برغم القانون تجربة متواضعة أنقذها الشرير المحبوب
تاريخ النشر: 24th, October 2024 GMT
نجح مسلسل "برغم القانون" في أن يظل الأعلى مشاهدة عبر منصة "واتش إت" لمدة تجاوزت 3 أسابيع، ومع عرض الحلقة الأخيرة لا يزال يتربّع على عرش الأكثر تداولا وإثارة للجدل على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، بسبب رتم الحبكة السريع والأحداث المتلاحقة وكثرة المفاجآت رغم عادية قصته وتواضع المستوى التمثيلي من غالبية طاقمه، فهل كان يستحق أن يُروى طوال 30 حلقة؟
بين التقليد والمقارناتتدور أحداث "برغم القانون" حول ليلى "إيمان العاصي" المحامية مع إيقاف التنفيذ، ابنة مدينة بورسعيد، التي تستيقظ بين ليلة وضحاها تجد أن زوجها أحمد "محمد القس" اختفى تماما بكل ما يُستدل عليه من أوراق ثبوتية وتركها مع طفلين وثالث بالطريق.
ومع مرور الوقت، تكتشف أن زوجها يحمل اسما وحياة آخرين وله تاريخ سابق من الجرائم غير المتوقعة، لكن الأسوأ أنه ينفي كل ما يربطه بها ويزوّر الأوراق والتحاليل مما يحول بينها وبين إثبات نسب أولادها أو نفى تهم التزوير عن نفسها ويدفعها لمحاولة الانتصار عليه بالقانون مرات ومرات أخرى بالانتقام.
تبدو القصة عادية أو ربما مكررة، فهي تبدو كمجموعة من القصاصات المجمّعة من هنا وهناك. تخرج البطلة من كلية القانون دون أن تمارس المهنة، ثم تعود للعمل في المحاماة بعد اختفاء زوجها، مما يذكرنا بشخصية هند صبري في مسلسل "مفترق طرق". بالإضافة إلى ذلك، كونها امرأة من دون زوج تعيش في مدينة ساحلية وتعتني بأطفالها، يعيد إلى الأذهان دور منى زكي في مسلسل "تحت الوصاية".
كل هذا لم يمنع الجمهور من المتابعة خاصة مع قدر الأحداث المثيرة اليومية، لكنه وضع البطلة إيمان العاصي والعمل ككل في مأزق المقارنة.
والله مسلسل برغم القانون جامد مشكلته بس ان كل الممثلين اللي فيه مبيعرفوش يمثلو
— Gehad mahmoud (@dentgehadz) October 15, 2024
دراما المرأة ضد القانونخلال السنوات الأخيرة انتشرت المسلسلات الدرامية التي تتمحور حول قضايا نسائية تُشير إلى مشكلات بعضها مجتمعية والبعض الآخر يعود إلى عوار قوانين مُجحفة تترك النساء المصريات مُعلقات بين المطرقة والسندان، من أشهر تلك الأعمال مسلسل "ليه لأ" بمختلف أجزائه، ومسلسل "فاتن أمل حربي"، ومسلسل "تحت الوصاية".
وقد حققت تلك المسلسلات نجاحا ملحوظا بالفعل، للدرجة التي دفعت المجلس الأعلى للمرأة للبحث عن حلول مُطالبا بتعديل بعض القوانين في ما يتعلق بوصاية المرأة المالية على أولادها بعد وفاة الزوج أو حقها في الولاية التعليمية لأولادها بعد الطلاق أو شروط التبني لغير المتزوجات. وبمجرد طرح "برغم القانون" بدأت المقارنات والتساؤل عما إذا كان العمل سيحقق نجاحات المسلسلات الأخرى نفسها.
على مستوى القضايا سلّط المسلسل الضوء بالفعل على مشكلات مهمة، من بينها تزوير وثائق الزواج وما يترتب على ذلك من أطفال مجهولي النسب، وأحقية المرأة باستخراج شهادة ميلاد بحال غياب الزوج أو رفضه توثيق ذلك. أما فنيا، فرغم جماهيرية العمل الطاغية، فإنه حمل الكثير من العيوب التي لا يمكن السكوت عنها، أهمها:
اختيار الممثلينوقع مخرج العمل في فخ النمطية حين قرر اختيار بعض أبطال المسلسل وتسكينهم بأدوارهم المعتادة، على سبيل المثال اللجوء إلى وليد فواز لأداء دور الزوج البخيل وغير المحتمل، ورحاب الجمل للعب الزوجة الناقمة على حياتها، لكن لحسن الحظ نجح الثنائي في ما قدماه سويا وجرى بينهما انسجام واضح جعل مشاهدهما مما ينتظره المتفرج.
وبخلاف النمطية كانت هناك بعض الاختيارات الأخرى غير الموفقة، على رأسها شادي مقار في دور خالد، الذي لم يُجد التعبير عن انفعالات الشخصية واكتفى بجمل حوارية شبه ثابتة وبالتعبيرات نفسها طوال الحلقات، في حين فشل هاني عادل في اكتساب تعاطف الجمهور أو محبتهم رغم أهمية دوره وطالته اتهامات بالبرود والجمود.
أما البطولة النسائية فلا يمكن إنكار محاولات إيمان العاصي للاجتهاد والتركيز ببطولتها الدرامية الأولى، لكنها لم ترتق لأداء نجمات أخريات سبقنها بالتجربة مثل منى زكي أو منة شلبي، حتى أن الجمهور عاب عليها تقديم انفعالات شخصية تمر بمصائب غير محتملة آخرها وفاة والدها دون أن تذرف دمعة واحدة، مما وضع حاجزا نفسيا وعاطفيا بينها وبين المشاهد. كذلك جاء أداء فرح يوسف مخيبا للآمال بعد تمثيلها الاستثنائي رمضان الماضي بمسلسل "لأعلى نسبة مشاهدة".
ورغم أن بطولة العمل الرئيسية نسائية تتصدرها العاصي، فإن ذلك لم يمنع أن يأتي الأداء الأفضل من الممثلين الذكور، مثل إيهاب فهمي الذي أجاد دور "شعبان" المحامي بلا ضمير وصاحب الألاعيب القذرة للوصول لمبتغاه، كذلك تفوق محمد محمود عبد العزيز الذي فاجأ الجميع بشخصية "محمود شرشر" صاحب محلات العصير الذي يحلم بالإنجاب ويحاول جاهدا مساعدة من حوله لكن تُسقطه سذاجته بالوحل.
عجبني أوي تمثيل رحاب الجمل في مسلسل برغم القانون حقيقي رهيبة و شاطرة أوي
— ???????????????????????? (@menna_khaled66) October 19, 2024
جدير بالذكر أن محمد محمود عبد العزيز قدّم أكثر من مشهد درامي باحتراف ونجح بنقل مشاعره للجمهور عبر لغة الجسد والعيون والملابس وطريقة نطق الكلمات، الأمر الذي جعله يحصد إشادات عديدة من الجمهور والنقاد.
ويبقى الأفضل والأكثر إثارة للدهشة هو الممثل السوري محمد القس، ومع أن بعض المشاهدين أعربوا عن استيائهم بالبداية لإسناد الدور لممثل غير مصري، في حين اقترح آخرون أسماء بديلة على رأسها طارق لطفي، فإن القس أجاد دوره ببراعة رغم كونه مركبا ويحمل العديد من الانفعالات المتناقضة مع كل ما تعانيه شخصيته من اضطرابات نفسية وصدمات بالطفولة أثرّت عليه وجعلته يصبح تارة مجرما عتيدا وتارة أخرى أبا حنونا وأحيانا طفلا منكسرا متخما بالغضب.
كل هذا التألق جعل المشاهدين ينتظرون ظهوره على الشاشة لمعرفة ما في جعبته من أفكار شريرة دون أن يتمكنوا من منحه كراهيتهم الخالصة، خاصة أنه على مستوى الكتابة أفضل شخصية جرى تقديمها وكشف دوافعها، لكل ما سبق ورغم عدم انتهاء العمل بعد من العرض فإن القس نجح في اقتناص جائزة أفضل ممثل بمهرجان نجم العرب عن دور "أكرم/أحمد" بمسلسل "برغم القانون".
الحمدلله .. اشعر بالخجل أن أشارك المديح .. إلا أنه من واجبي أن أشارككم الفرحة ..و أشارككم بعض مما تفضل به علي النقاد الفنيين في الوسط الفني المصري ..و المؤثرين في الفيس بوك و المتابعين و الجمهور عن مسلسل #برغم_القانون. الذي مازال متصدرا اعلى مشاهدة منذ 3 اسابيع في مصر .
????❤️
1️⃣ pic.twitter.com/FqY94dUsC7
— محمد القس (@malqass) October 2, 2024
حالة من النجاح الكبير يحققها الممثل محمد القس في الدراما المصرية بتميزه وتألقه في مسلسل #برغم_القانون..
كل من يتابع الدراما المصرية يعرف أن الدخول فيها _لغير الممثلين المصريين _صعب فما بالك بالتألق فيها وهذا مافعله القس بدءً من مشاركته الأولى في مصر من خلال مسلسل موضوع عائلي… pic.twitter.com/iywKCJkEG9
— أحمد العياد (@aal3yyad) October 10, 2024
ثغراتبجانب عيوب التمثيل، ظهر عيب آخر أكثر فجاجة، هو وجود العديد من الثغرات والأحداث غير المنطقية بالحبكة، من بينها عدم تغيير البطلة لبطاقتها الشخصية من آنسة إلى متزوجة طوال 10 سنوات، وعدم الاستدلال بشهود من بلدتها لإثبات علاقتها بزوجها أو وجوده مع أسرته كل تلك المدة.
والأهم هو الإصرار على اللجوء إلى البحث سواء عن زوجها أو تابعيه عبر السجلات المدنية دون اللجوء للتكنولوجيا ومنصات التواصل التي باتت تسهل الوصول للآخرين، خاصة أن زوجته الأخرى مؤثرة من المشهورين عبر الإنترنت، بالإضافة إلى ارتكاب أخطاء شديدة السذاجة يجب ألا تصدر عن محامية مُلمة بالقانون أو شرطي سابق.
بورسعيد تسرق العين والأضواءيظل أجمل ما جاء بالمسلسل هو الإخراج والتصوير الخلاب سواء الخارجي أو الداخلي والكادرات الواسعة التي نقلت جمال الطبيعة وأعادت بروز مدينة سياحية ومهمة بحجم بورسعيد.
وهو إنجاز متوقع من المخرج شادي عبد السلام الذي قد يكون في بدايات مراحله الفنية بالإخراج المنفرد، لكنه سبق أن عمل مساعد مخرج بمسلسلات مهمة مثل "أفراح القبة" و"بدون ذكر أسماء" و"تحت السيطرة" وأفلام مثل "فتاة المصنع" مما أتاح له التعاون مع كبار المخرجين.
"برغم القانون" مسلسل اجتماعي يستحق المتابعة لجاذبية المادة الدرامية التي قدمها للمشاهد والتصاعد المثير الذي نجح صانعوه بالحفاظ عليه من الحلقة الأولى وحتى النهاية، وإن كان من الأفضل لو جرى تكثيف محتواه إلى 15 حلقة عوضا عن 30 حلقة كما جرى.
المسلسل قصة ريمون مقار وسيناريو وحوار نجلاء الحديني وإخراج شادي عبد السلام، أما البطولة فجماعية أسندت إلى إيمان العاصي، محمد القس، هاني عادل، وليد فواز، رحاب الجمل، محمد محمود عبد العزيز، جوري بكر، عايدة رياض، نبيل على ماهر، إيهاب فهمي وآخرين.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات إیمان العاصی برغم القانون محمد القس فی مسلسل
إقرأ أيضاً:
هل يصمد الطرب زمن الخوارزميات؟ قراءة في تجربة لطفي بوشناق
لا شكّ في أنّ المنصّات الرقمية والخوارزميات تعيد تشكيل علاقة الجمهور بالموسيقى وتحديدا الطرب، خاصّة وأنّها قد غيّرت معايير الانتشار في ظلّ هيمنة الثّقافة الاستهلاكيّة وظهور أنماط موسيقيّة أخرى أكثر انسجاما مع منطق المنصّات و"التّرند".
ولكن هذا التحوّل لا يعني بالضّرورة أنّ الأغنية الطّربيّة قد فقدت قدرتها على استقطاب الجمهور. فيوجد دائما التّجارب الاستثناء التي يمكن أن تكون مرجعا في صمود الطرب والمحافظة على مكانته وفي مقدّمتها تجربة الفنان التونسي لطفي بوشناق: أحد أبرز الأصوات التي ارتبطت بالذاكرة الغنائية العربيّة. وهي تجربة جديرة بالتأمّل لنفهم كيف يمكن للفنّان المحافظة على مكانته وجماهيريته في عصر تعيد فيه الخوارزميات تشكيل الذائقة الموسيقية وتفرض معايير جديدة للانتشار؟
اللاّمرئي في تجربة لطفي بوشناق
لا يُختزل شغف لطفي بوشناق بالموسيقى في حضوره الآسر على المسرح، حيث يمسرح الكلمة ويمنحها بعدا دراميا يجعل الأغنية تبدو وكأنها قضيته الشخصية بل يتجلّى أيضا في ذلك الفضاء الخفيّ الذي تتشكّل فيه أعماله قبل أن تصل إلى الجمهور. في خلوته الإبداعية، حيث ترافقه آلاته الموسيقية ونوتاته ومسودات أغان جديدة وتسجيلات لأعمال لم ترَ النور بعد. هناك نرى صورة أخرى للفنان. وهناك أدركنا أنّنا لا نزور مكتب موسيقي فحسب بل أرشيفا حيّا لتجربة امتدت أكثر من أربعة عقود. في كل زاوية تتراكم الكؤوس والدروع والشهادات والجوائز، حتى يخال الزائر أنه في متحف صغير. غير أنّ أكثر ما يلفت الانتباه ليس هذا الرصيد من التكريمات، وإنما ذلك العدد الكبير من الأغاني المسجّلة والمصوّرة التي بقيت حبيسة الأدراج، رغم اكتمالها الفني.
استطاع بوشناق أن يزاوج بين المقامات العربية التقليدية والإنشاد الصوفي والموشحات وبعض التوزيعات الموسيقية الحديثة في أسلوب لا يشعر معه المستمع بأي تعارض بين الأصالة والتجديد بل يلمس انسجاما يجعل الحداثة امتدادا للتراث لا قطيعة معه.لا يعود ذلك إلى تراجع في الإنتاج أو فتور في الإبداع، بل إلى اختلالات في منظومة الإنتاج والتوزيع والبث وإلى خيارات إعلامية انحازت منذ سنوات إلى أنماط موسيقية أكثر انسجاما مع منطق السوق والمنصات على حساب الأغنية الطربية. ومع ذلك، كان بوشناق يتحدث عن كل مشروع جديد بالحماسة نفسها التي يتحدث بها فنان في بداية الطريق، لا صاحب تجربة تجاوزت أربعين عاما.
وربما يكمن هنا أحد أسرار استمرارية هذه التجربة: فالعلاقة التي تربط بوشناق بالموسيقى ليست علاقة مهنة بفن، وإنما علاقة وجودية تجعل الغناء جزءا من إيقاع حياته اليومية لا مجرّد منتج يقدّمه إلى الجمهور. لذلك يبدو شغفه متجدّدا، غير خاضع لحسابات السوق أو لمنطق الانتشار السّريع وهو ما يفسّر، في المقابل، ذلك الوفاء النادر الذي يحظى به من جمهوره. فالفن الذي يمارس بالشغف له قدرة لا حدّ لها على بناء علاقة طويلة الأمد مع المتلقّي حتى في زمن تتبدّل فيه الأذواق بسرعة وتعيد فيه المنصات الرقمية رسم خرائط النجاح والانتشار.
الكلمة قضيّة..!
لم يتعامل لطفي بوشناق مع الأغنية بوصفها "سلعة" تخضع لمنطق السوق، بل بوصفها رسالة فنية وإنسانية تقوم على التّكامل بين الكلمة واللحن والأداء. لذلك يصعب أن نعثر في رصيده على أعمال تقوم على عبارات مستهلكة أو كلمات أُنتجت فقط لإرضاء ذائقة عابرة أو لمجاراة ما تفرضه الخوارزميات. ولعلّ هذا ما يفسّر استمرار تداول أغانيه عبر الأجيال، في الوقت الذي تختفي فيه عشرات الأغنيات حققت ملايين المشاهدات وذلك بمجرد انتهاء موجة "الترند". فتستطيع الخوارزميّة نشر أغنية لكنّها لا تستطيع أن تضمن لها مكانا في الذاكرة. وتستطيع نسب المشاهدات ان تفرضها على المتلقي ولكنها لا تستطيع أن تضفي عليها قيمة تخلّدها.
ولذلك ظلّ بوشناق حريصا على التعاون مع شعراء هم بدورهم أصحاب مشاريع فنية ثقافيّة من بينهم آدم فتحي وصلاح الدين بوزيان وفيصل الشريف وغيرهم في دلالة على أنّ بحثه كان دائما عن الكلمو قبل البحث عن الأغنية. ولنتأمّل مثلا أغنية "أنا المواطن"، من كلمات آدم فتحي، التي يقول فيها:" فأنا مواطن ينام جائعًا حتى يطعم الوطن.. أنا المواطن المنسي في الدفاتر، المقتول في المقابر."لقد تحوّلت هذه الكلمات إلى شهادة فنية على مرحلة كاملة من التاريخ التونسي، حتى إنّ بوشناق لم يتمالك نفسه أثناء أدائها في إحدى الحفلات وبكي وأبكى معه الجمهور. لتتحوّل لحظة الغناء إلى لحظة وجدانية جماعية امتزج فيها صوت الفنان بمشاعر الجمهور. فأصبحت الأغنية ذاكرة مشتركة تعبّر عن وجدان الناس.
وحتى في أغاني الحب، لا ينفصل الغزل عند بوشناق عن الانتماء. ففي أعمال مثل "إنت شمسي إنت" و"ريتك ما نعرف وين" تمتزج صورة المرأة بصورة الوطن ويصبح الحنين إلى الحبيبة امتدادا للحنين إلى الأرض. فلا يقدر المستمع لها الفصل بين الحب الفردي والانتماء الجمعي وكأنّ الوطن هو الشرط الأول لاكتمال تجربة الحب ذاتها.
والمثير للانتباه أنّ هذا الحرص على اختيار الكلمة المعبّرة الحاملة لمعنى لا يغيب حتى في الأغنية الشعبية كما في كلمات أغنيته:"كيف شبحت خيالك... لا وسع لا بالك... قلبي نقز مالضلوع مشالك."إنها لغة بسيطة لكنها مشحونة بصورة شعرية تمنحها قدرة على النفاذ إلى ذاكرة المستمع.
أسهم بوشناق بنفسه في تلحين جزء مهم من أعماله كما انفتح على تجارب موسيقية عربية مختلفة من خلال تعاونه مع أسماء بارزة مثل أنور إبراهيم في أغنية "ريتك ما نعرف وين" وسيد مكاوي وفتح الله أحمد من العراق وأحمد فتحي من اليمن بما يعكس إيمانه بأن التجديد يتحقّق بالحوار مع تجارب موسيقية متعدّدة.ويمتد هذا الاختيار الواعي للكلمة إلى القضايا القومية والإنسانية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي حضرت في أعمال مثل "وأمّتاه" من كلمات الشاعر الليبي فيصل الشريف، و"نشيد القدس" و"سهول فلسطين" و"من تونس للقدس" و"خليك صامد يا فلسطيني" فالفنان هنا لا يكتفي بالتعبير عن مشاعره الشخصية، بل يجعل من الأغنية خطابا يتجاوز الذات ليعبّر عن همّ جماعي وهو ما يمنح العمل قابلية للاستمرار خارج زمن إنتاجه.يصنع التّرند شهرة مؤقتة، أما المعنى فيصنع ذاكرة.
اللّحن جزء من هويّة فنيّة
إذا كانت الكلمة هي الحامل الأوّل للمعنى في تجربة لطفي بوشناق، فإن اللّحن هو الوسيط الذي يفعّل ذلك المعنى. وقد أسهم بوشناق بنفسه في تلحين جزء مهم من أعماله كما انفتح على تجارب موسيقية عربية مختلفة من خلال تعاونه مع أسماء بارزة مثل أنور إبراهيم في أغنية "ريتك ما نعرف وين" وسيد مكاوي وفتح الله أحمد من العراق وأحمد فتحي من اليمن بما يعكس إيمانه بأن التجديد يتحقّق بالحوار مع تجارب موسيقية متعدّدة. وتنوّع الملحنين هو جزء من مشروع موسيقي يقوم على تطوير اللغة اللحنية دون التفريط في الهوية الطربية.
ولذلك استطاع بوشناق أن يزاوج بين المقامات العربية التقليدية والإنشاد الصوفي والموشحات وبعض التوزيعات الموسيقية الحديثة في أسلوب لا يشعر معه المستمع بأي تعارض بين الأصالة والتجديد بل يلمس انسجاما يجعل الحداثة امتدادا للتراث لا قطيعة معه.
يتبيّن من خلال تجربة لطفي بوشناق أنّ ما يصمد ليس ما نجحت الخوارزمية في الترويج له، بل ما نجح في أن يصبح جزءا من الوجدان الجمعي.فلهذا السبب لا يزال بوشناق، بعد أكثر من أربعة عقود، قادرا على ملء المسارح واستقطاب أجيال لم تعاصر بداياته. ففي عصر تتنافس فيه الأغاني على خطف ثوان من انتباه المتلقي يخلد من ينجح في مخاطبة الانسان وليس من يتقن منطق الخوارزمية.