تصويت الجزائر على الخطة الأمريكية لغزة يثير جدلاً داخلياً وسياسياً
تاريخ النشر: 19th, November 2025 GMT
ردت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية على الانتقادات التي وجهتها حركة مجتمع السلم إلى الموقف الجزائري في مجلس الأمن الدولي بشأن القضية الفلسطينية، مؤكدة أن الدولة الوطنية لا تسمح أبداً بأن تصبح قراراتها السيادية مطية للمساومات السياسية والحزبية.
وقالت الوكالة الرسمية إن الجزائر "استرجعت كامل قواها وأصبحت سيدة كل قراراتها، التي لا يمليها عليها سوى المصلحة الوطنية والصالح العام"، مضيفة أن "الدولة الوطنية القوية لا يمكن أن يُفرض عليها أهواء أي طرف كان".
وشدد البيان على أن السياسة الخارجية للجزائر محددة بالدستور الذي يمنح رئيس الجمهورية وحده صلاحية اتخاذ القرار السياسي الخارجي باسم الأمة، ويحدد الجهاز الدبلوماسي المسؤول عن تنفيذ هذه السياسة.
وأضاف البيان أن "أي محاولة لتسخير السياسة الخارجية في لعبة الحسابات الحزبية الضيقة تعتبر مسعىً يائسًا، وأن الدولة الوطنية لن تسمح بتحويل قرارها السيادي إلى أداة مساومات سياسية".
وجاء رد وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية بعد أن أعلنت حركة مجتمع السلم معارضتها لموقف الجزائر في التصويت على مشروع القرار الأمريكي في مجلس الأمن الدولي المتعلق بإدارة الوضع في قطاع غزة.
وأكدت الحركة أن التصويت "لا ينطبق مع ثوابت السياسة الجزائرية التاريخية في دعم القضية الفلسطينية والمقاومة ضد الاحتلال"، وأنه "لا يعكس نبض غالبية الشعب الجزائري، المتمسك بدعم فلسطين ورفض التطبيع مع الاحتلال الصهيوني".
وشددت الحركة على أن أي حل حقيقي لتحقيق السلام يجب أن يبدأ بـ "إنهاء الاحتلال ووقف الجرائم الصهيونية وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه كاملة بما في ذلك حقه في المقاومة وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف"، محذرة من "فرض وصاية دولية منحازة على الشعب الفلسطيني".
ودعت الحركة الدبلوماسية الجزائرية إلى "التركيز على آليات الدعم الفعلي المنسجمة مع مبادئ الدولة الجزائرية المستمدة من الثورة، لاستعادة الثقة الشعبية والعربية في موقف الجزائر كصوت حر ومدافع عن قضايا الأمة العادلة، وفي مقدمتها فلسطين".
يذكر أن الجزائر حافظت تاريخياً على موقف داعم للقضية الفلسطينية، معتبرة أن الدعم السياسي والإنساني للشعب الفلسطيني جزءًا أساسيًا من سياستها الخارجية المستقلة، في حين تعكس هذه الخلافات الأخيرة صراعًا داخليًا حول تفسير السياسة الخارجية ومواقفها الرمزية تجاه القضايا الإقليمية والدولية.
ودعت الجزائر إلى الالتزام بقرار مجلس الأمن الذي تم اعتماده أمس الاثنين بشأن قطاع غزة، بما في ذلك ملحقه، وطالبت بإرادة دولية "حاسمة وصادقة".
جاء ذلك في كلمة مندوب الجزائر لدى الأمم المتحدة عمار بن جامع بمجلس الأمن، عقب اعتماده قرار الإذن لقوات دولية مؤقتة في غزة تستمر حتى نهاية 2027.
ولم يتطرق المندوب الجزائري لتفاصيل الملحق، إلا أن الأمم المتحدة أكدت أنه يتضمن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكونة من 20 بندا.
وقال إن بلاده قررت "دعم القرار الذي يهدف إلى وقف إطلاق النار، وتهيئة الظروف التي تُمكن الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير وإقامة الدولة".
وأكد أن "السلام الحقيقي في الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقه بدون العدالة للشعب الفلسطيني الذي انتظر عقودا من أجل إقامة دولته المستقلة".
مندوب الجزائر اعتبر القرار "جزءا إضافيا من الإطار العام الذي يشكل عقيدة الأمم المتحدة لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لذلك يجب قراءة هذا القرار بكامله، فملحقه جزء لا يتجزأ منه، وعلى جميع الأطراف الالتزام به".
وأعرب عن أمله "في أن يفتح تنفيذ خطة السلام أفقا حقيقيا للشعب الفلسطيني نحو تقرير المصير وإقامة الدولة".
وأضاف أن المطلوب الآن هو "إرادة جماعية وصادقة وحاسمة من المجتمع الدولي" لتنفيذ الخطة.
ومساء الاثنين، اعتمد مجلس الأمن الدولي، بالأغلبية المشروع الأمريكي بشأن إنهاء الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، والذي يأذن بإنشاء قوة دولية مؤقتة بالقطاع حتى نهاية 2027.
وفي جلسة عامة، صوت 13 عضوا بالمجلس لصالح المشروع، بينما امتنعت روسيا والصين عن التصويت، قبل أن يعتمد القرار المقدم من الولايات المتحدة والذي يأذن بإنشاء "قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة".
ورحب القرار الذي يحمل رقم 2803، بخطة الرئيس الأمريكي المكونة من 20 بندا لإنهاء الحرب الإسرائيلية في غزة، والصادرة في 29 سبتمبر/ أيلول 2025.
وطرحت واشنطن مشروع القرار بهدف استكمال خطوات اتفاق وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحركة "حماس" يسري منذ 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لكن إسرائيل خرقته مرارا ما أوقع قتلى وجرحى في صفوف المدنيين الفلسطينيين.
وأوقف الاتفاق إبادة جماعية بدأتها إسرائيل في 8 أكتوبر 2023 بغزة بدعم أمريكي، واستمرت لعامين، مخلفة أكثر من 69 ألف شهيد فلسطيني، وما يزيد عن 170 ألف جريح، ودمارا هائلا طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية الجزائرية الفلسطينية التصويت خطة امريكا فلسطين الجزائر تصويت خطة المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة مجلس الأمن قطاع غزة
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.