أمريكا: ما بين السودان ونيجيريا
تاريخ النشر: 25th, November 2025 GMT
أمريكا: ما بين السودان ونيجيريا
عبد الله علي إبراهيم
ملخص
نزاع دارفور يسم منطقة الساحل الصحراوي الرعوي الركيك المعرض لنازلات الجفاف الذي يطمع في خيرات أرض السافنا متى أدركه الكرب.
لو لم نحمل المواجهة المنتظرة بين أميركا ونيجيريا محملها الديني كمسلمين ضد مسيحيين الذي اتفق للأميركيين لكان الرئيس دونالد ترمب قد أمسك بجذر أزمة السودان التي قال إنه سيوليها عناية مباشرة خصوصاً بعد تزكية ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، له بذلك.
ونعرض لمنشأ حرب دارفور الشقية الطويلة لتقريب فكرة أن الذي وراء الصراعات الدامية في الساحل هو نزاع إيكولوجي بيئي بين البادية والمزارعين. وهو نزاع يسم منطقة الساحل الصحراوي الرعوي الركيك المعرض لنازلات الجفاف، الذي يطمع في خيرات أرض السافنا متى أدركه الكرب. وأحاط به أهل دارفور من فرط قدمه ومساسه الكبير بحياتهم بوصفه نزاعاً بين “الجرون” (موضع دراس الحبوب بالمزرعة) و”القرون” (كناية عن البادية بحيوانها). وقالوا إنه مما يفضي إلى الصدام لا محالة. ونعرض لمنشأ حرب دارفور الشقية الطويلة لتقريب فكرة أن الذي وراء الصراعات الدامية في الساحل هو نزاع إيكولوجي بيئي بين البادية والمزارعين.
تمثلت الصحراء، القرون في بادية العرب وزرقة (أفارقة) الزغاوة بشمال دارفور بينما تمثلت الواحة، الزراع إلى جنوبهم في دار شعب الفور والمساليت، وهم معدودون في الزرقة. وقد وصف الدكتور شريف حرير شعب الفور بأنه مصاب بـ”لعنة الموقع الاستراتيجي”. فهم أهل الواحة وهي المنطقة الوسطى المستقرة إيكولوجيا في الولاية من فوق وحول جبل مرة وتتميز بخصوبة الأرض وتوفر الأمطار والمياه السطحية والجوفية. وهي بذلك الواحة التي تقصدها بادية الأبالة الشمالية القاحلة في مراحيل الصيف من مايو (أيار) إلى يونيو (حزيران) وتتركها في مراحيل الخريف من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول). وتقصدها جماعة الزغاوة الأفريقية من شمال دارفور في السنين العجاف في مرحال موسمي اسمه “جول بري”. وقال شريف لو إن الزغاوة لم تدبر حالها بغير حاجة إلى مواجهة المزارعين كما فعل الرعاة العرب لاحقاً لكانوا جنجويداً زرقة لا عرباً.
كانت حكمت وفود البادية العربية والزغاوة إلى دار الفور، أعراف مرعية ومنافع متبادلة القيم عليها شيوخ العرب والزغاوة وعمد الفور. فبمقتضى تلك الأعراف يطلق الرعاة نعمهم في ما تبقى من القش بعد حصاد المزارعين الفور لزرعهم حذرين ألا تتطفل حيواناتهم على أشجار المزارعين الثمرية.
كما يشهد نزوح الرعاة ذلك تجارة رابحة بينهم وبين المزارعين من الفور وغيرهم. ووصف كاتب رحلات البداة قديماً إلى واحات المزارعين فقال إن ما بين الجماعتين كان مثالياً في حسن الوفود والنزول أهلاً. فالبادية تجند ناظرها وأهله والخفراء والمناديب والأدلاء والشيوخ والعمد لمتابعة مرحال البادية بين المزارعين حتى لا تعبر الأنعام “الكلنكاب”، وهو الحد بين المرحال (القرون) والزرع (الجرون). وكان البدو والزراع يتبادلون السلع: فقد تدفع بهيمة مقابل سكر وشاي، أو لبن الروب (اللبن) مقابل فقوس ودقيق. وتسمد البهائم أرض الحقول بروثها. وللبداة حلفاء بين الزراع يأتون لهم بالهدايا ويأنسون بهم وبإكرامهم.
أما اللعنة على الفور فنزلت حقاً بعد تفاقم الجفاف على أبالة شمال دارفور ومزارعيها بعد عام 1985 كأثر من الجفاف الذي ضرب الساحل في السبعينيات. فلم يعد شمال دارفور صالحاً للسكنى والعيش في أي من مواسمه بعد تلك السنة. لقد أضحى إقليماً طارداً يريد أهله استبداله بوطن جديد. واصطدم هؤلاء الباحثون في بحثهم عن وطن جديد بأعراف تملك الأرض بين المزارعين الذين لم يريدوا لهم السكن الدائم بينهم بدل مجرد المرور بهم في رحلة موسمية كما كان الأمر قديماً. وفاقم أمران من أزمة البادية العربية في شمال كردفان.
أما الأمر الأول فإنه لما احتاج الرعاة العرب للحكومة لم يجدوها. فكانوا تقدموا باسم “التجمع العربي” بمذكرة إلى السيد الصادق المهدي، رئيس الوزراء، عام 1987. وفيها طالبوا بتمثيل في السلطة بدارفور والمركز تمثيلاً يتناسب وحجمهم عدداً وثروة في الوطن. فدارفور هي الولاية التي ساد فيها الزرقة على العرب على مر التاريخ القديم والمعاصر. وقد منعت العرب بداوتهم الموغلة من انتهاز فرص التعليم والترقي في مدارج الدولة في حين حاز ذلك زرقة القرى. وقد نال الزرقة على عهد السيد الصادق وحزب الأمة جملة مواقع في السلطة بالإقليم مما نبه العرب إلى المطالبة بالتمثيل العادل من حزبهم الحاكم. ولم تستجب لهم الحكومة. وجاءتهم دولة الإنقاذ وهم في مأزقهم الوجودي فجندتهم في منظومتها الأمنية لمحاربة “تمرد” الحركات المسلحة، التي غلب فيها الزرقة، عليها.
ولم تنصرف الحكومة وحدها عن محنة الرعاة العرب. فانتبذهم حتى المعارضين خلال فترة الإنقاذ. فرجعوا لمذكرتهم تلك وأفرغوها من مظلوميتها. وعدها سليمان حامد، القائد الشيوعي المخضرم، مكراً مخططاً لنزع العرب أرض الزرقة بعدما وجدوا سانحتهم في دولة الإنقاذ التي خدموها كمخلب قط. وكانت تلك أضغاثاً معارضة للإنقاذ لا نظراً نافذاً لمسألة ستكون لها عواقبها الوخيمة على السودان.
والأمر الثاني هو أنه ترافق مع محنة البادية التي رأيناها تحول المزارع من اقتصاده المعاشي إلى اقتصاد السوق بعد نجاح محصوله من الفاكهة في أسواق الخرطوم والخليج. وعليه بنى سياجاً حول مزرعته التي كانت مفتوحة تطلق فيها البادية سعيتها في رحلتها جنوباً في صيف جفافها. وسميت هذه السياجات “بزرائب الهواء” أحسن وصفها الدكتور حرير في مقالة “حزام العرب وحزام البقارة: الصراع الإثني السياسي في دارفور والعوامل الثقافية في المنطقة” (عام 1994) من جهة توضيح منشأها في نمو الرأسمالية في ريف دارفور. وهي الزرائب التي عمقت في الثمانينيات من القرن الـ20 من الأزمة الإيكولوجية لبادية دارفور الشمالية والزغاوة بحرمانهم من مراع تقليدية كانت لهم بالتراضي في واحة الفور في ما سبق. وأغرى المزارع انفتاحه على السوق أن صار يربي هو نفسه الحيوان في زريبته بما لم يحتاج به للرعاة.
وخرجت البادية صفر اليدين من كل ذلك “تدبر حالها” مخذولة من الطبيعة والدولة. فهي كما رأينا ضحية الحكومة الحديثة (ومعارضتها) قبل أن تكون ضحية الطبيعة. فلم تر مثل هذه الحكومة في محنة البادية ما رآه أهلها لأنها انطوت على حزازة حيال حياة البداة أنفسهم. فصارت البادية بإزاء محاقين وجوديين: الطبيعة التي نقضت أسلوب حياتهم المترحل نقضاً وبيلاً والدولة التي اشمأزت منهجياً من أسلوب حياتهم أيضاً. ولذا كان حس البادية بالتغريب والاضطهاد.
ولا يرد المرء الصراع المضرج في نيجيريا إلى جذره في المنافسة حول الموارد للتهوين من لأواء الدين، أو العرق، فيه. فمع أن الدين مما استردفه صراع الموارد إلا أنه ما دخل طرفاً فيه حتى أضرم ناره فيه باستقلال. ومع ذلك ما وقعت الفتنة بين المسلمين والمسيحيين في نيجيريا إلا وجدت فيها صدي قوياً لما وقع بين الجنجويد من جهة والمساليت والفور من جهة أخرى وكلاهما على ملة الإسلام مع اختلاف العرق. فاجتاحت جحافل مسلحة من الرعاة الفولاني ريف ولاية بنيو في 8 نوفمبر وارتكبت مذبحة يلويتا التي راح ضحيتها 200 قتيل. وكما رأينا في دارفور كان الفلاني من اليأس وانسداد أفق الفرج أمامهم والبأس قرروا به طرد المزارعين من أرض أجدادهم، فاحتلوا الدور والحقول ونصبوا خيامهم فيها. ولم يمنع الدين جنجويد السودان الرعاة من ارتكاب نفس الانتهاكات بحق إخوانهم في الله المساليت والفور.
لا أعرف دولة مثل أميركا في حاجة إلى رد نزاع نيجيريا وحده، بل كل نزاعات الساحل إلى أصلها في صدام المزارعين والرعاة. وهو الصدام الذي كانت انقلابات مالي والنيجر وبوركينا فاسو بعض ثماره المريرة. فأميركا في يومنا مغلولة اليد في مالي بين حكومة انقلابية لا تأذن لها شرائعها بالتعامل معها، وحركة مثل “نصرة الإسلام والمسلمين” معدودة عندها إرهابية. وهي في مأزقها هذا تتواتر الأنباء عن إحكام جماعة “النصرة”، التي قوامها رعاة الطوارق وعرب شمال مالي، الحصار على الطرق المؤدية إلى باماكو العاصمة حتى جف ضرع البترول في محطات التوزيع وتراصت الصفوف. بل سبق لـ”النصرة” الهجوم على مواقع حصينة للجيش والمطار في المدينة نفسها في سبتمبر عام 2024 مما دل على جراءتها وطول يدها. في حين استنفدت دولة مالي كل حيلها في تأمين حكومتها بما في ذلك الانقلاب، والتحول من حليف دولي إلى الآخر طمعاً في أن يدرأ معها المتطرفين. فاعتزلت فرنسا والولايات المتحدة وتعاقدت مع الكتيبة الأفريقية الروسية وريثة “فاغنر” وما أغنتها شيئاً كما رأينا.
ولن ينفك غل يد أميركا إلا بتعطيل حكم الإرهاب على مثل “النصرة” الذي حجب عنها أن وراء مثلها وغيرها مظالم رأينا أنها لقوم واجهوا عدماً وجودياً تفيأوا من حروره بثقافتهم، أي دينهم، لمقاومته ولشحذ العزائم لإزالته. فالمظالم لا العقائد المتطرفة هي التي من وراء حركات مثل “النصرة”. ومتى تصالحت واشنطن مع حقيقة المظالم التي تعرض بها مثل “النصرة” جاءت بها شخصية اعتبارية على طاولة المفاوضات لا طريداً في الآفاق لبناء الأمة الدولة في مالي على السوية. وهكذا تسترد أميركا دعوتها للديمقراطية التي يقال إنها تركتها من ورائها. إنضم لقناة النيلين على واتساب
Promotion Content
بعد مماتك اجعل لك أثر في مكة سقيا المعتمرين في أطهر بقاع الأرض ورّث مصحفا من جوار الكعبة المشرفة
2025/11/25 فيسبوك X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة ثم ماذا بعد خطاب البرهان ؟؟2025/11/25 الدعم السريع يعلن هدنة من طرف واحد. وينتظر هو وداعميه (وبعض الحمقى) (..)2025/11/25 لا توجد جهة غير مليشيا الجنجويد تستهدف المواطنين2025/11/25 أمجد فريد الطيب: فعلا تباً للحرابة ومن أشعلها2025/11/25 الدعم السريع يخرج جكوك الخلا والمدن2025/11/25 مصطلح السردية2025/11/25شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات الأخوان المسلمين: ليست فوبيا وانما مخطط. 2025/11/25الحقوق محفوظة النيلين 2025بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: بین المزارعین شمال دارفور فی نیجیریا
إقرأ أيضاً:
رهاب العلمانية!
رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح
يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.