لجريدة عمان:
2025-11-30@03:15:08 GMT

النهضة الثقافية وجه عُمان

تاريخ النشر: 25th, November 2025 GMT

لا ريب أنّ عُمان في العشريّة الأخيرة تصدّرت المشهد الثقافيّ من خلال أنشطة أبانت وجهًا كان مغمورًا بقصديّةِ إهمالٍ وتجاهلٍ، وأبرزت حركيَّةً ثقافيّة بعضها كان نتاج أرضيّة اجتماعيّة وتعليميّة وبعضها كان نتاج إرادة ذاتية واجتهادٍ شخصيّ توفّرت له أرضيّات للتحقّق والتكوّن.

ولن أنحو اليوم منحى الإشادة بما بلغه النشاط الثقافي في عُمان من تفتُّح وصدارة، ولن أعمد إلى ذكر المحاسن والوجه النضر، وإنّما سأتساءل عمّا بعد الازدهار، عن خطّة اليوم التالي للتألُّق والتحقّق، كيف يُمكن أن ننمّي هذا الحسّ الثقافي الذي يُمكن أن يبدأ حال التدنّي والهبوط؟ كيف يُمكن أن نصنع من التصدُّر أرضيَّةً للأفضل ولبناء مشروع ثقافي حقٍّ.

تأتّت لي فكرة المقال بمناسبة تكريم الكاتب والمخرج المسرحي عماد بن محسن الشنفري رئيس مجلس إدارة الجمعية العُمانية للمسرح في أيّام قرطاج المسرحية 2025، وهو تكريم مبين عن الخطوة الهائلة التي يجتهد المسرح العُماني في بلوغها، وعن منزلة ناتجة عن نضالٍ حقيقيّ، وعملٍ دؤوب في ظلِّ قيود جمّة تعوق حركة المسرح، ومجتمع لا يتقبّل بيُسر أن يتخصّص أبناؤه في هذا المجال، وعالم ينقطع عن العروض الحيّة المباشرة ويستبدلها بثقافة رقمية سائدة، وهذا التكريم هو في أصله تكريم لجهود تاريخيّة وفّرت تراكما إبداعيّا مسرحيّا، ونتاجًا نقديّا وإصرارًا على الإبقاء على مسرح عُماني له خصوصيّته، بداية ممّا أسّسته المدارس السعيديّة ومرورًا بدور قسم المسرح في جامعة السلطان قابوس، وبدور الفرق الأهليّة المسرحيّة مثل فكر وفن، ومزون المسرحية وظفار والرستاق، وانتهاءً إلى تأسيس الجمعية العُمانيّة للمسرح، وفي هذا المقام يُمكن أن نذكر جهودًا جمعت بين الكتابة المسرحيّة والنقد المسرحي مثل كريم عبد الجواد وآمنة الربيع وغيرهما كثير.

وفي عالم السينما هنالك تراكمٌ شافّ عن عيون سينمائيّة تمتلك سعة الاطّلاع على السينما العالميّة مع الانغماس في محليّةٍ ترشح بمواضيع قابلة للحكاية المشهديّة، عالم السينما حمله رجال بنوا صورةً مشرقة عن السينما العُمانيّة نصوصًا وإخراجًا وفكرًا ونقْدا، على رأسهم الشاعر والسينمائيّ المنغمس في عالم السينما، المطّلع على تجارب مختلفة من السينما العالميّة عبد اللّه حبيب الذي أثرى المكتبة السينمائيّة العُمانية بعديد المؤلّفات وساهم بأفلام متنوّعة، كان لها عميق الأثر في إغناء المشهد الثقافي العُماني، وجمع بين الفعل السينمائي والتنظير والنقد والتحليل، وكان لشريطه "هذا ليس غليونًا" أثرٌ ووقع، إذ نال جائزة دوليّة في مسابقة الثقافة والفنون بالمجمع الثقافي في "أبو ظبي"، إضافة إلى عدد آخر من الجوائز والتكريمات المحليّة والعربيّة ولعلّ تكريمه وأعمالَه في مناسبات عديدة خير داعم لمنزلته الأساس، وهو في الحقيقة نتاج الدراية العميقة بالسينما العالميّة ونتاج تجارب سابقة أثّثت أرضيّة لتَكوّن الفرجة السينمائيّة من جهة والثقافة السينمائيّة من جهة ثانية، وقد صاحبه في هذا الفعل المؤثَّم، نُخبة من الفاعلين في الحياة الثقافيّة، مثل حاتم الطائي الذي أسهم بعدد من الأفلام، منها "السقوط"، "الوردة الأخيرة".

وقد تتوجّت هذه الجهود بتأسيس الجمعيّة العُمانية للسينما 2006، وبإنشاء مهرجان مسقط السينمائي (2005)، وأنتجت أيضًا عددا من السينمائيين الشبّان، مثل خالد الزدجالي، وسالم بهوان، وغيرهم.

السينما عالمٌ يتمثّل الرواية والقصّة والشعر والمسرح والفنّ التشكيلي والموسيقى ومختلف الفنون، ولا يُمكن أن ينهض أو ينمو بجناح واحدة، وإنّما يحتاج إلى نهضة ثقافيّة عارمة وعامّة ليتشكّل ويتمكّن من بناء مشاهد تُميل المُشاهِدَ.

أمّا الشعر فذاك بابٌ تُتوِّجه الشاعرة عائشة السيفي "أميرة الشعراء" بمقاييس العصر الحديث، وبرؤية الجوائز العربيّة، ولعلّها بهذا التتويج قد أسهمت في إضاءة ما تخفّى من شعر العُماني، غير أنّ الشعر العُماني كان مُتوَّجًا أبدًا في قديم العصور وفي حديثها، في عموديّ الشعر وفي حرّه وفي منثوره، لم تضف جائزة عائشة السيفي إلاّ أنّها شفّت عن عوالم شعريّة لأساتذة في الشعر كبار، كانت هي جزءًا من نتاجهم، الشعر العُماني المعاصر بكلّ ما يُمكن أن يبرز فيه وأن يتألّق محليّا وعربيّا هو نتاج مهاد شعريّ ثريّ، بناه رُوّاد في القديم مثل عبد اللّه الخليلي وميله إلى تأليف المسرح الشعري وسليمان بن سعيد الكندي وتنويعه في البحور الشعرية في القصيدة الواحدة، هذه الجهود التي تلفظ الركون وتطرد السكون أنبتت شعراء لهم أثرٌ وفعل في واقع الشعر العُماني، هم أساتذة الخطّ الشعريّ المحليّ وقد تركّزوا في موقع مهمّ من الشعر العربيّ، زاهر الغافري وسما عيسى وسيف الرحبي، وعن هذه المدرسة التي أبدعت في شعر التفعيلة وفي قصيدة النثر في بدايات مبكّرة، نتج جيل من الشعراء يُواصِل تجاربهم ويُثري حركيّة الشعر في عُمان.

وأخيرًا، الأدب القصصيّ والروائيّ، وقد أخذ من المنزلة عربيّا ودوليّا ما هو جديرٌ بها، ونوّع كُتّاب هذا النوع من طرائقهم وأساليبهم وطبيعة القضايا التي يعرضون لها، وصاغوا عوالم من الحكايات تجلب الرّاغب وتميل إليها الطالب وتستميل القصيّ والدنيّ، أسماءٌ عديدة بنت مجد القصص في سلطنة عُمان وأغنت جنسًا في الكتابة حادثًا، بدايةً من طواف بدرية الشحي، وبلوغًا إلى علي المعمري وهدى حمد وعبد العزيز الفارسي وسليمان المعمري وزهران القاسمي وجوخة الحارثي وبشرى خلفان ويحيى سلام، ما زالت تُنْهَب من الناشرين، ولا تجد سبيلاً -في أغلب أعمالها- للتفرّغ للكتابة، كما يفعل زملاؤهم الأقلّ شأنًا منهم في بلدان أخرى.

فماذا نفعل بهذه النهضة التي تضامّت وعمّت ومسّت السينما والمسرح والشعر والقصص والإعلام والفن التشكيلي والتصوير الشمسي، وأغلب الفنون والثقافات؟ هل نبقى "محلّك سر" وننتفخ بما لنا من نهضةٍ تأخّرت آثارها وتأثيرها؟ أليس من الواجب تلقّطها واقتطاف أزهارها وبذر بناتها وأبنائها لتشعّ وتنمو؟ أعتقد أنّ أهل الأمر لهم الدور الأجلّ في تدويل هذه النهضة وفي توفير المناخ الملائم للعناية بقطاعات في الثقافة تحتاج أساسا وأوّلا إلى "قوام الأعمال" إلى المال، وتحتاج أساسًا إلى رؤية واضحة لتنهض بما نهض، ولترعى ما تصدّر، أمّا البقاء حيث نهضنا، فإنّ ركود الماء يُفسده، والبقاء في القمّة سقوط (رغم أنّ القمّة لا تُحَدُّ)، والنار قد تُورثُ الرّماد إن لم نُذكِها.

وتبقى سمة النهضة الثقافيّة في عُمان موسومة بما نعت به الأستاذ سما عيسى الحركة الشعريّة "نقرأ التجربة الشعرية الراهنة، انطلاقًا من منجزها التاريخي، والصوت الشعري العُماني الراهن، وإن كان أكثر اقترابًا من منجز الحداثة الشعرية العربية في عقودها الأخيرة، إلا أنه من جهة موضوعات شعره، يتميز بتدفق عطاء أسلافه التاريخي، وأي قراءة نقدية جادة له، عليها الالتفات إلى المنجز التاريخي حتى يتبين لها خصوصية وخصوبة الصوت الرثائي والصوفي، واتساع مساحة ثيمات الموت والرحيل والفراق والهجر في تجارب شعرائها".

هذه المراوحة بين المنجز التاريخي والاقتراب من الحداثة دون الاكتواء بنارها والذوبان فيها هي سمة الحركة الثقافيّة في عُمان، فلعلّه أن يأتي اليوم الذي تُضبَطُ فيه النهضةُ الثقافيّة بعقل تجاربيّ حاسوبي، رياضي، يضع خطّة عشريّة أو خمسيّة لبلوغ أهدافٍ تُرصَد لها أموالٌ، ولعلّه يأتي اليوم الذي يُدرك فيه أهل الحلّ والربط أنّ الأثر الثقافيّ هو قيمةٌ تسويقيّة للبلاد وشعبها وتاريخها لا تُماثله قيمة، وأنّ الفعل الثقافيّ هو الباقي وهو الأجدر والأجدى.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: السینما الع الثقافی ة الشعر الع الع مانی فی ع مان ی مکن أن ة الشعر ع مانی

إقرأ أيضاً:

الجامعة في فكر رواد النهضة

إيهاب الملاح 

(1)

على مدى سنوات طويلة من معايشة تاريخ البحث عن النهضة العربية الحديثة (1805-1952)، ومطالعة نصوصها التأسيسية ومراجعتها ومعاودتها، تتكشف شيئًا فشيئًا الأفكار التأسيسية والبنى القارة الراسخة في أذهان الأجيال التي اضطلعت بحمل مسؤولية "التجديد" و"الإصلاح"، وطرح سؤال التقدم والتخلف، والتراث والمعاصرة..

إلخ الإشكاليات التي ما زلنا حتى وقتنا هذا (وبعد مرور ما يزيد على القرنين!) نشتبك معها ونختلف حولها، ونتحين الفرصة للإمساك بقيمها وتصوراتها التي لا نختلف عليها إنما نختلف حول كيفية ترجمتها على الأرض في صورة مؤسسات وسياسات ومناهج وآليات تثمر على المدى البعيد الشرائح والطبقات القادرة على إحداث النهضة المرجوة، والبحث عن المستقبل المشروع، والإمساك بتلابيب التطور والتحديث والحداثة التي تروغ منا كثيرا كما يروغ الثعلب (لهذا حديث آخر في مناسبة أخرى).

منذ رفاعة الطهطاوي، وعلي مبارك، ومن بعدهما الشيخ الإمام محمد عبده، والمفكرون المصلحون من أمثال قاسم أمين وجورجي زيدان وأحمد لطفي السيد، وطبقة رجال السياسة المستنيرين في ذلك الوقت في مصر، أقول منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر وحتى العقد الأول من القرن العشرين، ارتبط مشروع النهضة كله بضرورة تأسيس الحاملة أو الرافعة المؤسسية لإنجازه وإعداد كوادره من المتعلمين تعليما جيدا والمثقفين أيضًا.

إلى ذلك التاريخ (1908) لم تكن لدينا مؤسسة تعليمية جامعة بالمفهوم الحديث، كان لدينا الأزهر حاضنة التعليم الديني، والمدارس الابتدائية والتخصصية والفنية التي أنشأها محمد علي، ومن جاؤوا بعده على تفاوت في التوسع أو الانكماش، ولم تظهر الجامعة بمعناها الحديث ومناهجها العصرية إلى النور، إلا في سنة 1908 وبعد جهود مضنية وكفاح شاق من آباء النهضة وروادها الأول، الذين كانوا يفرقون جيدا بين دور المدرسة ودور الجامعة، وما كانت تقتضيه كل منهما من إعداد وتأهيل، ومن اتصال وانفصال، ومن غايات ووسائل.. إلخ.

ظهرت الجامعة الأهلية إلى النور عام 1908 بجهود نخبة عظيمة من رواد النهضة، كان فيها السياسي والمناضل الوطني، والشيخ الأزهري المستنير، ورجال الطبقة الثرية المؤمنة بحق هذا الوطن في التقدم والبحث عن موضع قدم بين الأمم.

وظلت هذه النخبة العظيمة تصارع من أجل البقاء بكل ما أوتي لها من قوة وعزم وإرادة، نخبة الفكر والسياسة والنهضة ممن آمنوا بأنه لا سبيل إلى الخلاص إلا بالعلم، وحده، إلى أن جاءت سنة 1925، وبالتحديد في مارس حين صدر المرسوم الملكي (آنذاك) بتحويل الجامعة الأهلية إلى جامعة حكومية (جامعة فؤاد الأول، ثم الجامعة المصرية، ثم صارت باسمها المعروف حتى الآن جامعة القاهرة).

(2)

وتبدأ منذ ذلك التاريخ رحلة عامرة بالإنجازات والأعلام والأحلام؛ تعثرت حينًا وتأخرت أحيانًا لكنها وطوال مسيرتها لم تتخل أبدًا عن حلمها ولا غايتها حتى وإن خذلتها الوسائل والإمكانات، وحاصرتها التحديات في أوقات الأزمات، لكنها ظلت محتفظة بعراقتها وبتاريخها المنير والمشرق والمشرف، وبمدونة أعلامها من أنبغ عقول هذا البلد وأبناء هذه الأمة (العربية)!

خلال الفترة من 1908 حتى 1925 (سبعة عشر عامًا) فترة اختمار وتأسيس وتجريب وتأطير للممارسة "التعليمية" ووضع الأسس والمبادئ التي تصون التجربة وتحفظ لها قدر المستطاع تحقيق الغايات والأهداف التي أنشئت من أجلها.

لم يغب لحظة واحدة عن أذهان ولا وعي آبائها الأول أن "الجامعة" يعني ارتباطها المطلق بالبحث عن المستقبل، وبالتطلع إلى التقدم والأخذ بأسباب الحضارة والمدنية الحديثة، وإلى الإعلاء من شأن الفكر والعلم والثقافة، وإلى ترسيخ القيم النهضوية الحديثة، من احترام الآخر، والتعددية، والتنوع، وحق الاختلاف واحترامه، وحق البحث دون أي قيود أو حدود، وحق طرح السؤال وحق البحث عن إجابات محتملة.. إلخ.

كما ارتبط بأهداف "الجامعة" وتأسيسها مقاومة التخلف، والتقليد، والانكفاء على الذات واجترار الماضي، وفتح النوافذ على مصاريعها أمام كل الأفكار والتيارات والانتقاء منها والاختلاف معها، والانطلاق من الوعي بالذات في انفتاحها على الآخر، وليس العكس، ومن ثم التأصيل الواعي بالهُوية وحضورها دون تعصب أو تطرف أو أي شكل من أشكال الشوفينية والانغلاق.

أيضا كانت فكرة "الجامعة" مرتبطة منذ تأسيسها بإعادة النظر إلى ميراث الماضي كله انطلاقًا من الوعي العلمي، النقدي، الحقيقي، وليس الزائف، وإعادة تأسيس علاقتنا بهذا الماضي من منظور تحررنا منه لا خضوعنا له! أو بعبارة أخرى التطلع إلى ميراث الماضي؛ بوصفه نقطة للبداية وليس للنهاية، وبضرورة تجاوزه وليس استنساخه!

(3)

يوضح المرحوم أحمد أمين الفارق بين "المدرسة" و"الجامعة" في مقدمة الجزء الثاني من «فجر الإسلام»، حيث يقول:

«تعلمت من هذا الوسط (الجامعة) أن ميزة الجامعة عن المدرسة هي البحث، فالمدرسة تعلِّم ما في الكتب، والجامعة تقرأ الكتبَ لتستخرج منها جديدًا، والمدرسة تعلِّم آخر ما وصل إليه العلم، والجامعة تحاول أن تكتشف المجهول من العلم، فهي تنقد ما وصل إليه العلم وتعدله، وتحل جديدًا محل قديم، وتهدم رأيًا وتبني مكانه رأيًا آخر، وهكذا هذه وظيفتها الأولى والأخيرة، فإن لم تقم بها كانت مدرسة لا جامعة»..

(أحمد أمين، من مقدمة الجزء الثاني من «فجر الإسلام»، الطبعة الصادرة عن دار المعارف 2025)

أما أستاذ الجامعة، وأدواره، والفرق الدقيق بين الأستاذ الجامعي و"الملقن" المدرسي، يحددها أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد في رسالته المسماة "رسالة الجامعة":

"الأساتذة ليسوا موجودين بالجامعة لتلقين المعرفة للطلاب، ولكن فقط لإرشادهم. فلقد أتى الطالب ليتعلم بنفسه ويقوم بتحضير الموضوع قبل أن يتعرض له الأستاذ. لهذا السبب لا يوجد أي كتاب مقرر لأن هدف التعليم الجامعي هو تربية العقل، وليس ملء الحافظة. ومن يعتمد فقط على الذاكرة أو يقبل بآراء أستاذه دون تمحيصٍ، وتفكيرٍ ذاتي، ليس طالبًا حقيقيًّا".

هنا مربط الفرس وجوهر الغاية من العملية التعليمية كلها في إطار المشروع النهضوي العام والحاكم والمؤطر للنشاط الجامعي والتعليمي عمومًا. إدراك الفارق بين التعليم الأولي (التجهيزي) وما قبل الجامعي، والتعليم الجامعي، والعالي، كل مرحلة لها غاياتها وأهدافها ووسائلها وآلياتها وإجراءاتها التنفيذية.

معلم ما قبل الجامعة يختلف في تكوينه وإعداده ووسائله عن أستاذ الجامعة، مع الاشتراك في خطورة الأدوار التي يقومون بها معا، ومع تقدير مكانتهما وعظمة وسمو الغاية الأخلاقية والمعرفية والإنسانية لكليهما..

(4)

كانت هذه التصورات والمفاهيم قارة وراسخة في أذهان جيل النهضة الحديثة، بالتحديد الجيل الذي خرج من عباءة الإمام الشيخ محمد عبده (1849-1905)، الجيل الذي شمل كلًّا من:

أحمد لطفي السيد (1872-1963)، الشيخ مصطفى عبد الرازق (1885-1947)، وأحمد أمين (1886-1954)، ومحمد حسين هيكل (1888-1956)، وطه حسين (1889-1973)، وعباس محمود العقاد (1889-1964)، والشيخ أمين الخولي (1890-1966).. وغيرهم..

كل هؤلاء أولوا قضية "التعليم والتعلم" وبناء المؤسسات التعليمية والثقافية والمعرفية (الجامعة، الصحيفة، المجلة الثقافية، دار النشر المستنيرة.. إلخ) التي تعد الإنسان وتؤهله لممارسة أدواره في مجتمع مدني حديث "ناهض"، كلهم بلا استثناء اهتموا اهتماما بالغا وكبيرا بهذه المسألة، وإن برزت أدوار البعض عن البعض الآخر بحكم الاقتراب أو الابتعاد من دوائر الجامعة والأكاديمية والانخراط في ممارسة التدريس وإعداد الكوادر.. إلخ.

وجميعهم كانوا يؤمنون إيمانًا راسخًا بأن البحث العلمي لا ينغلق على نفسه داخل أسوار الجامعة منعزلًا عن قضايا المجتمع وأحلامه في التقدم، وأن دراسة الأدب (أو دراسة أي علم من العلوم أو فن من الفنون) لا معنى لها ما لم تضع في اعتبارها الدور الاجتماعي الذي يسهم به نقد الأدب والإنسانيات وما يتصل بها جميعا -تأكيدا لدور الأدب والإبداع نفسه- في الارتقاء بالحياة من مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية، وأن الأستاذ الجامعي الحقيقي هو من يمتد برسالته الإبداعية و"التنويرية" إلى خارج أسوار الجامعة، مشيعا قيم الحرية الفكرية في المجتمع، متحديا التقاليد الجامدة بما يفتح المدار المغلق للثقافة على وعود التجديد والابتكار والتجريب..

(وللحديث بقية)..

مقالات مشابهة

  • الجامعة في فكر رواد النهضة
  • فريق طبي عُماني ينجح في استئصال ورم سرطاني شرس من كبد طفل
  • سعر الريال العُماني اليوم السبت في البنوك المصرية وماكينات الصرف الآلي
  • شخصية العام الثقافية..تكريم أبو الفضل بدران في مهرجان الأقصر للشعر العربي
  • سعر الريال العُماني اليوم الجمعة في البنوك المصرية وماكينات الصرف الألي
  • في ذكرى ميلادها.. مها أبو عوف أيقونة الفن بين السينما والتليفزيون
  • ملتقى ذاكرة المحيط يستحضر الإرث البحري العُماني ويبرز الروابط التاريخية مع شرق إفريقيا
  • في ذكرى رحيل شادية.. كيف صنعت «دلوعة السينما» مجدها؟ (فيديو)
  • بيت الشعر بالأقصر يختار أبو الفضل بدران شخصية العام الثقافية
  • نادى السينما بالأوبرا يعرض 5 أفلام دولية.. السبت