من المتوسط إلى آسيا.. كيف يوظف الكيان الصهيوني شبكة التحالفات لإعادة هندسة المنطقة ؟
تاريخ النشر: 23rd, February 2026 GMT
يمانيون | تقرير
تتسارع خلال السنوات الأخيرة ملامح مشروع إقليمي واسع يسعى الكيان الصهيوني إلى ترسيخه عبر بناء شبكة تحالفات متعددة الاتجاهات تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة لفلسطين المحتلة.
وفي هذا السياق برزت تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو التي تحدث فيها عن منظومة تحالفية تمتد من شرق المتوسط إلى آسيا، في إطار رؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل الفضاء الإقليمي سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
هذه الرؤية تعكس تحوّلاً من الاعتماد الحصري على التحالف مع الولايات المتحدة إلى محاولة بناء شبكة أوسع من الشراكات القادرة على تثبيت الهيمنة طويلة الأمد واحتواء قوى المقاومة في المنطقة.
تحالف متعدد الأضلاع وإعادة تعريف الجغرافيا السياسية
تشير تصريحات نتنياهو إلى توجه نحو إنشاء محور متعدد الأطراف يضم دولاً على ضفاف شرق المتوسط مثل اليونان وقبرص، إلى جانب دول عربية وإفريقية وآسيوية، مع إبراز الهند كأحد أهم الشركاء المحتملين.
هذا التوجه يعكس انتقال المشروع الصهيوني من نطاق التحالفات الثنائية المحدودة إلى بناء منظومة إقليمية متشابكة تقوم على المصالح الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، ما يسمح بتجاوز الطوق الجغرافي والسياسي المفروض على الكيان منذ عقود.
الحديث عن رؤية مشتركة للتحديات والأهداف بين هذه الدول يكشف محاولة لتأسيس بيئة سياسية تعتبر المصالح الصهيونية جزءاً من منظومة الاستقرار الإقليمي، وهو تحول نوعي في الخطاب السياسي يسعى إلى تطبيع الوجود الصهيوني بوصفه مكوناً طبيعياً في توازنات المنطقة.
سياسة المحاور كأداة للهيمنة وتقسيم الإقليم
في طرح نتنياهو، يظهر تقسيم المنطقة إلى محاور “راديكالية” سنية وشيعية، وهو توصيف يحمل دلالات سياسية تتجاوز مجرد التصنيف الأمني، ليعكس استراتيجية قائمة على إدارة التناقضات الداخلية في العالمين العربي والإسلامي.
هذا التقسيم يخدم قاعدة “فرق تسد”، إذ يسمح بإعادة توجيه بوصلة الصراعات داخل الإقليم بعيداً عن الصراع المركزي مع الاحتلال، ويؤدي إلى تكريس عزلة الشعوب والقوى المناهضة للمشروع الصهيوني عن بعضها البعض.
كما أن استخدام هذا الخطاب يمنح الكيان هامشاً أوسع للتحرك كطرف “وسيط” أو “شريك استقرار”، رغم استمراره في تبني سياسات توسعية وعدوانية، ما يبرز التناقض بين الخطاب والممارسة في الاستراتيجية الصهيونية.
أدوات إعادة تشكيل البيئة الإقليمية
المشروع المطروح لا يقتصر على التحالفات السياسية، بل يعتمد على حزمة متكاملة من الأدوات تشمل التعاون التكنولوجي والاقتصادي والأمني.
فالتقارب مع الهند مثلاً يحمل أبعاداً استراتيجية تتعلق بالتكنولوجيا العسكرية، والأمن السيبراني، والتبادل التجاري، ما يعزز قدرة الكيان على بناء عمق استراتيجي خارج محيطه المباشر.
وفي السياق ذاته، يتقاطع هذا التوجه مع ما يروج له في الأوساط الأمريكية والصهيونية تحت مسمى “الإبراهيمية”، التي تقدم كإطار للتعاون الإقليمي لكنها عملياً تشكل مظلة سياسية وثقافية لتكريس التطبيع وإعادة صياغة العلاقات في المنطقة بما يحفظ التفوق الصهيوني على المدى البعيد.
مفارقة الاستهداف المتزامن للحلفاء والخصوم
رغم الحديث عن شراكات وتحالفات، تكشف التجارب الإقليمية أن الكيان الصهيوني لا يستثني أي طرف من دائرة الاستهداف الاستراتيجي.
فالجهات التي قد تتقاطع معه في ملفات محددة أو تشارك في ترتيبات أمنية واقتصادية تبقى عرضة لإعادة التوظيف أو الضغط وفق مقتضيات المصالح الصهيونية، ما يجعل مفهوم “الشراكة” في هذه المنظومة قائماً على عدم التكافؤ.
هذه المفارقة تعكس طبيعة المشروع الذي يسعى إلى إدارة الإقليم لا الاندماج فيه، وإلى توظيف التحالفات كوسيلة لضبط البيئة الاستراتيجية المحيطة وليس كغاية تعاونية متبادلة.
ختاماً
تظهر قراءة التصريحات والتحركات المرتبطة بها أن الكيان الصهيوني يتجه نحو مرحلة جديدة من هندسة الإقليم عبر شبكة تحالفات عابرة للجغرافيا، مدفوعة بدعم أمريكي وساعية إلى استثمار الانقسامات الداخلية في العالمين العربي والإسلامي.
ويؤكد هذا المسار أن الصراع لم يعد محصوراً في بعده العسكري المباشر، بل بات يمتد إلى مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا وبناء المنظومات الإقليمية، ما يجعل فهم طبيعة هذه التحالفات وتداعياتها عاملاً أساسياً في استشراف مستقبل التوازنات في غرب آسيا ومسارات الصراع فيها.
المصدر
المصدر: يمانيون
كلمات دلالية: الکیان الصهیونی
إقرأ أيضاً:
إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
ميرغني الحبر/ المحامي
لم تعد الأحزاب السياسية في القرن الحادي والعشرين تعمل بالوسائل التي نشأت بها في منتصف القرن الماضي. فقد أحدثت الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتطور وسائل الاتصال، ومنصات التواصل الاجتماعي، تحولاً عميقاً في طبيعة العمل السياسي، وأعادت تعريف العلاقة بين الحزب والمواطن، وبين القيادة والعضوية، وبين المعرفة وصناعة القرار.
وفي المقابل، ما تزال غالبية الأحزاب السودانية، على اختلاف مدارسها الفكرية وتوجهاتها السياسية، تعمل بهياكل وأساليب تنظيمية تعود إلى عقود مضت، تعتمد على الاجتماعات التقليدية، والقيادة الهرمية، وضعف توظيف التكنولوجيا في الإدارة، ومحدودية مشاركة القواعد في صناعة القرار.
ومن هنا يبرز سؤال يفرض نفسه بإلحاح، خاصة في ظل ما يمر به السودان من مرحلة إعادة بناء بعد الحرب: هل يحتاج السودان إلى مجرد أحزاب جديدة تحمل أسماء مختلفة، أم أنه يحتاج إلى جيل جديد من الأحزاب، يختلف في فلسفته، وأدواته، وبنيته المؤسسية، وقدرته على الاستجابة لمتطلبات العصر؟
إن الحديث عن جيل جديد من الأحزاب لا يقتصر على استخدام الوسائل التقنية الحديثة، ولا يعني مجرد استبدال الأوراق بالشاشات، أو الاجتماعات الحضورية بالاجتماعات الافتراضية. فالتحول الحقيقي يبدأ بإعادة تعريف الحزب نفسه، باعتباره مؤسسة وطنية تتخذ قراراتها على أساس المعرفة، وتدير شؤونها بالمؤسسية، وتستثمر التكنولوجيا لتعزيز المشاركة والشفافية والكفاءة. ومن هذا المنطلق تبرز فكرة “الحزب الذكي” باعتبارها أحد أهم نماذج الأحزاب التي يمكن أن تستجيب لتحديات المستقبل.
الحزب الذكي… ليس حزباً افتراضياًحين نتحدث عن “الحزب الذكي”، فإننا لا نعني حزباً يعمل عبر الإنترنت فقط، ولا تنظيماً افتراضياً يفتقد حضوره في المجتمع.
بل نعني حزباً يوظف التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي لبناء مؤسسة سياسية أكثر كفاءة وشفافية وقدرة على خدمة المواطنين، فيجمع بين الحضور الميداني الفاعل والإدارة الرقمية الحديثة، ويجعل التكنولوجيا وسيلة لتعزيز الديمقراطية، لا بديلاً عن العمل السياسي المباشر.
أولاً: العضوية الرقميةلم يعد من المقبول أن تعتمد الأحزاب على سجلات ورقية أو قواعد بيانات غير محدثة.
فالحزب الحديث ينبغي أن يمتلك نظاماً رقمياً متكاملاً لإدارة العضوية، يتيح التسجيل الإلكتروني، وتحديث البيانات بصورة مستمرة، وإصدار بطاقات عضوية رقمية، مع ضمان أمن المعلومات وحماية خصوصية الأعضاء.
ولا تقتصر أهمية ذلك على تسهيل الإدارة، وإنما تمتد إلى تحسين التخطيط، ومعرفة التوزيع الجغرافي والمهني للعضوية، والاستفادة من خبراتها في مختلف مجالات العمل الحزبي.
ثانياً: الديمقراطية الرقميةيمكن للتكنولوجيا أن تعيد الحيوية إلى الحياة الحزبية.
فبدلاً من انتظار المؤتمرات العامة التي قد تنعقد كل عدة سنوات، يستطيع الحزب تنظيم انتخابات داخلية إلكترونية، وإجراء استفتاءات واستطلاعات رأي حول القضايا المهمة، بما يوسع دائرة المشاركة، ويعزز شعور الأعضاء بأنهم شركاء حقيقيون في صناعة القرار.
ثالثاً: الحزب الذي يصنع قراراته بالمعرفةأصبحت البيانات في عالم اليوم مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الموارد المالية أو البشرية.
ولهذا فإن الحزب الذكي لا يبني مواقفه على الانطباعات أو ردود الأفعال، وإنما يعتمد على الدراسات والإحصاءات، واستطلاعات الرأي، وتحليل احتياجات المجتمع، والاستفادة من الخبراء والمتخصصين في مختلف المجالات.
فالسياسة الحديثة لم تعد مجرد فن للخطابة أو الحشد الجماهيري، بل أصبحت علماً يقوم على المعرفة والتحليل والتخطيط.
رابعاً: الذكاء الاصطناعي في خدمة السياسةلا يعني استخدام الذكاء الاصطناعي أن تحل الآلات محل الإنسان في اتخاذ القرار السياسي، وإنما أن تصبح أداة تساعد على تحليل المعلومات، ودراسة البدائل، وتقييم آثار السياسات العامة، وإعداد التقارير، واختصار الوقت والجهد.
أما القرار النهائي، فيظل مسؤولية الإنسان، لأنه وحده القادر على الموازنة بين القيم والمصالح والاعتبارات الوطنية والأخلاقية.
خامساً: مراكز التفكير وصناعة السياساتالحزب الذي يطمح إلى قيادة دولة حديثة لا يمكن أن يكتفي باللجان التنظيمية التقليدية.
إنه يحتاج إلى مراكز دائمة للبحوث والدراسات، تضم خبراء في الاقتصاد والقانون والتعليم والزراعة والصحة والإدارة والبيئة والتحول الرقمي وغيرها من المجالات، حتى تصبح برامجه وسياساته مبنية على المعرفة والخبرة، لا على الاجتهادات الفردية أو ردود الأفعال الآنية.
سادساً: الشفافية الرقميةالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي حزب سياسي.
ولهذا ينبغي أن يتيح الحزب لأعضائه، وللرأي العام، الاطلاع على تقاريره المالية، وأنشطته، ونتائج انتخاباته الداخلية، وخططه وبرامجه، عبر منصات رقمية محدثة، تعكس التزامه بالمحاسبة والشفافية، وتمنح المواطنين أسباباً حقيقية للثقة فيه.
هل يستطيع السودان بناء هذا النموذج؟قد يرى البعض أن الحديث عن حزب ذكي، في ظل ما يواجهه السودان من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، يبدو سابقاً لأوانه.
غير أن التجارب الدولية تثبت أن فترات إعادة بناء الدول هي في كثير من الأحيان أفضل الفرص لإعادة بناء مؤسساتها أيضاً.
وليس من الحكمة أن نعيد تأسيس أحزاب القرن الماضي بالأدوات نفسها، بينما يتغير العالم من حولنا بوتيرة غير مسبوقة.
ويمتلك السودان من الطاقات البشرية والكفاءات المهنية، في الداخل والخارج، ومن الشباب المتعلم القادر على استيعاب أدوات العصر، ما يؤهله لبناء نموذج حزبي جديد، متى ما توافرت الإرادة السياسية والرؤية المؤسسية.
نحو حزب للمستقبلإن الحزب الذي يحتاجه السودان ليس حزباً للنخب وحدها، ولا حزباً انتخابياً يظهر كل بضع سنوات ثم يغيب، وإنما مؤسسة وطنية دائمة، تتعلم باستمرار، وتراجع أداءها باستمرار، وتفتح أبوابها للكفاءات، وتعتبر خدمة المواطن معيار نجاحها الأول.
فالمستقبل لن يكون للأحزاب الأكبر عدداً، بل للأحزاب الأكثر معرفة، والأفضل تنظيماً، والأكثر قدرة على التعلم، والأقرب إلى المجتمع.
ختاماًإن بناء الحزب السوداني الذكي ليس حلماً تقنياً، بل مشروعاً سياسياً وأخلاقياً، يقوم على الإيمان بأن الديمقراطية تصبح أكثر قوة وكفاءة وشفافية عندما توظف أدوات العصر في خدمة الإنسان، لا في السيطرة عليه.
وقد تكون الحرب التي مزقت السودان درساً بالغ القسوة، لكنها تمنحنا أيضاً فرصة تاريخية لإعادة التفكير في شكل الدولة، وطبيعة الأحزاب، وأدوات العمل السياسي.
فإذا كنا نطمح إلى بناء جمهورية سودانية جديدة، فإن هذه الجمهورية تحتاج، بالضرورة، إلى جيل جديد من الأحزاب؛ أحزاب تستلهم أفضل ما وصلت إليه الخبرة الإنسانية في التنظيم والإدارة وصناعة السياسات، دون أن تفقد هويتها الوطنية أو صلتها بقضايا المجتمع وتطلعات مواطنيه.
وفي الحلقة القادمة، ننتقل من الفكرة إلى التطبيق، لنجيب عن سؤال عملي: كيف يمكن تأسيس حزب سوداني حديث؟ وما المبادئ التنظيمية والدستورية التي ينبغي أن يقوم عليها منذ يومه الأول؟.
إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «6-10»: نحو نموذج حزبي يستجيب لتحديات السودان
الوسومالأحزاب السودانية الحزب الرقمي الديمقراطية الديمقراطية الرقمية الذكاء الاصطناعي السودان الشفافية الرقمية القوى الحديثة صناعة السياسات مركز التفكير ميرغني الحبر المحامي