الميكروبات المقاومة للعلاجات (1)
تاريخ النشر: 25th, November 2025 GMT
منذ تم اكتشاف الأدوية المضادة للميكروبات، تحسنت صحة الكائنات الحية كثيرًا مقارنة بالفترة السابقة على هذه الاكتشافات، وتعتبر الأدوية المضادة للميكروبات من أهم نعم الله على الناس، فهى العامل الرئيس الذي أدى إلى انخفاض نسبة الوفيات بين البشر، بعد أن كان معظم سكان البسيطة مهددين بالموت بأعداد كبيرة بمجرد إنتشار الإصابة بالبكتيريا أو بالفيروسات، ولا زالت الذاكرة تحتفظ بأمثلة واضحة على تلك الأوبئة، ولعل أكثرنا يذكر أيام الكورونا، وقدر الدمار الذي أحدثته في حياتنا.
لكن مشكلة حديثة تواجه البشر على اتساع محيط الكرة الأرضية، وهى ظهور سلالات جديدة من الميكروبات ذات مناعة ضد الكثير من الأدوية؛ مثل مضادات الحيوية، ومضادات الفيروسات، ومضادات الفطريات، وكذلك مضادات الطفيليات. وقد قدرت منظمة الصحة العالمية في تقرير لها صدر قبل عامين أن مقاومة الأدوية المضادة للميكروبات مسئولة بشكل مباشر عن عدد لا يقل عن مليون وربع من الوفيات عبر العالم عام 2019، كما كانت إحدى مسببات الوفاة لما يقارب خمسة ملايين من البشر خلال نفس العام. وذكر التقرير أن الإفراط في استخدام الأدوية المضادة للميكروبات، وإساءة استخدامها لعلاج الإنسان والحيوان والنبات؛ هما السببان الرئيسان لنشوء هذه المشكلة. وقد وصلت هذه الظاهرة لكافة أرجاء العالم، لكن ٱثارها الأسوأ تزيد في الأقطار الفقيرة، وحيث تسود ظاهرة التمييز بين طبقات البشر في المجتمعات، التى ينخفض فيها دخل الفرد.
تفاقم هذه الظاهرة سيؤدي إلى خسارة جسيمة لما اكتسبه البشر من مزايا الطب الحديث، ففضلًا عن أنها تجعل الأمراض الإنتانية صعبة العلاج؛ فإنها تؤدي إلى زيادة مخاطر الممارسات الطبية غير الدوائية؛ كالجراحة والعمليات القيصرية والعلاج الكيميائي للسرطان. وللأسف فإن هذا الخطر الذي يواجه البشر لا يقابله أبحاث وإجراءات مبشرة بإنتاج أدوية مضادة أخرى، تعمل على هذه الأنواع من الميكروبات المقاومة، وليس في الأفق القريب إجراءات عادلة لإيصال التطعيمات و الوسائل العلاجية والتشخيصية للمجتمعات المحرومة منها.
ولهذه الظاهرة أيضًا أعباؤها الاقتصادية كذلك، يقدر البنك الدولى أن ظاهرة مقاومة الأدوية المضادة للميكروبات ستفرض مزيدًا من الإنفاق على الخدمات الصحية ستصل إلى واحد تريليون دولار بحدود عام 2050م ، كما أن الخسارة في الناتج المحلي الإجمالي ستصل إلى ما بين 1-3.4 تريليون دولار بحلول عام 2030م. (يتبع)
SalehElshehry@
المصدر
المصدر: صحيفة البلاد
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود