فرص تمويل إعادة الإعمار في السودان: نحو نموذج إنتاجي رقمي يقوده الريف
تاريخ النشر: 25th, November 2025 GMT
فرص تمويل إعادة الإعمار في السودان: نحو نموذج إنتاجي رقمي يقوده الريف
بقلم: عمر سيد أحمد – [email protected]
خبير مصرفي ومالي وتمويل مستقل
مقدمة
يدخل السودان مرحلة تاريخية معقّدة بعد الحرب التي تسببت في انهيار اقتصادي واسع شمل تدمير البنية التحتية، شلل سلاسل الإنتاج، وانكماش الناتج المحلي بما يفوق 40%.
تُظهر التجارب الدولية — كينيا (M-Pesa)، إثيوبيا (Telebirr)، رواندا، الهند، والبرازيل — أن الاقتصادات الهشّة قادرة على تحقيق قفزة إنتاجية كبيرة حين تتوفر منصات دفع رقمية بسيطة ومنتشرة، ونماذج تمويل مرتبطة بالإنتاج لا بالضمانات التقليدية.
المقال يقدم إطارًا تمويليًا جديدًا لإعمار السودان يقوم على:
منصات USSD كقناة وطنية للتمويل دون الحاجة إلى إنترنت. محفظة رقمية للإعمار تربط المستثمرين والمغتربين بالمنتجين في الحقول. صناديق استثمار زراعي تشغّل رأس المال المحلي والإقليمي وتضمن السداد عبر الإنتاج. تعاونيات قوية كقنوات للتنفيذ، التمويل، والمساءلة. ربط التحويلات الخارجية بمشروعات إنتاجية بدلًا من الاستهلاك.
وفي ظل انكماش دور الدولة وتعطل الجهاز المصرفي، يقدم المقال رؤية واضحة لبناء اقتصاد إنتاجي رقمي يقود الإعمار من الريف لا من المركز.
لماذا يبدأ الإعمار من الحقول
أدّت الحرب إلى انهيار القدرة الإنتاجية للسودان، وتراجع التمويل، وتدمير البنية الأساسية، فيما بقي القطاع الزراعي — الأوسع انتشارًا والأقدر على توليد النقد الأجنبي — هو النقطة الأكثر قابلية للنهضة السريعة.
إلا أن هذا الهدف يصطدم بواقع مصرفي مأزوم:
رأس مال متآكل. انتشار جغرافي محدود. بنية تكنولوجية مفككة. عجز عن تمويل المخاطر الزراعية.لذلك يصبح البحث عن مسار تمويلي بديل ضرورة وطنية، وليس خيارًا تقنيًا. مسار يعتمد على القطاع الخاص، الرقمنة، التعاونيات، والشمول المالي القائم على الهاتف.
أزمة التمويل بعد الحرب: جهاز مصرفي خارج الخدمة
تظهر البيانات أن المصارف السودانية فقدت قدرتها على:
الوصول إلى الريف. تقديم خدمات مالية مستدامة. تمويل الإنتاج الزراعي والصناعي.وبذلك تتسع الفجوة التمويلية وتتعطل سلاسل القيمة، فيما يزداد اعتماد الناس على النقد الورقي ووسائل الدفع التقليدية ذات المخاطر العالية.
التجربة الدولية تثبت أنه حين تنهار المصارف، يمكن لاقتصاد رقمي بسيط ومنخفض التكلفة أن يعيد دورة الإنتاج، خصوصًا في البيئات الزراعية — وهو ما اعتمدته كينيا، رواندا، وإثيوبيا بنجاح كبير.
التمويل الإنتاجي: رهان السودان المباشر على سلاسل القيمة
يمثل تمويل سلاسل القيمة الزراعية أحد أقوى النماذج الممكن تطبيقها في السودان. يقوم النموذج على:
تمويل المدخلات الزراعية عبر عقود شراء مسبقة. خصم التمويل مباشرة عند بيع المحصول. تمويل محاصيل استراتيجية مثل القطن، السمسم، الصمغ العربي، الفول السوداني، الذرة، واللحوم. ربط المزارع بشركة التصدير أو المصنع عبر محفظة رقمية.ميزة هذا النموذج أنه يعتمد على الإنتاج نفسه كضمانة، لا على شهادات بحث أو ضمانات عقارية يصعب توفيرها.
صناديق استثمار زراعي: دور العاملين بالخارج والقطاع الخاص
يقترح المقال إنشاء صناديق استثمارية متخصصة تعمل بأسلوب الشراكة الثلاثية بين:
المستثمر (مغترب/محلي/إقليمي). التعاونيات الزراعية. شركة تكنولوجيا تدير المنصّات الرقمية.هذه الصناديق تموّل:
المدخلات الزراعية. التصنيع الزراعي (زيوت، طحن، أعلاف، تبريد). سلاسل القيمة التصديرية.يضمن النموذج شفافية البيانات وضبط السداد عبر الربط الرقمي الكامل بين المدخلات والمخرجات.
التعاونيات الزراعية: المؤسسة التي يجب أن تعود
التعاونيات ليست مجرد تنظيم اجتماعي؛ بل:
قناة للتمويل الإنتاجي. أداة للتسويق الجماعي. منصة رقمية لإدارة المحافظ. قوة تفاوضية تخفض تكاليف المدخلات بنسبة كبيرة.بلدان مثل رواندا والمغرب رفعت الإنتاج الزراعي عبر التعاونيات أكثر مما فعلت عبر القطاع المصرفي.
الحلول الرقمية وإعادة هندسة النظام المالي عبر USSD
لماذا USSD؟
USSD هو اختصار لـ Unstructured Supplementary Service Data ويعني “خدمة البيانات التكميلية غير المنظمة”. وهي تقنية تُستخدم في شبكات الهواتف المحمولة، وتتيح للمستخدمين التواصل والاستفادة من خدمات معينة عبر كتابة أكواد قصيرة تبدأ غالباً بـ **#** وتنتهي بـ **#** أو **\***، مثل:
`*100#` أو `#123#`
استخدامات USSD
– معرفة الرصيد
– شراء باقات الإنترنت
– شحن الرصيد
– الاطلاع على العروض
– خدمات تحويل الأموال (مثل M-PESA أو محفظة فودافون كاش)
طريقة عمل USSD
يكتب المستخدم الكود على هاتفه. يضغط زر الاتصال. يتواصل الهاتف مباشرة مع نظام الشركة المزودة للخدمة. تظهر للمستخدم قائمة أو رسالة تفاعلية على الفور.مميزات USSD
– لا يحتاج إلى إنترنت.
– يعمل على جميع أنواع الهواتف، حتى القديمة جداً.
– يستجيب بسرعة.
– آمن نسبياً لأنه لا يُخزّن البيانات على الجهاز.
USSD هو العمود الفقري لأي شمول مالي واسع في بيئة مثل السودان:
يعمل دون إنترنت. يعمل على كل الهواتف البسيطة. يغطي أكثر من 90% من السكان. تكلفته منخفضة للمستخدم والجهات المشغلة.هذا ما جعل M-Pesa في كينيا وTelebirr في إثيوبيا تنجحان كمنصات وطنية تتجاوز البنوك.
“محفظة إعمار”: منصة وطنية تقود التحول الإنتاجي
يقترح المقال إنشاء منصة وطنية تحت اسم:
محفظة إعمار
Reconstruction Wallet Digital
وتقوم على:
واجهة USSD موحدة في جميع الولايات. شبكة وكلاء في الأسواق والقرى. ربط شركات التصدير بالمزارعين مباشرة. تمويل أصغر متصل بسلاسل القيمة. نظام تقييم ائتماني بديل يعتمد على السلوك المالي والبيانات الزراعية.هذه المنصة تجعل التمويل والإنتاج والتسويق جزءًا من بنية رقمية واحدة قابلة للتوسع.
8. الدروس الدولية: ماذا يمكن للسودان أن يستفيد؟كينيا – M-Pesa
رفع الشمول المالي من 27% إلى 83%. 96% من الأسر الريفية تعتمد عليه. 194 ألف أسرة خرجت من الفقر. تمويلات تجاوزت 5 مليارات دولار عبر خدمات رقمية.إثيوبيا – Telebirr
أكثر من 40 مليون مستخدم خلال 3 سنوات. منصة حكومية للمدفوعات الزراعية. رفع الشمول المالي من 35% إلى 57%.رواندا – الرقمنة والتمويل التعاوني
دمج المزارعين في الاقتصاد عبر محافظ رقمية حكومية.الهند – الائتمان الزراعي الموجّه
إلزام البنوك بتخصيص 18% من محافظها للزراعة.البرازيل – PRONAF
تمويل مدعوم رفع إنتاج صغار المزارعين وأعاد ملايين الأسر لدورة الإنتاج.فيتنام – الاندماج بين الإنتاج والمصانع
عقود شراء مسبقة تربط التمويل بالتصنيع. خارطة طريق لإعادة الإعمار الإنتاجي الرقمي في السودان1) بنية رقمية وطنية – USSD ومحفظة إعمار
تأسيس منصة موحدة للدفع، التمويل، والإحصاء الإنتاجي.
2) صناديق استثمار إنتاجي للمغتربين
توجّه موارد خارجية ضخمة إلى مشروعات ذات عائد مباشر.
3) تعاونيات منتجة وليست شكلية
تعيد النظام الزراعي إلى توازنه وتخفض كلفة الإنتاج.
4) ربط التحويلات الخارجية بالإنتاج
حوالي 6 مليار دولار سنويًا من تحويلات السودانيين يمكن أن تصبح محرّكًا للزراعة والصناعات الريفية.
5) بناء نظام تقييم ائتماني بديل
يستند إلى البيانات بدل الضمانات الورقية.
خاتمة: نحو اقتصاد إنتاجي رقمي يقود التعافييمتلك السودان فرصة نادرة لإعادة بناء اقتصاده من الأساس عبر الزراعة الرقمية:
ليس عبر إعادة بناء البنوك قبل الحقول، بل عبر إعادة بناء الحقول عبر رقمنة التمويل.الإعمار الحقيقي ليس طرقًا وجسورًا فقط؛ بل اقتصاد إنتاجي ينهض من الريف ويخلق دورة عمل جديدة تقودها:
سلاسل القيمة، المحافظ الرقمية، التعاونيات، القطاع الخاص والمغتربون.بهذا المسار يصبح السودان قادرًا على الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الإنتاج، ومن الفوضى النقدية إلى الشمول المالي الرقمي، ومن الاستهلاك إلى التصدير
الوسومإعادة الإعمار في السودان تدمير البنى التحتية عمر سيد أحمد فرص تمويل نحو نموذج إنتاجي رقمي يقوده الريف
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: إعادة الإعمار في السودان تدمير البنى التحتية عمر سيد أحمد فرص تمويل
إقرأ أيضاً:
لوحات رقميَّة بثلاث رسائل
آخر تحديث: 27 نونبر 2025 - 11:25 صأسماء محمد مصطفى عشرون لوحة ترافقها عشرون عبارة، تبوح بأنّ المعرفة ضوء، والضوء محبة، والمحبة سلام. ضمَّها المعرض الرقمي الأول لمبادرة حملة ثقافة المحبة والسلام، التي أُطلقت بالتعاون بين دار الكتب والوثائق العراقية ومجلة سماء الأمير الإلكترونية الرقمية، بهدف نشر قيم المحبة على مستويين: المستوى الداخلي للإنسان، والخارجي المتمثل بالمجتمع والوطن، عبر إشاعة وتعزيز ثقافة المحبة والتعايش واحترام التنوع الثقافي، ومكافحة خطاب الكراهية. يقوم المعرض، الذي عنونتهُ (ثقافة المحبة والسلام تبدأ من كتاب)، على لوحات رقمية اشتغلتها بأكثر من أداة للذكاء الاصطناعي وبرنامج التصميم (الفوتوشوب)، وتحمل ثلاث رسائل ثقافية وأخلاقية وإنسانية ووطنية أساسية: الأولى تركز على دور الكتاب في نشر المحبة والسلام وتأكيد الوحدة الوطنية، والثانية تفيد بأن التكنولوجيا حين تُسخَّر وتوجَه بروح المحبة تصبح أداة لنشر الجمال والوعي، أما الثالثة فتدعو إلى التشجيع على قراءة الكتب. وعبر تفاصيلها وأسلوبها الواقعي الرومانسي، وألوانها الدافئة التي تحاكي تقنيات الزيت والأكريليك، تحكي اللوحات أن الأمل يولد من بين صفحات الكتب التي تروي البلاد من نبعها، فالكتاب مرآة تجمع الناس على المحبة والإخاء، حيث تتشابك أيدي العرب والكرد والتركمان والإيزيديين والشبك والصابئة حول نهر الحياة الذي يرويهم سلاماً وطمأنينة. استطاع الذكاء الاصطناعي أن يحوِّل ما في مخيلتي إلى لوحات ترى بغداد مدينةً مبنيّة من صفحات الكتب والمعرفة، يتدفق فيها نهر المحبة والسلام، وتجتمع أطياف أهلها على الجسور بين الرصافة والكرخ تحت راية العراق الموحَّدة. كما ترى اللوحات البيت العراقي الأصيل مبنياً على تلك الصفحات الثرية، لتصبح المعرفة سقفه وجدرانه، فالكتاب هنا أساس البيت العراقي إذا أردناه بيتاً آمناً مزدهراً خلاقاً. وفي البيت ثمة أم ليست أماً فقط، بل أول مدرسة للمحبة والسلام في الأسرة، تغرس بذور الجمال والإنسانية والتفاهم في نفوس أطفالها، وهم بدورهم يرسمون ما يتعلمونه في مخطوطة كتاب، ليكون أول لوحة فنية لأحلامهم يهدونها للمستقبل.ومن البيت إلى المدرسة، يغرس الكتاب القيم النبيلة في قلوب الأطفال ويعلمهم لغة التسامح، ولهذا توصي إحدى اللوحات بجعل القراءة عادة يومية لهم.وفي المكتبة، كما في البيت، تجتمع الأجيال حول الكتاب وتتواصل لتعميق المحبة والسلام بينها. وخارج البيت، تتعدد سكك الحياة، لكن هناك سكة للمحبة يسافر عليها قطار المعرفة غير عابئ بالتحديات، يحمل الكتب وأجيالاً متنوعة نحو مستقبل مشرق، حيث نرى الكتاب بوابة ذهبية تحوِّل الصحراء إلى واحة، وتربة خصبة تنبت منها شجرة الحياة، ودواءً للروح، تتصاعد منه أنوار تشفي جروح القلب، مثلما تغذي العقل.كل ذلك تبوح به لوحات معرض الكتاب الناطق بالحب، وتختتم حديثها اللوني بدعوتنا إلى لحظة تأمل مع الكتاب عند الغروب، حتى نرى المعرفة تتحول إلى ضوء يضيء القلب، فينبعث منه السلام الداخلي، فالمحبة تنبع أولاً من داخل الإنسان، ثم تتسع لتغمر وتضيء من حوله: أسرةً، مجتمعاً، وطناً، عالماً.. حيث لا مكان للكراهية.. لا مكان للقسوة.