لجريدة عمان:
2026-07-23@23:03:06 GMT

الجراحة الدقيقة قراءة السفر إلى كعكة القمر

تاريخ النشر: 30th, November 2025 GMT

الجراحة الدقيقة قراءة السفر إلى كعكة القمر

في عمله الروائي القصير الصادر هذا العام ٢٠٢٥م عن دار مرفأ للنشر، بيروت، يسافر بنا القاص والكاتب الفلسطيني زياد خدّاش عبر الزمن الفلسطيني حاضره وماضيه دفعة واحدة، وإذا كانت الكتابة في حد ذاتها اشتغال مزدوج على مادة الزمن، فإن هذا العمل يرى لزامًا أن يقنع القارئ بذلك السفر عبر الزمن بإطار واقعي، عبر البوابات النجمية، وهكذا من بدايات الرواية القصيرة هذه نتعرف على آلة الزمن التي سينتقل بها بطلا الرواية، الكاتب نفسه وهاتفه (موبايله).

إلى قريته المندثرة «بيت نبالا» مكانيًّا، في صيف ١٩٤٧م زمانيًّا؛ لكن قبل هذا التأطير الواقعي يشاركنا الكاتب مادته الخام عبر ذكريات والدته الراحلة آمنة، عن شخصية غامضة لشخص بسيط وعلى باب الله يدعى هايل، تتذكره الأم وتستعيد ما شاع بين الناس عنه، وهكذا يتعرف القارئ على الخيوط الرئيسية لهذه الرواية القصيرة، النوفيلا. 

التأمل في العنوان يحيلنا لأغنية مخوّل قاصوف «ريتو القمر ينزل خبز تنور»، ذلك أن الحضور القمري البارز على عنوان هذا العمل، يقودنا نحو الجو الحلمي، على طريق الأحلام التي يجسدها أو يوحي بها ضوء القمر وأهلته، وكأن النص الغامض بين هلالي القمر ليس أكثر من عمرنا نحن، لعل القمر أكثر إثارة للأحلام من النار في نظرية جاستون باشلار. 

هكذا يقودنا هذا العمل لما يحمله القمر من حضوره الذاتي، وحميميته الخاصة، وسحره الذي لا يزال يؤثر في الإنسان حتى في عصور التقنية والشاشات الإلكترونية هذه، بما أن هذا العمل يؤكد لنا أن هذا الطريق القمري ما زال مطروقًا كعهده، منذ أيام الشنفرى: «وقد حُمّت الحاجاتُ والليلُ مقمرٌ وشُدّت لطيّاتٍ مطايا وأرحُلُ»، لكن المثير هنا أن البطل سيحمل هاتفه معه في هذا السفر إلى الماضي، وذلك الحضور للهاتف الذكي، أو الكمبيوتر المصغّر، رغم أنه سينقطع عن شبكة الإنترنت بالطبع، لكنه سيتحول ليصبح الإثبات الوحيد والحي على سفر البطل من هذا العام في القرن الحادي والعشرين إلى منتصف القرن العشرين، قبل النكبة، وإذا كان هذا السفر «فلسطينيًّا» فإن ما ينتظرنا القارئ هو تجربة إنسانية فريدة وخاصة. 

لعل الفلسطينيين عربيًّا، على اختلاف المرامي والدوافع، هم الأكثر انشغالًا اليوم بالذاكرة، ولذلك أدلة كثيرة، من مراكز الدراسات والتوثيق، حتى وسط حرب الإبادة الجارية في غزة اليوم، إلى انشغال الروائيين المعروفين، إذا استعدنا مشروع الروائي إبراهيم نصر الله في التاريخ الشفوي، وذلك مفهوم في سياق ردة الفعل على ما يمثله مشروع المحو الصهيوني المنظم، الذي يتجاوز محو التاريخ والذاكرة والأرض والقرى إلى محو البشر أنفسهم، ولكن هذا العمل يقارب إحياء الذاكرة بطريقة خاصة، لا تخلو من معاصرة، ولا من طرافة، ودهشة، وهي في الوقت نفسه تعبّر تعبيرًا فنيًّا شفافًا عن الحنين للجذور، الجذور المقتلعة من بيت نبالا إلى مخيّم الجلزون في الضفة الغربية، وهذا العمل على ضيق جغرافيته، وزمنه وشخوصه، بالنظر للاتساع الجغرافي الشاسع، والعميق، للقرى والمدن الفلسطينية من غزة جنوبًا إلى صفد شمالًا، فإنه يعتمد نفس التقنية التي نجدها عند زياد خدّاش في قصصه، وهي الانشغال الفني بالتجربة الشخصية بما يحولها لتجربة إنسانية وجودية عامة. وهذا الاشتغال الفني يقصد أن يجسد في عوالمه الشخصية كامل الانعكاسات الوجودية ما أمكن ذلك، بوضع التجربة محل تساؤل وجودي، حاد ومربك. وهكذا يحمل هذا العمل رمزية لفلسطين بأكملها، بما هو عمل يحاول عبر هذه القفزة الزمنية تجسير الهوة المظلمة التي تشكلها إسرائيل في التاريخ الفلسطيني المعاصر. 

وإذا كان الانشغال بالذاكرة عند المؤرخ المعاصر مثلًا يركز على التاريخ الاجتماعي للجماعة البشرية، فإن العمل الفني يجد نفسه أمام مسؤولية مضاعفة عبر سعيه لتمييز الشخصيات التاريخية المختلفة وإبراز فرادة سماتها مشاعرها، وإذا كان هذا العمل الفني فلسطينيًّا «الآن وهنا» فإن المسؤولية تتضاعف وتتشابك، ولكننا رغم ذلك لا نستشعر ذلك كقراء أمام هذا العمل إلا بشكل رمزي، ولعل هذا من براعات الكاتب، الذي يرتب لنا كل ذلك في مشهد بسيط للإفطار قبل النكبة: 

«رّحـب بي العـم سـليمان آمنـة، وقبـل أن يسـأل من أنـا، قـّدم لي فطورًا فاخـرًا: زيـت وزعـتر، وجبـن وبيـض بلـدي، وزيتـون وزبـدة، وشـاي محـلى بالعسـل، وخبـز طابـون سـاخن، ونوعًـا جديـدًا مـن الحلويـات لم أسـمع بـه مـن قبـل اسـمه (كعـك القمـر)». ص٣٣ 

ولعل هذه هي الإشارة الوحيدة إلى كعكة القمر الواردة في العنوان، ولكنها بظني كافية بما هي تشتغل على الرمزية لعمل غارق بأكمله في ضوء القمر الخيالي، متأثر بالبدر، ذلك الزمن القديم البسيط للعربي المستسلم بشكل مطلق لقدره والذي ينظر للوجود من منظار اجتماعي متوارث عبر قرون، ويجد نفسه في موضعه الطبيعي، يكمل دوره الحياتي في سلسلة بشرية غارقة في القدم، لم يعد أحد داخلها يهتم كثيرًا بالتوثيق لأكثر من جدّين أو ثلاثة أو أربعة بحد أقصى والقبيلة أو البيت، في الحالات الطبيعية، وكأن الزمن عندها بحيرة شبه ساكنة، مقابل الزمن الجارف الكاسح الذي حمل كل الأهوال والمآسي اللاحقة بعد النكبة، وهنا تنتصب المفارقة التي يشتغل عليها هذا النص الأدبي أمام القارئ المعاصر، بجمعه بين شخصين وبالتالي زمنين متناسلين واقعيًّا ولكن مفارقين واقعيًّا كذلك، بين فلسطين وفلسطينيي ما قبل النكبة التي في الذاكرة، وبين فلسطين وفلسطينيٍّ معاصر. وهذا المشهد البسيط والعفوي والعادي يبرز للقارئ السؤال الوجودي المفارق، بين العم سليمان آمنة الذي ينظر لمائدة إفطاره نظرة عادية بوصفها من طبائع الأمور، ولا تستحق أن تكتب تفاصيلها حتى في رسالة لصديق، وبين بطل الرواية الروائي نفسه الذي ينظر للإفطار نظرته لتراث وثقافة وأسلوب عيش وارتباط حيوي بالأرض لا انفكاك له، فهو يحرص على نقله لنا بحذافيره، وكأنه كان يقول هذا كان إفطاري، وهذا بيتي، وهذه قريتي، وهذا وطني، ولكن..؟ 

لعل السؤال الأكثر إثارة لنا كقراء في هذا العمل هو: ماذا سيقول فلسطيني معاصر لفلسطيني من نهاية عصر الانتداب الإنجليزي عن فلسطين؟ إن استعادة الماضي تستخدم وتعمل هنا بوصفها محركًا ديناميكًا ودافعًا للعمل، ليس لتنامي الأحداث والتشويق، فليست هي المقصودة، بل لتنامي المشاعر؛ وهذا ما يجعل اللحظة البارزة في المكاشفة الروائية، بين مثقف فلسطيني ينتمي لعالم معاصر هو بطل الرواية، وقريبه المثقف الفلسطيني المنتمي لعصر أسبق هو مصطفى سليمان، تعبّر عن مواجهة حاسمة، أكثر من كونها مواجهة شخصيات، لأنها في الواقع مواجهة ضمائر مقلوبة، بما أن العمل مكتوب اليوم، وليس في عام ١٩٤٧م الذي تنطلق منه أحداث الرواية: 

«استأذن مصطفى والده، ودخلنا غرفة صغيرة، وهناك قال لي بشكل مباشر: يا زياد متشوق جدًا لمعرفة أخبار فلسطين، ما الذي حدث، أخبرني بالتفصيل. 

أطرقت قليلًا وقلت له: أُفضل يا عم أن أدعك تعيش الحياة وتشهد الأحداث دون أن تكون متوقعًا لها وعارفًا بنتائجها، صدّقني، ربما تندم لو أخبرتك. 

- لا لا يا زياد. أنا مصرّ جدًا على ذلك، أرجوك أخبرني بالتفصيل، ماذا حدث لفلسطين. أخبرني الآن». ص٣٦ 

يعرف القارئ المعاصر الإجابة بالتأكيد، ويشارك كاتبها الفرَق من الإجابة، لأنه يقف في زمن الرواية أمام نفس الاختبار، ومع أن عبارة «ربما تندم لو أخبرتك» تشي بأن الجرح مفضوح، علني، على الشاشات كلها، وعلى كل لسان، فإنه بالنسبة للماضي ما زال يشكل «الغيب» المجهول برمته؛ والتردد هنا يبرز حدود الهوّة الزمنية، أو الهاوية، التي يوشك أن يسقط فيها الفلسطيني، هاوية التفرّع الاستعماري الذي رمى فلسطين تحديدًا، من بين البلدان العربية المستعمرة آنذاك، في الفم اللولبي لمخطط الصهيونية العالمية، وكأنما في مقامرة تاريخية، لحظة تصدير المستنقع الأوروبي إلى الشرق؛ «أعيدوهم إلى بلدانهم» كما يزعق ترامب اليوم في وجه المهاجرين لأمريكا، وهو من شدة عماوته وجهله يتغابى عن أن هذه الجملة تشمله هو نفسه، بما أنه سليل مهاجرين ومستوطنين اغتصبوا أرض الهنود الحمر. وبما أن الادعاء الصهيوني بملكية أرض فلسطين زائف تاريخيًّا، كما أثبت ذلك المؤرخون المعاصرون من نيدهام فمن تلاه، وكل المنظومة ليست أكثر من هرطقات لاهوتية بائسة، عملت أوروبا الاستعمارية على تصديرها خارج أوروبا في اللحظة التي كانت تنهار فيها داخلها. 

إذا كانت فكرة آلة الزمن والسفر الزمني مستهلكة ومطروقة فإن هذا العمل يرفعها حتى لا يخلو النص من مثل هذه المفاجآت الفاكرة، والداعية للتأمل العميق، وتحسس الجراح، ولعل العمل بأكمله ينتصب هنا، في الأمثولة الرمزية، وبطل العمل الذي سافر مدفوعًا بحنينه الجارف لبلدته وأهله الغائبين، سيسقط في الثقب الأسود الزمني، بفعل حبسه في سجن الرملة، مثلما سقط أسلافه في حفرة المشروع الصهيوني، وإن كان ذلك السقوط يحرمه من العودة لعصره فإنه يدفعه في الوقت نفسه ليعيد ترميم تاريخ أهله وقريته المفقودة، بيت نبالا وسيرة البيوتات العائلية التي أنجبته، لكنه بالفن يحولها لرمز وتساؤل حرّاق عام في صدورنا أجمعين، عن تلك الشبابيك والروازن والبيوت الطينية الفلسطينية، مع حساسية عالية تجاه التفرد الشخصي كما نلمحه في توصيفه لشخصيات عمله مثل شخصية العتلّة المرأة الشرسة ولكنها الحيوية المنصهرة بكليّتها في دائرتها الاجتماعية، ومردخاي اليهودي زميل مصفى سليمان آمنة في حراسة بوابة المعسكر الإنجليزي، والذي لا يتردد في إخبار مصطفى بتفاصيل المخطط الصهيوني القادم لمحاولة ابتلاع فلسطين، ولكن فلسطين شوكة ضمير ما بعد حداثية، لا تتوقف عن النمو والتذكّر والفضح والتشهير، زيتونة عصيّة على الاختطاف من عصابات الزمن. 

يمكننا القول إن هذا العمل غارق بطريقته الخاصة في العجينة الزمنية التي تشكله، لكنه يعيد تشكيلها، يعيد وضعها في فرن الزمن بأسلوبه الخاص، ليقدم عبر توقده الذاتي كعكته القمرية عن الحكاية المعروفة، لكنها المعجونة هنا بمواد حميمية من القلب، وهي تراهن على تلك الحميمية القلبية، بحبها وثقتها بالسند الأهلي، الأمومي والأبوي، والقرائبي، في فوز رسائلها الفنية العالية القيمة. 

هكذا يتورط بطل العمل تدريجيًّا في خضم تسلسل القصة الفلسطينية بتغريبتها وتهجيرها، فيجعلنا نعايشها كقراء من خلال هذا العمل عيشًا مزدوجًا، فنبصر مع البطل طفولة أبيه ونعايش معه شيخوخته ورحيله التدريجي عن هذا العالم، ونشهد معه رحيل والدته التي عرفناها طفلة وهي ترحل عبر زمن الرواية الممتد إلى زمننا المعاصر، وهو يسجل بالتوالي رحيل أهله وعمّاته وأجداده، فهو عبر هذا العمل، كأنما يحتضن باستعادتهم، باستعادة أهله الشخصيين، الوطن الذي يمثلونه له كفرد: فلسطين، من الجهتين الزمنيتين. الماضي والمستقبل. وبينما يلعب حاضره به، بكل ما يحمله الحاضر من فقدان على الصعيد الشخصي وخسارات إنسانية مؤثرة، يصعّد هو قوة النص والفن لينتقل، ويستعيد، ويؤثث، ويحيي، ويحيا جذوره، بكل ما يشكله ذلك نفسيًّا من ثبات ورسوخ، حتى يصدق فعلًا في روايته هذه الازدواجية، أنه أصبح درويشًا اسمه هايل صيدام، مهجّر طوعي وقسري في الوقت نفسه من حاضر المخيمات واللجوء العصري وفلسطين المعاصرة المفقودة والممزقة إلى ماضي قرية بيت نبالا، ربما ليس إلا ليصدح بهذه الجملة، الرسالة الروائية، في مشهد جموع أهالي بيت نبالا الهاربة على الأرجح من صدى مذابح دير ياسين والبلح والطنطورة، آن الجرح ذاك ص٦٩: 

«لا تتركوا البلد، ما ينتظركم فظيع ومؤلم، لا تتركوا البلد.. لا تتركوا البلد، دفعني الناس بعيدًا وواصلوا الهروب». 

لكن بينما تذهب صرخة بطل الرواية هناك وتتبدد في الصدى محاولة منع الشتات الفلسطيني اللاحق، فإنها تعايشه بتفاصيله المختصرة: 

انتقلنـا بعـد أشـهر إلى واد منخفـض قـرب مدينـة رام اللـه، حيـث بنـت وكالـة الأمـم المتحـدة للّاجئـين الفلسـطينيين خيامًـا للّاجئــين في هــذا الــوادي، صــار اســم الــوادي مخيــم الجلــزون، والـذي كنـت أعيـش فيـه قبـل سـفرتي اللعينـة، أجلـس في خيمـة كبـيرة في الـوادي مـع العمّـين العظيمـين مصطفـى وسـليمان، نـأكل السرديـن واللبنة الحامضة ونبلع حبوب السمك. ص٧١ 

تدريجيًّا يتحول النص لمرآة شخصية، وهذا نجد بطل الرواية في مشهد مقابلته لنفسه: 

«كنت مستغربًا من هذا المشهد العجيب الذي قُدر لي أن أعيشه، أن أحمل فيه أنا السبعيني نفسي وأنا ابن سنة تقريبًا». ص٨٦ 

هكذا يحدث التقابل الموازي، ليس بين الذات ومرآتها فحسب، بل بين فلسطين وفلسطين نفسها، على ضفتين مختلفتين من الزمن، وكأن الفرد أصبح يمثل أرضه، دون حاجة لمبررات وتسويغات واقعية، فهذا الجسد الحي ليس إلا قطعة من الأرض نفسها، الأرض التي تعيد ولادة نفسها بنفس الاسم: فلسطين. 

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: بطل الروایة هذا العمل وإذا کان أکثر من بما أن

إقرأ أيضاً:

بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

بنك الذهب أم بنك الحرب؟

 قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

عمر سيد أحمد

مقدمة

تداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.

هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.

أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي

1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني

المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.

القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.

2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر

البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.

هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.

بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.

3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين

المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.

4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل

السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.

في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.

5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة

حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:

من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.

هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.

ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًا

أي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.

ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعية

المقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.

1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني

لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:

إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.

أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.

2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي

يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.

3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة

الجهة الدور الضمانة
مجلس إدارة مستقل إدارة العمليات اليومية تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر
البرلمان (لجنة مالية دائمة) رقابة تشريعية ومساءلة سنوية جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة
ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد تدقيق مالي وتقني تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا
هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة)
ممثلو المعدنين وحكومات الولايات مقاعد تصويتية في الشركات الولائية حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية

نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.

4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان

لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:

تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.

5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية

تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًا

قد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.

الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.

خاتمة

مشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.

هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.

* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:[email protected]

يوليو 2026

الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح

مقالات مشابهة

  • الرواية الممزقة.. الدور الكبير للسوفيات في قيام إسرائيل
  • حظك اليوم وتوقعات الأبراج الجمعة 24 يوليو 2026 على الصعيد المهني والعاطفي والصحي
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • حدث فلكي نادر.. هل يمكن مشاهدة اصطدام صاروخ «فالكون 9» بالقمر من الأرض؟
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • تدابير جديدة للتصريح بالعملة عند السفر
  • «سبيتار» يستقطب جراحين من مختلف أنحاء العالم
  • بريطانيا تحذر من السفر إلى دولتين عربيتين إلا للضرورة القصوى.. الأوضاع غير قابلة للتنبؤ