في مثل هذا اليوم من كل عام، تحل ذكرى رحيل الفنان القدير بشارة واكيم، أحد رواد المسرح والسينما المصرية في النصف الأول من القرن العشرين، بعد مسيرة فنية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود قدم خلالها نموذجا فريدا للفنان المثقف الذي جمع بين العمق الفكري والبساطة الشعبية، فخلد اسمه في ذاكرة الفن المصري والعربي كأحد أعمدته الخالدة.

ولد بشارة إلياس يواقيم، المعروف فنيا باسم بشارة واكيم، في حي الفجالة بالقاهرة في الخامس من مارس عام 1890، لعائلة مصرية قبطية، ونشأ في بيئة ثقافية غنية بالتنوع.

تلقى تعليمه في مدرسة الفرير الفرنسية بالخرنفش، كان التعليم آنذاك مقصورا على أبناء الطبقة الراقية، ومع ذلك برز بشارة بطموحه واجتهاده حتى تخرج في كلية الحقوق عام 1917.

رشح بعد تخرجه لبعثة دراسية إلى فرنسا، لكن اندلاع الحرب العالمية الأولى حال دون سفره، فعاد ليعمل محاميا أمام المحاكم المختلطة مترافعا بالفرنسية بطلاقة، وبرغم نجاحه في مهنة القانون، ظل شغف الفن يملأ قلبه، فقرر أن يخلع روب المحاماة وينضم إلى عالم التمثيل.

بدأ بشارة مشواره الفني في فرقة عبد الرحمن رشدي، ثم انتقل إلى فرقة جورج أبيض، حيث شارك في عروض بالعربية والفرنسية على مسرح دار الأوبرا الملكية، واجه حينها رفضا قاسيا من عائلته التي اعتبرت التمثيل لا يليق بمكانتها، وبلغ الخلاف ذروته عندما اضطر إلى حلق شاربه من أجل أحد الأدوار، فطرده أخوه الأكبر من المنزل معتبرا أنه "تخلى عن رمز الرجولة"، فنام بشارة في أروقة المسرح الذي أصبح بعد ذلك بيته الحقيقي ومصدر مجده الفني.

التحق بعد ذلك بفرقة يوسف وهبي (رمسيس)، وكون معه ثنائيا كوميديا ناجحا جعلهما من أكثر الفرق المسرحية جماهيرية في الثلاثينيات، كما تعاون مع منيرة المهدية، قبل أن ينضم إلى فرقة نجيب الريحاني ليشارك في أبرز عروضها، ومنها: قسمتي، الدنيا على كف عفريت، وحسن ومرقص وكوهين.

أجاد بشارة تقليد اللهجة الشامية ببراعة جعلت الكثيرين يظنونه سوري الأصل، لكنه في الحقيقة مصري المولد والنشأة، وقد اكتسب لهجته من جيرانه الشوام في حي الفجالة ومن أسفاره المتكررة إلى بلاد الشام.

ولم يكتف بالمسرح، بل اقتحم عالم السينما منذ بداياتها، فشارك في أول أفلامه "برسوم يبحث عن وظيفة" عام 1923، وهو من أوائل أفلام السينما الصامتة في مصر، ومنذ ذلك الحين، شارك في أكثر من 110 أعمال فنية بين المسرح والسينما، من أشهرها: لعبة الست، لو كنت غني، ليلى بنت الفقراء، قلبي دليلي، غرام وانتقام، سكة السلامة، طلاق سعاد هانم، حلم ليلة، والعقل في إجازة.

تميز واكيم بأدواره الكوميدية الراقية وأدائه الطبيعي، فكان يجمع بين عمق الشخصية وصدق التعبير، ما جعله من رواد التمثيل الواقعي في مصر.

كان بشارة مثقفا واسع الاطلاع، يتقن اللغتين الفرنسية والعربية إتقانا نادرا، ما أهله لترجمة وتعريب عدد من المسرحيات الفرنسية الكلاسيكية، ورغم كونه قبطيا، فقد حفظ القرآن الكريم وقرأ كتب التفسير، ما ساعده على التعمق في أسرار اللغة العربية، كما كتب الشعر الموزون، لكنه رفض نشره، معتبرا إياه “فضاءً خاصا للروح”.

عرف عنه التواضع والهدوء والوفاء لأصدقائه، وكانت تربطه علاقة وثيقة بنجيب الريحاني وظل ملازمه حتى وفاته، ثم رحل بعده بأشهر قليلة، بعدما أصيب خلال مشاركته في مسرحية "الدنيا لما تضحك" بشلل مؤقت لم يثنه عن عشقه للمسرح؛ إذ قال لطبيبه: "اسمحوا لي أن أزور المسرح كل يوم، فوجودي بين الجمهور هو علاجي".

تحسنت حالته لفترة وجيزة، إلى أن وافته المنية في 30 نوفمبر عام 1949 عن عمر ناهز 59 عاما، وهو يحمل نصا جديدا لمسرحية كان يستعد لتقديمها، تاركا وراءه مسيرة فنية وإنسانية خالدة.

رحل بشارة واكيم جسدا، لكنه ترك إرثا فنيا خالدا يتجاوز حدود الزمن، فهو الفنان المثقف، والمحامي الذي أصبح ممثلا، والمصري الذي جمع بين الفن والمعرفة، والإنسان الذي جسد معنى الإصرار والعطاء، سيظل اسمه شاهدا على مرحلة ذهبية من تاريخ الفن المصري والعربي.

طباعة شارك ذكرى رحيل الفنان القدير بشارة واكيم أحد رواد المسرح والسينما المصرية نموذجا فريدا للفنان المثقف ذاكرة الفن المصري والعربي

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: بشارة واکیم

إقرأ أيضاً:

مفاجأة جديدة في صفقة محمد صلاح.. ما الذي حدث داخل مفاوضات بشكتاش؟

شهدت مفاوضات انتقال النجم المصري محمد صلاح إلى صفوف بشكتاش التركي تطورات جديدة بعدما نجحت إدارة النادي في تجاوز إحدى أبرز العقبات التي عطلت إتمام الصفقة خلال الأيام الماضية لتصبح المفاوضات أقرب من أي وقت مضى إلى مراحلها النهائية.

انفراجة في المفاوضات

ووفقا لما أوردته صحيفة "فاناتيك" التركية فإن رامي عباس وكيل أعمال محمد صلاح أبدى مرونة خلال المفاوضات ووافق على تخفيض مطالبه المالية الخاصة بعمولة الصفقة وهي النقطة التي كانت تمثل الخلاف الرئيسي بين الطرفين وأدت إلى تجميد المحادثات مؤقتا.

وأضافت الصحيفة أن هذه الخطوة أعادت المفاوضات إلى مسارها الطبيعي حيث بدأت إدارة بشكتاش في تجهيز العقود الرسمية تمهيدا للوصول إلى اتفاق نهائي مع ممثلي اللاعب خلال الفترة المقبلة.

اجتماع حاسم لإنهاء الصفقة

وأشارت التقارير إلى أن مسؤولي بشكتاش حددوا موعدا لاجتماع مرتقب مع رامي عباس من أجل إنهاء التفاصيل النهائية للعقد وحسم البنود المتبقية قبل الإعلان الرسمي عن انضمام قائد منتخب مصر إلى النادي التركي.

وكان بشكتاش قد توصل في وقت سابق إلى اتفاق مبدئي مع محمد صلاح بشأن الشروط الشخصية، يقضي بتوقيع عقد يمتد لموسمين مقابل راتب سنوي يبلغ نحو 12 مليون يورو إلا أن الخلاف حول عمولة وكيل اللاعب أدى إلى تأجيل إتمام الصفقة.

وتتمسك إدارة النادي التركي بالاتفاق المالي الذي تم التوصل إليه مع اللاعب في ظل رغبتها في إغلاق الملف دون تحمل أي أعباء مالية إضافية، وهو ما يجعل الاجتماع المقبل حاسما في تحديد مصير الصفقة.

اهتمام واسع بصفقة صلاح

ولم تقتصر أصداء الصفقة على الجانب الرياضي إذ حظيت باهتمام واسع داخل تركيا، في ظل المكانة الكبيرة التي يتمتع بها محمد صلاح على المستويين الفني والتسويقي.

وبحسب تقارير صحفية تركية فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتابع تطورات المفاوضات بشكل مستمر، وطلب من رئيس نادي بشكتاش سردال أدالي اطلاعه على آخر المستجدات في ظل القناعة بأن التعاقد مع نجم بحجم صلاح سيمنح الدوري التركي دفعة كبيرة على الصعيدين الجماهيري والإعلامي.

وفي الوقت نفسه، يواصل المدير الفني الإيطالي فينتشينزو إيطاليانو جهوده لإقناع النجم المصري بالمشروع الرياضي للنادي بعدما عقد جلسات معه استعرض خلالها رؤيته الفنية والدور المنتظر لصلاح باعتباره الركيزة الأساسية وقائد المشروع الجديد لبشكتاش حال إتمام الصفقة.

طباعة شارك محمد صلاح بشكتاش منتخب مصر بشكتاش التركي

مقالات مشابهة

  • ما الذي نعرفه عن أحداث بلدة تل في نابلس بالضفة الغربية؟
  • كتاب يوثّق رحلة الحرف العربي ورواده في قطر
  • سوزان نجم الدين: مستحيل أعتزل الفن.. وبعد أولادي عني خير
  • مفاجأة جديدة في صفقة محمد صلاح.. ما الذي حدث داخل مفاوضات بشكتاش؟
  • برلماني: ثورة يوليو أرست دعائم الدولة الحديثة ورسخت قيم العدالة الاجتماعية
  • نظرية الميزان.. حوار في العدالة والقرآن والعقد الاجتماعي (٢)
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • ناقد فني: الأفلام لا تصنع العنف.. الفن يعكس المجتمع
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه