مجدُ الدين في زمن التحديات.. كيف رسّخ العلامة المؤيدي الهوية الإيمانية وصاغ معالم الثبات العلمي في اليمن
تاريخ النشر: 23rd, February 2026 GMT
في زمنٍ تلاطمت فيه أمواج التحولات السياسية والفكرية، وتكاثفت فيه مشاريع التغريب والاستلاب، برزت اعلام هداية وهامات علمية حملت على عاتقها مهمة صيانة الهوية وحراسة الثوابت، وفي مقدمة تلك القامات يأتي السيد العلامة الحجة مجد الدين المؤيدي، الذي شكّل حضوره العلمي والروحي أحد أعمدة ترسيخ الهوية الإيمانية في اليمن خلال العقود الأخيرة، وفي ذكرى رحيله، لا يبدو الحديث عنه مجرد استعادة لسيرة عالمٍ جليل، بل هو قراءةٌ في مشروعٍ علمي وفكري أسهم في حماية المرجعية الدينية، وإعادة الاعتبار للهوية الجامعة، وصناعة وعيٍ متماسك في مواجهة محاولات التشويه والاختراق.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
التكوين العلمي .. الجذور التي صنعت المرجعية
لم يكن حضور السيد العلامة المؤيدي طارئًا على المشهد الديني، بل جاء امتدادًا لمدرسةٍ علمية راسخة، تشكلت في بيئة زاخرة بالعلماء والمجتهدين، إنها مدرسة آل البيت عليهم السلام تميزت شخصيته العلمية برسوخٍ فقهي وأصولي عميق، وعنايةٍ خاصة بالتحقيق والتدقيق في المسائل، والتزامٍ صارم بالمنهجية العلمية بعيدًا عن التهويل، هذا التكوين لم يصنع عالمًا تقليديًا فحسب، بل أفرز مرجعيةً يُرجع إليها في القضايا الكبرى، ويُحتكم إليها في لحظات الالتباس الفكري، والدلالة الأبرز أن ترسيخ الهوية يبدأ من بناء قاعدة علمية متينة قادرة على الإجابة عن تحديات العصر دون تفريط بالثوابت.
الهوية الإيمانية .. من خطابٍ نظري إلى مشروعٍ عملي
في ظل انفتاحٍ غير منضبط على تيارات فكرية وافدة، أدرك السيد العلامة أن الخطر الأعمق يكمن في تآكل الهوية من الداخل، لذلك لم يتعامل مع “الهوية الإيمانية” كشعار تعبوي، بل كمشروعٍ متكامل يقوم على تعزيز الارتباط بالقرآن الكريم كمصدر هداية شامل، وترسيخ مفاهيم الولاء والبراء في سياقها القرآني، وحماية الانتماء الايماني من التشويه والتحريف، وتحصين المجتمع من موجات التغريب الثقافي، لقد نقل المفهوم من دائرة التنظير إلى دائرة التربية والتكوين، عبر الدروس، والفتاوى، وتخريج جيلٍ واعٍ بقيمه وأصوله، وفي البعد الاستراتيجي فإن الهوية عنده ليست انغلاقًا، بل وعيًا بالذات يحول دون الذوبان، ويمنح الأمة قدرةً على التفاعل من موقع الثبات لا التبعية.
حماية الهوية في زمن التحولات
عاشت اليمن مراحل سياسية وفكرية مضطربة، رافقتها محاولات لإعادة تشكيل الهوية الدينية وتفريغها من مضمونها الأصيل، في هذا السياق، برز دور السيد العلامة كصمام أمان علمي وروحي، تجلّى ذلك في تثبيت الاصول العلمية التقليدية القائمة على الاجتهاد والانضباط، والدفاع عن استقلالية القرار الديني أمام الضغوط المختلفة،
الدلالة العميقة لهذا المسار المهم أن العالم حين يحافظ على استقلاله العلمي، يحفظ للأمة قدرتها على التمييز بين الحق والباطل.
صناعة الأثر .. تلامذة يحملون الرسالة
لم يكن مشروع السيد العلامة المؤيدي فرديًا، بل تأسس على إعداد أجيالٍ من طلاب العلم، لقد آمن بأن بقاء الوعي مرهونٌ بوجود حملةٍ صادقين له ولذلك فتح أبواب حلقات العلم والتدريس، وأولى عناية خاصة بتكوين العلماء الشباب، وشدد على الجمع بين العلم والتقوى والسلوك القويم ، إن الامتداد الحقيقي لدوره يتجلى في شبكةٍ واسعة من التلامذة الذين واصلوا المسيرة، ونقلوا مشروع الهوية إلى مساحات أوسع.
مواقف شجاعة في لحظات مفصلية
لم يكن السيد العلامة عالمًا منزوياً عن أحداث عصره، بل كان حاضراً بمواقفه في القضايا المفصلية، تميزت مواقفه بـالثبات عند اشتداد الضغوط، وتغليب مصلحة الأمة ، هذه المواقف أسهمت في تعزيز الثقة الشعبية به، وجعلت منه رمزًا للاتزان والرصانة في زمن الانفعالات.
قراءة في الإرث .. ماذا تعني ذكرى الرحيل اليوم؟
اليوم، وفي ذكرى وفاته، تتأكد حقيقةٌ مهمة أن الأزمات الفكرية لا تُواجه بالشعارات، بل ببناء وعيٍ متجذر في الأصالة، إرث السيد العلامة يختزل رسائل أساسية ، العلم هو خط الدفاع الأول عن الهوية، الهوية الإيمانية المستقلة ضمانة لاستقرار المجتمع، ومشروع تربية طويل المدى، لا رد فعلٍ عابر.
ختاما ..
إن استحضار سيرة السيد العلامة مجد الدين المؤيدي في ذكراه ليس مجرد وفاءٍ لعالمٍ راحل، بل هو تجديد عهدٍ مع مشروعٍ متكامل. مشروعٌ يرى في العلم مسؤولية، وفي الهوية حصنًا، وفي الثبات موقفًا.
لقد رحل الجسد، لكن المدرسة باقية، والرسالة ممتدة، والتحدي مستمر. وبين الذاكرة والمسؤولية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الأجيال: كيف نصون ما صانه العلماء؟ وكيف نواصل مسيرة الهوية في زمنٍ تتكاثر فيه مشاريع الاستلاب؟
المصدر
المصدر: يمانيون
كلمات دلالية: الهویة الإیمانیة السید العلامة العلامة ا فی زمن
إقرأ أيضاً:
مصطفى كمال الدين: والدي شارك في حرب فلسطين ووصل لمشارف القدس
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
كشف اللواء مصطفى كمال الدين حسين، عضو مجلس النواب الأسبق ونجل اللواء الراحل كمال الدين حسين، عضو تنظيم الضباط الأحرار ومجلس قيادة الثورة ووزير التربية والتعليم ونائب رئيس الجمهورية الأسبق، تفاصيل جديدة عن حياة والده ودوره في ثورة 23 يوليو، مؤكداً أن والده كان من المشاركين في حرب فلسطين عام 1948، وأنه انضم مبكراً إلى تنظيم الضباط الأحرار.
وأوضح مصطفى كمال الدين حسين، خلال لقائه عبر شاشة الفضائية المصرية، أن والده تقدم إلى الكلية الحربية ثلاث مرات، بعد أن رُفض في المرتين الأولى والثانية لصغر سنه، قبل أن يلتحق بها في المحاولة الثالثة، مشيراً إلى أن والده كان مصمماً على دخول الحياة العسكرية والإسهام في الدفاع عن الوطن.
وأضاف، أن والده شارك قبل الثورة في حرب فلسطين عام 1948 ضمن مجموعات الفدائيين بقيادة البطل أحمد عبد العزيز، موضحاً أن القوات وصلت إلى مشارف القدس وحاصرتها، قبل أن تؤدي الهدنة والظروف السياسية إلى تغيير مسار العمليات.
وأشار إلى أن والده كان من الضباط الذين شاركوا في وضع خطة التحرك ليلة ثورة 23 يوليو، إلى جانب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر، موضحاً أن الخطة تضمنت تحديد مهام القوات وتحركاتها والسيطرة على المواقع الحيوية، بالإضافة إلى تأمين مداخل السويس لمنع أي تدخل بريطاني في تحركات الثورة.
وأكد أن الخطة تضمنت أيضاً السيطرة على مبنى الإذاعة ومحاصرة قصر عابدين، مشيراً إلى أن جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ووالده كانوا يتحركون في البداية بالملابس المدنية لتجنب إثارة الشبهات.
وكشف أن الضابط يوسف صديق تحرك قبل الموعد المحدد، بعدما وصلت معلومات إلى جمال عبد الناصر تفيد بأن السلطات بدأت تعرف أسماء بعض الضباط المشاركين في التحرك، الأمر الذي دفعه إلى اتخاذ قرار ببدء التنفيذ، قائلاً إن «العجلة دارت» ولم يعد هناك مجال للتراجع.
وتابع أن والده ارتدى ملابسه العسكرية عقب بدء التحرك، وأخذ سلاحه، موضحاً أن هذه الصورة ظلت عالقة في ذاكرته منذ طفولته، مؤكداً أن أسرته عاشت تفاصيل تلك المرحلة عن قرب.
ولفت إلى أن والده كان من الضباط المشاركين في التخطيط للتحرك العسكري ليلة الثورة، موضحاً أن القوات تحركت للسيطرة على المواقع المهمة وتأمين مداخل السويس، بينما جرى لاحقاً اتخاذ خطوات للسيطرة على قصر عابدين ومبنى الإذاعة.
وأوضح، أن الضباط الأحرار اختاروا اللواء محمد نجيب ليتولى قيادة الثورة باعتباره ضابطاً كبيراً يتمتع بتاريخ عسكري ومكانة داخل الجيش، مشيراً إلى أن عدداً من أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا يعرفونه من خلال نادي الضباط.
وأضاف، أن الرئيس الراحل أنور السادات أذاع بيان الثورة عبر الإذاعة، بعدما عاد من السينما، بينما تحرك الضباط للسيطرة على الإذاعة ومحاصرة قصر عابدين، مؤكداً أن النقاشات داخل قيادة الثورة انتهت إلى عدم قتل الملك فاروق والسماح له بمغادرة البلاد.
وأشار إلى أن الملك فاروق تنازل عن العرش وغادر مصر في 26 يوليو 1952، موضحاً أن الضباط اختاروا تجنب إراقة الدماء، وأن الملك غادر البلاد متجهاً إلى إيطاليا.
وقال، إن وصف ما حدث في 23 يوليو بأنه «انقلاب» أو «ثورة» يختلف بحسب تعريف المصطلح، موضحاً أن الثورة أدت إلى إنهاء الاحتلال البريطاني، وإلغاء النظام الملكي، واستعادة حقوق الشعب، وتأميم قناة السويس، معتبراً أن هذه النتائج كانت من أهم التحولات التي شهدتها مصر.
وأكد أن الشعب المصري خرج في اليوم التالي للثورة، معتبراً أن هذا الخروج عكس تأييد قطاعات واسعة من المصريين لما حدث، مشيراً إلى أن الشعب لم يكن ليخرج بهذا الشكل لو كان متمسكاً بالنظام الملكي.
وتحدث عن تأثير والده في تكوينه منذ طفولته، موضحاً أنه كان يصطحبه معه خلال عمله في رفح، وأنه شهد في سن الخامسة مناورة ليلية للمدفعية، وهو ما جعله ينشأ على حب الجيش والوطن.
وأضاف، أنه عاش مع والده وأخيه حسام أجواء العدوان الثلاثي عام 1956، موضحاً أن والده كان مسؤولاً عن قطاع من جيش التحرير على خط القناة، وأنهما ذهبا معه إلى السويس خلال إجازة نصف العام، وشاهدا أجواء الحرب والاستعداد للمواجهة.
وأوضح، أن والده لم يُصب خلال العدوان الثلاثي عام 1956 كما يعتقد البعض، وإنما أصيب خلال حرب فلسطين عام 1948، مشيراً إلى أن البطل أحمد عبد العزيز وصل به إلى المستشفى بعد إصابته، وأن والده ظل في غيبوبة لفترة قبل أن يتعافى.
وأكد أن مصر لم تُهزم في حرب 1956، مشيراً إلى أن القوات المصرية واجهت عدواناً ثلاثياً شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وأن انسحاب الجيش المصري من سيناء كان جزءاً من خطة عسكرية لتجنب تعرضه للإبادة بعد بدء العدوان على بورسعيد.
وأشار إلى أن حرب 1956 شهدت العديد من الملاحم والبطولات، خاصة من جانب المقاومة الشعبية والفدائيين وأفراد الدفاع، موضحاً أن المواطنين المصريين شاركوا في الدفاع عن مدنهم خلال العدوان.
وروى أن الرئيس جمال عبد الناصر زار والده برفقة عبد الحكيم عامر وعبد اللطيف البغدادي في مركز القيادة بالإسماعيلية خلال الحرب، وكان يرغب في التوجه إلى بورسعيد لتفقد القوات، إلا أن والده نصحه بالانتظار حتى الصباح بسبب توقع حدوث إنزال عسكري.
وأضاف، أن عبد الناصر عاد إلى الإسماعيلية بعد وقوع الإنزال، وشاهد المواطنين في الشوارع يحملون الأسلحة استعداداً للدفاع عن البلاد، مشيراً إلى أن الأسلحة والذخائر كانت تُوزع على المواطنين باستخدام بطاقات الهوية.
وأكد أن والده كان يرى أن التعليم يمثل الأساس الحقيقي لبناء الدولة، مشيراً إلى أنه عندما تولى وزارة التربية والتعليم عمل على الاستعانة بمجموعة من المتخصصين والاستشاريين لدراسة الملفات التعليمية قبل اتخاذ القرارات.
وأوضح، أن والده اهتم بالتوسع في إنشاء المدارس داخل القرى والنجوع، بعدما كانت مناطق كثيرة تفتقر إلى المدارس، مؤكداً أن انتشار المدارس الحكومية ساهم في إتاحة التعليم لأعداد أكبر من أبناء المصريين.
وأشار إلى أن التعليم الحكومي في تلك الفترة كان يتمتع بمستوى مرتفع، موضحاً أن المعاهد العليا الصناعية كانت تمنح الطلاب تدريباً عملياً، وأن بعض الطلاب كانوا يسافرون إلى ألمانيا للتدريب داخل المصانع، ليجمع الخريج بين الدراسة النظرية والخبرة العملية.
وأضاف، أن منظومة التعليم في تلك الفترة اهتمت بالبعثات العلمية لإعداد كوادر مؤهلة للجامعات والمدارس العليا، مؤكداً أن أي دولة لا يمكن أن تنهض إلا من خلال التعليم.
وأوضح، أن والده اهتم أيضاً بتعزيز الهوية الوطنية داخل المؤسسات التعليمية، مشيراً إلى أن المدارس كانت تقدم للطلاب مواد تتعلق بالتربية القومية والانتماء للوطن.
وأكد أن المدارس في تلك الفترة كانت تقدم تدريبات ذات طابع عسكري للطلاب، تضمنت ارتداء الزي العسكري والتدريب على بعض المهارات، مشيراً إلى أن الهدف كان إعداد جيل يمتلك روحاً وطنية وقادراً على الدفاع عن بلاده عند الحاجة.
واختتم مصطفى كمال الدين حسين حديثه بالتأكيد على أن مرحلة ثورة 23 يوليو شهدت العديد من التحولات المهمة في تاريخ مصر، سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو التعليمي، مشيراً إلى أن هذه المرحلة ما زالت بحاجة إلى مزيد من التوثيق والدراسة.