مؤيد من الله ومحصن ضد الخطأ والنسيان؛ ولِمَ لا والرجل يرى أنه يتحدث مع الله وأن الله يكلمه ومصر تناديه وتخاطبه وهو يقظ منتبه وليس في المنام، ويرى أن الله اختصه بالبركة فجرت مياه النيل وخرجت الحيتان من البحار والمحيطات لتطعم الشعب بفضل الحاكم (رغم ارتفاع أسعار الأسماك في بلد يبلغ طول شواطئها على البحرين الأبيض والمتوسط 3200 كم، ناهيك عن النيل 1530 كم والبحيرات).
الوضع الراهن ليس وضعا مؤقتا طارئا يمكن تجاوزه بطريقة أو بأخرى، إذ إنه وبمرور الوقت تتراكم السلبيات وليس في الأفق أي ضوء ممكن أو بارقة أمل في تغيير هذا الوضع الراهن
قد يقول قائل: لقد مر على مصر حكام مستبدون وتغيرت الأوضاع بعد زوالهم، وهذا صحيح مع فارق جوهري وهو أن الجنرال الحاكم اليوم يعبث بالهوية المصرية، ويرى أن حصول الشعب على تعليم جيد أمر يحمل مخاطر كبيرة على السلطة والدولة، لأنه يرى السلطة هي الأصل ويرى أن الشعب نفسه هو الحالة الطارئة التي يجب تغييرها كما صرح غير مرة بإعجابه بنموذج الصين، خصوصا فكرة الحزب الشيوعي الذي قدم له التهنئة في عام 2021 بالقول: "أتوجه لكم ومن خلالكم إلى الشعب الصينى الصديق بكل التهانى بمناسبة مرور 100 عام على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، ذلك الصرح السياسي العظيم الذي قاد الصين بنجاح، فأمّن له الاستقلال التام وأقام هيكلا للدولة الصينية الحديثة عام 1949". كما مدح تجربة الصين في التخلص من مائتي مليون من المواطنين من أجل إنشاء جيل جديد على المقاس، وهنا تكمن الخطورة، فبينما نتحدث عادة عن أن الحاكم بالضرورة هو "الطارئ أو المؤقت" بينما الشعب هو "القائم- الدائم" إذا بجنرال مصر يرى الشعب حالة طارئة والحاكم هو الحالة المستمرة؛ إن لم يكن جسدا ففكرة وعقيدة.
هذه الحالة المستعصية والمسيطرة على رأس الجنرال وطريقة تفكيره تدفعني وغيري إلى القول بأنه لو بقي هذا الرجل وتمكن من تكوين فريق من المحيطين به فسوف يتحول الوضع المؤقت إلى وضع دائم، يتم فيه التحكم بالشعب عن بعد كما يحاول اليوم من خلال مقر القيادة (يسمونه الكيان) في العاصمة الإدارية، وفكرة هذا المقر هي فكرة الخلود الأبدي على طريقة الحكام الفراعنة قديما، فالكيان الجديد أو مقر القيادة هو الأنبوب الذي يجب أن يمر من خلاله كل قيادات الجولة في الوقت الراهن ومستقبلا من خلال اختبارهم قبل اختيارهم. فعلى سبيل المثال، لا بد أن يخضع السلك القضائي برمته وأن يمر من هذا الأنبوب ويخضع لاختبارات وضعها الجنرال (الثقة والتبعية الكاملة والمطلقة)، ومن يرغب عن ذلك فقد خسر نفسه ووظيفته ولن يصعد ولن يرتقي في السلم القيادي ويكون عمره (التقني أو السياسي) قصير جدا، هذا إضافة الى المعلمين ورجال الأزهر الذين يتوجب عليهم تعلم الدين -وهم من هم- من ضباط الجيش على قلة علمهم وقلة دينهم وقلة فقههم، فالجيش ليس مؤسسة دينية ولا جامعة علمية، ولكن الغرض من كل ذلك هو إخضاع الأزهر الشريف لقيادة المركزية الجديدة (تشبه القيادة المركزية للحزب الشيوعي في الإتحاد السوفيتي أو الصين مثلا).
إذا كان الجنرال يرى أن الجيش أو أنه هو شخصيا يجب أن يكون هو وليس الأزهر مرجعا للدين والفقه والعلم الشرعي، وأن الجيش سيقوم بالتدريس لعلماء الأزهر وشيوخه ويمنحهم درجة أعلى من الدكتوراة، فهل هذا أم مؤقت أم أنه تأسيس لعالم جديد يسعى الجنرال لتشكيله ولو احتاج إلى وقت أطول؟ فالمهمة ليست قاصرة عليه من وجهة نظره، بل ربما يكون قد أعد العدة لأبنائه أو حوارييه الذين اصطفاهم لتلك المهمة التي يراها مقدسة.
وقد تقول إن تفكيرا مجنونا مثل هذا هو بالتأكيد تفكير مؤقت وبالتالي لا خوف على مصر ولا شك في قدرتها على تجاوزه، وهذا أيضا صحيح نسبيا، إذ إن الزمن ليس في صالح الشعب أبدا خصوصا وأن ما أسميها بالقضية المصرية لم تعد على قمة الأجندة الإقليمية أو الدولية، وأن التعب والنصب والإجهاد قد نال من الشعب المصري الذي يعاني في كل شيء ومن كل شيء. وهنا لا أتحدث عن السياسة، بل عن المعيشة والحياة اليومية الكارثية للمواطن الذي يبلغ دخله الشهري حوالي 122 دولارا بينما تبلغ قيمة إيجار الشقة الصغيرة ضعف أو ضعفي هذا الرقم!
هذا الشعب يتم إفقاره وتهميشه والقضاء عليه وفق خطة محكمة لقتله أو التخلص منه أو إخضاعه حتى يبلغ اليأس منه مبلغا ويدرك أنه لا قِبَل له بهذه السلطة ولا حيلة ولا سبيلا، وخصوصا والإعلام الرسمي يزيّن له الأمور ويمنّ عليه أنه يعيش في بلد بلا خيام، وهذه نعمة كبرى يحلم بها غيره من الشعوب، وعلى الرغم من أن شعوب بعض الدول التي تحارب تعيش أفضل من الشعب المصري وتعاني أقل منه، إلا أن الإعلام والجنرال لهما رأي آخر للأسف استطاعا ترويجه وإقناع الشعب المصري به.
الخطوات التي يتخذها الجنرال السيسي ليست خطوات لبناء دولة حديثة ونقطة ومن أول السطر، بل بناء مملكته الخاصة التي تناسب نظرته للشعب الذي تجرأ وخرج عن الطوق وثار على الجنرالات في 25 كانون الثاني/ يناير
الخطورة في الوضع الراهن أنه يقوم بحفر أساسات عميقة لفكرة مجنونة تتمثل في حكم الطائفة وهي الجيش في الحالة المصرية، وهي تشبه حكم العلويين في سوريا والبعثيين في العراق وحكم الأسر المالكة في الخليج العربي، إذ يرى الجنرال أن الجيش أو قادته من الجنرالات الموالين للحاكم هم أولى الناس بالحكم والملك معا، وهو -أي الجنرال- يتصرف بهذه الطريقة الملكية الحاكمة (يحكم ويملك)، وقد أوضحنا غير مرة أن رده على ما سُرب من بناء وتشييد القصور الكبيرة ورده الصادم على الأمر باعترافه وببجاحة منقطعة النظير: "أيوه أنا هعمل وهابني، أمال إيه انتو فاكرين إنكم هتخوفوني لما تقولوا لي كده، لا دا أنا هبني وأعمل قصور مش عشاني، ده عشان مصر". فالجنرال لا يرى أي رادع أو مانع لما يقوم به، ولمّا سئل عن الشعب قال إنه أمر ببناء مجمعات سجون حتى يتمتع المعتقلون خلف أسوارها، وطالب بهدم السجون القديمة لأنها لا تليق بأن يسكن الحاكم في قصور مشيدة بينما الشعب يُعتقل في سجون قديمة. هذه هي المقاربة التي يراها الجنرال حين ينظر للشعب المصري.
الخطوات التي يتخذها الجنرال السيسي ليست خطوات لبناء دولة حديثة ونقطة ومن أول السطر، بل بناء مملكته الخاصة التي تناسب نظرته للشعب الذي تجرأ وخرج عن الطوق وثار على الجنرالات في 25 كانون الثاني/ يناير 2011، وبالتالي فالحل من وجهة نظره ليس تغيير السياسات لضمان عدم تمرد الشعب مرة أخرى، بل تأديب الشعب حتى يخضع على طول المدى، وكما قال اللواء العصار أحد أركان انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013 للدكتور عمرو دراج بعد الانقلاب مباشرة: "أنتم يا دكتور اللي عملتم انقلاب علينا وإحنا بنعيد الدولة لأصحابها".
نواصل البحث عن طريق الخروج في مقال قادم إن شاء الله.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.