موقع النيلين:
2025-11-30@04:40:49 GMT

أمريكا: ما بين السودان ونيجيريا

تاريخ النشر: 25th, November 2025 GMT

أمريكا: ما بين السودان ونيجيريا
عبد الله علي إبراهيم
ملخص
نزاع دارفور يسم منطقة الساحل الصحراوي الرعوي الركيك المعرض لنازلات الجفاف الذي يطمع في خيرات أرض السافنا متى أدركه الكرب.
لو لم نحمل المواجهة المنتظرة بين أميركا ونيجيريا محملها الديني كمسلمين ضد مسيحيين الذي اتفق للأميركيين لكان الرئيس دونالد ترمب قد أمسك بجذر أزمة السودان التي قال إنه سيوليها عناية مباشرة خصوصاً بعد تزكية ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، له بذلك.

فعظمة الصراع في نيجيريا كما في السودان هي المنافسة على الموارد بين المزارعين والرعاة في منطقة الساحل الأفريقي. وهو النزاع الذي أيقظ فتن العرق والدين. فإن أثارت المنافسة بين البادية والمزارعين الهوية الدينية في نيجيريا فجعلت الصراع فيها صليبية فإنها أثارت في السودان الهوية العرقية فصار منتنة بين عرب وأفارقة.
ونعرض لمنشأ حرب دارفور الشقية الطويلة لتقريب فكرة أن الذي وراء الصراعات الدامية في الساحل هو نزاع إيكولوجي بيئي بين البادية والمزارعين. وهو نزاع يسم منطقة الساحل الصحراوي الرعوي الركيك المعرض لنازلات الجفاف، الذي يطمع في خيرات أرض السافنا متى أدركه الكرب. وأحاط به أهل دارفور من فرط قدمه ومساسه الكبير بحياتهم بوصفه نزاعاً بين “الجرون” (موضع دراس الحبوب بالمزرعة) و”القرون” (كناية عن البادية بحيوانها). وقالوا إنه مما يفضي إلى الصدام لا محالة. ونعرض لمنشأ حرب دارفور الشقية الطويلة لتقريب فكرة أن الذي وراء الصراعات الدامية في الساحل هو نزاع إيكولوجي بيئي بين البادية والمزارعين.
تمثلت الصحراء، القرون في بادية العرب وزرقة (أفارقة) الزغاوة بشمال دارفور بينما تمثلت الواحة، الزراع إلى جنوبهم في دار شعب الفور والمساليت، وهم معدودون في الزرقة. وقد وصف الدكتور شريف حرير شعب الفور بأنه مصاب بـ”لعنة الموقع الاستراتيجي”. فهم أهل الواحة وهي المنطقة الوسطى المستقرة إيكولوجيا في الولاية من فوق وحول جبل مرة وتتميز بخصوبة الأرض وتوفر الأمطار والمياه السطحية والجوفية. وهي بذلك الواحة التي تقصدها بادية الأبالة الشمالية القاحلة في مراحيل الصيف من مايو (أيار) إلى يونيو (حزيران) وتتركها في مراحيل الخريف من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول). وتقصدها جماعة الزغاوة الأفريقية من شمال دارفور في السنين العجاف في مرحال موسمي اسمه “جول بري”. وقال شريف لو إن الزغاوة لم تدبر حالها بغير حاجة إلى مواجهة المزارعين كما فعل الرعاة العرب لاحقاً لكانوا جنجويداً زرقة لا عرباً.
كانت حكمت وفود البادية العربية والزغاوة إلى دار الفور، أعراف مرعية ومنافع متبادلة القيم عليها شيوخ العرب والزغاوة وعمد الفور. فبمقتضى تلك الأعراف يطلق الرعاة نعمهم في ما تبقى من القش بعد حصاد المزارعين الفور لزرعهم حذرين ألا تتطفل حيواناتهم على أشجار المزارعين الثمرية.
كما يشهد نزوح الرعاة ذلك تجارة رابحة بينهم وبين المزارعين من الفور وغيرهم. ووصف كاتب رحلات البداة قديماً إلى واحات المزارعين فقال إن ما بين الجماعتين كان مثالياً في حسن الوفود والنزول أهلاً. فالبادية تجند ناظرها وأهله والخفراء والمناديب والأدلاء والشيوخ والعمد لمتابعة مرحال البادية بين المزارعين حتى لا تعبر الأنعام “الكلنكاب”، وهو الحد بين المرحال (القرون) والزرع (الجرون). وكان البدو والزراع يتبادلون السلع: فقد تدفع بهيمة مقابل سكر وشاي، أو لبن الروب (اللبن) مقابل فقوس ودقيق. وتسمد البهائم أرض الحقول بروثها. وللبداة حلفاء بين الزراع يأتون لهم بالهدايا ويأنسون بهم وبإكرامهم.
أما اللعنة على الفور فنزلت حقاً بعد تفاقم الجفاف على أبالة شمال دارفور ومزارعيها بعد عام 1985 كأثر من الجفاف الذي ضرب الساحل في السبعينيات. فلم يعد شمال دارفور صالحاً للسكنى والعيش في أي من مواسمه بعد تلك السنة. لقد أضحى إقليماً طارداً يريد أهله استبداله بوطن جديد. واصطدم هؤلاء الباحثون في بحثهم عن وطن جديد بأعراف تملك الأرض بين المزارعين الذين لم يريدوا لهم السكن الدائم بينهم بدل مجرد المرور بهم في رحلة موسمية كما كان الأمر قديماً. وفاقم أمران من أزمة البادية العربية في شمال كردفان.
أما الأمر الأول فإنه لما احتاج الرعاة العرب للحكومة لم يجدوها. فكانوا تقدموا باسم “التجمع العربي” بمذكرة إلى السيد الصادق المهدي، رئيس الوزراء، عام 1987. وفيها طالبوا بتمثيل في السلطة بدارفور والمركز تمثيلاً يتناسب وحجمهم عدداً وثروة في الوطن. فدارفور هي الولاية التي ساد فيها الزرقة على العرب على مر التاريخ القديم والمعاصر. وقد منعت العرب بداوتهم الموغلة من انتهاز فرص التعليم والترقي في مدارج الدولة في حين حاز ذلك زرقة القرى. وقد نال الزرقة على عهد السيد الصادق وحزب الأمة جملة مواقع في السلطة بالإقليم مما نبه العرب إلى المطالبة بالتمثيل العادل من حزبهم الحاكم. ولم تستجب لهم الحكومة. وجاءتهم دولة الإنقاذ وهم في مأزقهم الوجودي فجندتهم في منظومتها الأمنية لمحاربة “تمرد” الحركات المسلحة، التي غلب فيها الزرقة، عليها.
ولم تنصرف الحكومة وحدها عن محنة الرعاة العرب. فانتبذهم حتى المعارضين خلال فترة الإنقاذ. فرجعوا لمذكرتهم تلك وأفرغوها من مظلوميتها. وعدها سليمان حامد، القائد الشيوعي المخضرم، مكراً مخططاً لنزع العرب أرض الزرقة بعدما وجدوا سانحتهم في دولة الإنقاذ التي خدموها كمخلب قط. وكانت تلك أضغاثاً معارضة للإنقاذ لا نظراً نافذاً لمسألة ستكون لها عواقبها الوخيمة على السودان.
والأمر الثاني هو أنه ترافق مع محنة البادية التي رأيناها تحول المزارع من اقتصاده المعاشي إلى اقتصاد السوق بعد نجاح محصوله من الفاكهة في أسواق الخرطوم والخليج. وعليه بنى سياجاً حول مزرعته التي كانت مفتوحة تطلق فيها البادية سعيتها في رحلتها جنوباً في صيف جفافها. وسميت هذه السياجات “بزرائب الهواء” أحسن وصفها الدكتور حرير في مقالة “حزام العرب وحزام البقارة: الصراع الإثني السياسي في دارفور والعوامل الثقافية في المنطقة” (عام 1994) من جهة توضيح منشأها في نمو الرأسمالية في ريف دارفور. وهي الزرائب التي عمقت في الثمانينيات من القرن الـ20 من الأزمة الإيكولوجية لبادية دارفور الشمالية والزغاوة بحرمانهم من مراع تقليدية كانت لهم بالتراضي في واحة الفور في ما سبق. وأغرى المزارع انفتاحه على السوق أن صار يربي هو نفسه الحيوان في زريبته بما لم يحتاج به للرعاة.
وخرجت البادية صفر اليدين من كل ذلك “تدبر حالها” مخذولة من الطبيعة والدولة. فهي كما رأينا ضحية الحكومة الحديثة (ومعارضتها) قبل أن تكون ضحية الطبيعة. فلم تر مثل هذه الحكومة في محنة البادية ما رآه أهلها لأنها انطوت على حزازة حيال حياة البداة أنفسهم. فصارت البادية بإزاء محاقين وجوديين: الطبيعة التي نقضت أسلوب حياتهم المترحل نقضاً وبيلاً والدولة التي اشمأزت منهجياً من أسلوب حياتهم أيضاً. ولذا كان حس البادية بالتغريب والاضطهاد.
ولا يرد المرء الصراع المضرج في نيجيريا إلى جذره في المنافسة حول الموارد للتهوين من لأواء الدين، أو العرق، فيه. فمع أن الدين مما استردفه صراع الموارد إلا أنه ما دخل طرفاً فيه حتى أضرم ناره فيه باستقلال. ومع ذلك ما وقعت الفتنة بين المسلمين والمسيحيين في نيجيريا إلا وجدت فيها صدي قوياً لما وقع بين الجنجويد من جهة والمساليت والفور من جهة أخرى وكلاهما على ملة الإسلام مع اختلاف العرق. فاجتاحت جحافل مسلحة من الرعاة الفولاني ريف ولاية بنيو في 8 نوفمبر وارتكبت مذبحة يلويتا التي راح ضحيتها 200 قتيل. وكما رأينا في دارفور كان الفلاني من اليأس وانسداد أفق الفرج أمامهم والبأس قرروا به طرد المزارعين من أرض أجدادهم، فاحتلوا الدور والحقول ونصبوا خيامهم فيها. ولم يمنع الدين جنجويد السودان الرعاة من ارتكاب نفس الانتهاكات بحق إخوانهم في الله المساليت والفور.
لا أعرف دولة مثل أميركا في حاجة إلى رد نزاع نيجيريا وحده، بل كل نزاعات الساحل إلى أصلها في صدام المزارعين والرعاة. وهو الصدام الذي كانت انقلابات مالي والنيجر وبوركينا فاسو بعض ثماره المريرة. فأميركا في يومنا مغلولة اليد في مالي بين حكومة انقلابية لا تأذن لها شرائعها بالتعامل معها، وحركة مثل “نصرة الإسلام والمسلمين” معدودة عندها إرهابية. وهي في مأزقها هذا تتواتر الأنباء عن إحكام جماعة “النصرة”، التي قوامها رعاة الطوارق وعرب شمال مالي، الحصار على الطرق المؤدية إلى باماكو العاصمة حتى جف ضرع البترول في محطات التوزيع وتراصت الصفوف. بل سبق لـ”النصرة” الهجوم على مواقع حصينة للجيش والمطار في المدينة نفسها في سبتمبر عام 2024 مما دل على جراءتها وطول يدها. في حين استنفدت دولة مالي كل حيلها في تأمين حكومتها بما في ذلك الانقلاب، والتحول من حليف دولي إلى الآخر طمعاً في أن يدرأ معها المتطرفين. فاعتزلت فرنسا والولايات المتحدة وتعاقدت مع الكتيبة الأفريقية الروسية وريثة “فاغنر” وما أغنتها شيئاً كما رأينا.
ولن ينفك غل يد أميركا إلا بتعطيل حكم الإرهاب على مثل “النصرة” الذي حجب عنها أن وراء مثلها وغيرها مظالم رأينا أنها لقوم واجهوا عدماً وجودياً تفيأوا من حروره بثقافتهم، أي دينهم، لمقاومته ولشحذ العزائم لإزالته. فالمظالم لا العقائد المتطرفة هي التي من وراء حركات مثل “النصرة”. ومتى تصالحت واشنطن مع حقيقة المظالم التي تعرض بها مثل “النصرة” جاءت بها شخصية اعتبارية على طاولة المفاوضات لا طريداً في الآفاق لبناء الأمة الدولة في مالي على السوية. وهكذا تسترد أميركا دعوتها للديمقراطية التي يقال إنها تركتها من ورائها.

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

بعد مماتك اجعل لك أثر في مكة           سقيا المعتمرين في أطهر بقاع الأرض            ورّث مصحفا من جوار الكعبة المشرفة

2025/11/25 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة ثم ماذا بعد خطاب البرهان ؟؟2025/11/25 الدعم السريع يعلن هدنة من طرف واحد. وينتظر هو وداعميه (وبعض الحمقى) (..)2025/11/25 لا توجد جهة غير مليشيا الجنجويد تستهدف المواطنين2025/11/25 أمجد فريد الطيب: ‏فعلا تباً للحرابة ومن أشعلها2025/11/25 الدعم السريع يخرج جكوك الخلا والمدن2025/11/25 مصطلح السردية2025/11/25شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات الأخوان المسلمين: ليست فوبيا وانما مخطط. 2025/11/25

الحقوق محفوظة النيلين 2025بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: بین المزارعین شمال دارفور فی نیجیریا

إقرأ أيضاً:

كأس العرب 2025.. اكتمال عقد المنتخبات وصدور التوزيع النهائي للمجموعات

الجديد برس| رياضة| اكتمل رسميًا عدد المنتخبات المتأهلة إلى مرحلة المجموعات في بطولة كأس العرب لكرة القدم 2025 بعد انتهاء مباريات الدور التمهيدي التي جرت يومي الثلاثاء والأربعاء، لتكتمل قائمة الـ16 منتخبًا الذين سيتنافسون على اللقب في قطر. المنتخبات المتأهلة عبر التصفيات بعد منافسة قوية في الدور التمهيدي، حجزت سبعة منتخبات بطاقاتها الأخيرة إلى النهائيات:  الكويت: فازت على موريتانيا 2–0  فلسطين: تأهلت بركلات الترجيح (4–3) بعد تعادل سلبي مع ليبيا  سوريا: تغلبت على جنوب السودان 2–0  البحرين: انتصرت على جيبوتي 1–0  عُمان: تأهلت بركلات الترجيح (4–1) أمام الصومال  جزر القمر: فازت على اليمن بركلات الترجيح 4–2  السودان: حقق فوزًا صعبًا على لبنان 2–1 هذه المنتخبات انضمت إلى تسعة منتخبات كانت قد تأهلت مباشرة وفق تصنيف “فيفا”: قطر، تونس، المغرب، السعودية، مصر، الأردن، الإمارات، الجزائر، العراق. المجموعات النهائية لبطولة كأس العرب 2025 المجموعة الأولى: قطر – تونس – سوريا – فلسطين المجموعة الثانية: المغرب – السعودية – عُمان – جزر القمر المجموعة الثالثة: مصر – الأردن – الإمارات – الكويت المجموعة الرابعة: الجزائر – العراق – البحرين – السودان نظام البطولة وموعد الانطلاق  يشارك في البطولة 16 منتخبًا موزعين على أربع مجموعات.  تُلعب المباريات بنظام دوري من دور واحد، ليتأهل المتصدر والوصيف من كل مجموعة إلى الأدوار الإقصائية.  تنطلق البطولة في قطر يوم 1 ديسمبر 2025 وتستمر حتى 18 ديسمبر.  هذه النسخة هي الحادية عشرة في تاريخ البطولة والثانية بتنظيم “فيفا” بعد نسخة 2021 التي نال لقبها منتخب الجزائر على حساب تونس. وتعد البطولة بقمّة الندية والإثارة، وسط مشاركة نخبة من أفضل المنتخبات العربية.

مقالات مشابهة

  • تقارير أممية مفزعة عن الأوضاع في السودان.. شبح الجوع يحيط بالملايين
  • مناوي: قيادة الجيش تناقش ترتيبات الاستنفار والتعبئة للدفاع عن دارفور
  • كشف تفاصيل اتصال هاتفي بين البرهان ومنتخب السودان بعد تأهله لبطولة كأس العرب في قطر
  • معهد واشنطن للسودان الجديد الذي يرأسه نصر الدين عبد الباري
  • المشاش.. ملتقى تراثي وسياحي بمقشن يُجسّد حياة البادية ويدعم السياحة الصحراوية
  • التهامي يستعرض مع الإيسيسكو التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية بالسودان في هذه الفترة
  • ‏الحقيقة التي لم يذكرها البرهان في وول ستريت جورنال..!‏
  • كأس العرب 2025.. اكتمال عقد المنتخبات وصدور التوزيع النهائي للمجموعات
  • البرهان يناشد أمريكا التدخل لإنهاء الحرب السودانية.. ردّ عاجل!
  • تمبور: تلبية احتياجات مواطني وسط دارفور المنتشرين في عدد من ولايات السودان مع الإيفاء بمستحقات العاملين