عبر مصريون عن غضبهم من تجاهل رئيس النظام عبدالفتاح السيسي التام مشاركة الشعب المصري في المناسبات الدينية والرسمية مقابل حرصه على التواجد بين قوات الجيش والشرطة طوال العام، والتي يتوجها سنويا بالإفطارات الرمضانية، والتي تمت الشهر الجاري، مع وزارتي الدفاع والداخلية.

ذلك الوضع انتقده معارضون، واعتبروه عدم ثقة من السيسي في الشعب، ويشير إلى خوفه من التواجد إلى جوار رجل الشارع العادي، ويعزز فكرة البعض عن احتمائه بالجيش والشرطة ضد أي غضب شعبي، وهو الوضع المتزامن مع بعض الأزمات التي شهدتها البلاد ووقعت بين مدنيين وعسكريين، وأحدثت جدلا واسعا.



وهنا يشير الكاتب الصحفي المصري جمال سلطان، إلى أن "السيسي في اجتماع كل شهر إما مع الجيش أو الشرطة"، واصفا إياهم بأنهم "أهله وعشيرته ومصدر سلطته الوحيدة"، عاقدا مقارنة بينه وبين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ومؤكدا أنه "كل أسبوع أو كل شهر في لقاء أو زيارة لمؤسسة مدنية من مؤسسات الدولة".


وفي مقال له في "عربي21"، أشار الكاتب الصحفي قطب العربي، إلى أن "السيسي حرص أكثر من مرة على إطلاق رسائل الطمأنة للقلقين خلال زياراته ولقاءاته المتكررة والمتزايدة للأكاديمية العسكرية وغيرها من الكليات العسكرية بمناسبة وغير مناسبة، فتترس السيسي بالمؤسسة العسكرية وليس بالشعب هو عين القلق الذي يحاول تبديده لدى أنصاره".

وظهرت عدة مقاطع مصورة لمشاجرات حدثت متتابعة خلال الأيام الماضية بين مدنيين وبعض رجال الأمن الحاليين والمتقاعدين، قرأ فيها البعض تصاعدا لحالة الاحتقان بالشارع المصري تشابه ما سبق ثورة 25 يناير 2011، حذر منها مراقبون من أن تتحول إلى ثورة غضب ضد النظام الأمني القوي الذي صنعه السيسي منذ منتصف العام 2013.

"ضابط قنا"
وإثر مقطع فيديو مصور أظهر مشاجرة بين أصحاب محل تجاري بمدينة قنا بصعيد مصر، وبين ضابط شرطة، أعلنت وزارة الداخلية المصرية الاثنين الماضي، حبس أصحاب المحل، وأرجعت الواقعة التي جرت 13 آذار/ مارس الجاري، لخلاف على أسعار المنتجات، وبيع بأكثر من السعر الرسمي.

وفي المقابل، يرفض أصحاب المحل ذلك الاتهام، حيث كشفت صور ومقاطع نشروها محاولة الضابط تحطيم كاميرات المراقبة بالمحل، ومحاولتهم منعه، ما أدى لتحول الأمر لمشاجرة، وذلك بعد رفضهم منح الضابط سلعا دون دفع ثمنها، وفق قولهم.


الحادثة أثارت جلبة في الشارع المصري، وحولها تحدث الدبلوماسي المصري السفير فوزي العشماوي، عن ما أسماه بالفجوة الكبيرة بين بيان وزارة الداخلية، ورواية الأهالي، مؤكدا أن "الحادث حلقة مهمة ومزعجة في سلسلة طويلة وتاريخ طويل من عدم الثقة بين جهاز الأمن وبين غالبية المواطنين".

وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، شدد على ضرورة عدم إهدار كرامة وهيبة الشرطة وجهات إنفاذ العدالة، وفي المقابل طالب وزارة الداخلية بالاعتراف بأي تجاوزات أو فساد أو إساءة إستخدام نفوذ يتورط فيه أي عنصر، داعيا لإصلاح جهاز العدالة، "شرطة ونيابة وقضاء وتشريع".



"ضابط الفردوس"
وفي واقعة جرت 12 آذار/ مارس الجاري، كشفت مقاطع مصورة لضابط مصري متقاعد يحطم سيارة بآلة حديدة ويعتدي على سائقها، إثر حادث تصادم بين سيارتين ملاكي ترتادها زوجة الضابط وأخرى ميكروباص بمدينة الفردوس بمدينة السادس من أكتوبر غرب القاهرة.

الواقعة أثارت عبر مواقع التواصل الاجتماعي غضبا شعبيا، واتهامات لرجال الأمن بالتغول على حقوق المصريين، فيما خرج صفحات تتهم الداخلية بالعودة لممارساتها التي أشعلت ثورة يناير 2011.


"ضابط شبرا الخيمة"
ومساء الاثنين، انتشر مقطع فيديو مصور لمجموعة من السيدات تشتكي من أحد ضباط قسم شبرا الخيمة الحي الشعبي المليوني الواقع في القاهرة الكبرى، وسط اتهامات للضابط بحشد بعض أفراد الأمن والاعتداء على النساء، وبينما لم يصدر توضيح من الداخلية المصرية للواقعة، تتحفظ "عربي21"، عن نشر المقطع.

سبقت تلك الوقائع وتزامنت بعضها مع حديث السيسي عن ضرورة تجنب الصدامات بين قوات الشرطة والشعب، وذلك خلال زيارته الأحد الماضي، إلى أكاديمية الشرطة، كاشفا عن برنامج يهدف إلى تجنب تكرار الصدامات بين الشعب وقوات الشرطة، والتي وقعت في أعقاب ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011، وعامي 2012 و2013.

وحذر السيسي، من تأليب الرأي العام ضد الشرطة من خلال نشر الشائعات والمعلومات المغلوطة، بهدف زعزعة الثقة في المؤسسة الأمنية، مشيرا إلى أن بعض الجهات سعت قبل عام 2011 إلى تأليب الرأي العام ضد الشرطة.

ووفق تصنيف موسوعة قاعدة البيانات العالمية (NUMBEO) التي تهتم بتقييم مستوى الجريمة ودرجة الأمان في دول العالم، فإن معدلات الجريمة في القاهرة، تزايدت في السنوات الخمس الماضية لتصل إلى 62.08، فيما بلغ مستوى الجريمة 51.08 نقطة، كما سجل مؤشر الجريمة 50.47 نقطة.

وبحسب تقرير "مشروع العدالة العالمية"، تحتل مصر المرتبة 135 من أصل 142 دولة في مؤشر سيادة القانون لعام 2024.


"إفطار الفيوم"
وعلى الجانب الآخر، كشفت مقاطع فيديو مصورة عن أزمات اجتماعية ومشاجرات بين الأهالي.

وتحول إفطار رمضاني بمدينة الفيوم غرب النيل إلى فوضى للبحث عن وجبة غذائية، في الإفطار الذي نظمه عدد من البرلمانيين والسياسيين المحسوبين على حزب "مستقبل وطن" الذراع السياسية للنظام، ولم ينجح في توفير وجبات لآلاف الأهالي.

ذلك المشهد قرأ فيه كثيرون صورة مصغرة من ثورة جياع محتملة، بفعل تفاقم نسب الفقر في البلاد، والتي يقدرها البنك الدولي في تقرير له عام 2019 بنحو 60 بالمئة.


وهو ما دفع الكاتب أحمد بيومي، للتحذير قائلا: "ما حدث بالفيوم يحتاج دراسة ووقفة والصورة لا تكذب، الناس جاعت والنمل طلع من الجحور"، فيما وصف الكاتب عمار على حسن، المشهد بالقول: "من الفيوم جاءت الإشارة فاعتبروا قبل فوات الأوان".

http://pic.twitter.com/e5iHfYsRDk — عمار علي حسن Ammar Ali Hassan (@ammaralihassan) March 16, 2025
ويتزامن هذا المشهد مع وضع اقتصادي صعب يعاني من خلاله أكثر من 107 ملايين مصري يعيشون في الداخل من الغلاء، ورفع أسعار جميع الخدمات وبينها الوقود، وتراجع الدعم الحكومي، وضعف القوة الشرائية للجنيه، وتغول الديون على الموازنة العامة للدولة مع ارتفاع الدين العام للبلاد بعهد السيسي بنسبة 618 بالمئة.

ويصل حجم الدين العام المحلي والخارجي لأجهزة الموازنة إلى نحو 12.5 تريليون جنيه بنهاية العام المالي (2023-2024)، بما يعادل نحو 247.1 مليار دولار، بحسب تقرير الأداء الاقتصادي والمالي لوزارة المالية، الذي كشف عن ارتفاع حجم الدين العام بين عامي 2008 و2024 بما يزيد على 17 ضعفا.

وحذر خبراء اقتصاد بينهم الدكتور أحمد خزيم، من قرارات حكومية مرتقبة برفع أسعار الوقود ورفع الدعم عنه نهائيا خلال العام الجاري، مؤكدا أنه سيتبعه رفع أسعار الكهرباء، والنقل، والمحاصيل الزراعية، والخبز، مؤكدا أنها "جريمة ستؤدي لرفع التضخم وتوابعه وانخفاض القوة الشرائية وارتفاع الأسعار والمزيد من طبقات الافقار".

"مشاجرة إمبابة"
وفي واقعة أخرى شهد حي إمبابة الشعبي، في العاصمة المصرية القاهرة وقبل مدفع إفطار الاثنين، عراك وتقاذف بالحجارة بين عشرات المواطنين وآخرين، في الوقت الذي غاب فيه الحضور الأمني بشكل مثير للتساؤلات.


وتحدثت الكاتبة الصحفية زينب عبداللاه، عن ما أسمته "مشاهد الواقع المؤسف"، مشيرة لحالة الاحتقان بين الناس، ملمحة لحالات عجزت عن استيعابها منها: "هدم شقيق بيت شقيقه ببلدوزر قبل موعد الإفطار"، وإلى "تحطيم ضابط الفردوس سيارة سائق دورة مدرسية"، و"غلظة الناس وفظاعتهم بالتعاملات العادية".


"أسباب الأزمة.. والحل"
وفي قراءته للمشهد المصري الحالي، وكيف يمكن الخروج من حالة الاحتقان تلك، والذي يجب على الدولة فعله، قال السياسي المصري عاطف عواد: "هناك عوامل كثيرة كان لها بالغ الأثر في تغير الشخصية المصرية في السنوات الأخيرة".

وفي حديثه لـ"عربي21"، ذكر منها: "سوء الأوضاع الاقتصادية والتي تضاعفت فيها الأسعار بشكل غير مسبوق، وعلى فترات متقاربة تواكبا مع حدوث قفزات سريعة في سعر الدولار قضي على مدخرات الطبقة المتوسطة في المجتمع المصري، بل قضى على الطبقة المتوسطة ذاتها التي تآكلت، وتلك الطبقة من المفترض أنها رمانة الميزان لأي مجتمع".

ولفت ثانيا إلى "الانقسام المجتمعي الذي حدث بسبب الانقسام السياسي والذي جعل من المؤيد مؤيدا بعنف ومن المعارض معارضا بعنف، مقابل مما أحدث توترا شديدا وانقساما بين أفراد المجتمع، بل وداخل البيت الواحد، وفقدنا الإنصاف في النقد والتعبير مع إغلاق شبه تام لآفاق العمل السياسي يصاحبه تقلص العمل المجتمعي مما أحدث حالة من الكبت".

وأشار ثالثا إلى أن "الفن لم يعد وسيلة لتهذيب الذوق العام والارتقاء بالمجتمع ونشر القيم بل وصل إلى حالة غير مسبوقة من التردي، وأصبح فيه البلطجة بطولة والنساء سلعة والعنف الوسيلة الوحيدة للحصول على الحقوق الضائعة، وهو ما يسمى بفن العبودية".

وخلص البرلماني المصري السابق للقول: "تضافرت تلك الأمور لتشكل صورة بائسة لمجتمع قابل للإنهيار على كافة الأصعدة والمطلوب على وجه السرعة إصلاح اقتصادي يواكبه إصلاح إجتماعي يواكبه إصلاح سياسي على صعيد الحريات والمصالحة الوطنية".

"ظهره للشعب منذ أول يوم"
وفي قراءته لدلالات ذلك المشهد، وتجنب السيسي الحضور الشعبي مقابل مشاركة الجيش والشرطة فقط جميع المناسبات، تحدث الكاتب الصحفي أحمد حسن بكر.

وقال لـ"عربي21": "منذ أن استولى السيسي على السلطة، وهو يدير ظهره للشعب عندما يتحدث، ومنذ هذا الاستيلاء غير الشرعي أيضا، وهو يخاطب الشعب من خلال الندوات التثقيفية التي ينظمها التوجيه المعنوي للقوات المسلحة، مديرا ظهره للشعب وللحضور من جنود وضباط القوات المسلحة أيضا".

وأوضح أن "خبراء السياسة وعلم النفس فسروا ذلك السلوك على أنه إما عدم قدرة على المواجهة، أو عدم تقدير لجمهور الحضور، كما فسر البعض حديثه للشعب عبر الندوات التثقيفية المشار لها أنه احتماء بالجيش بمواجهة الشعب حتى حين يحدثه".

وأكد أنه "من هنا يتضح أن السيسي اختار منذ البداية الاحتماء بالجيش ضد الشعب، لأنه يُدرك أنه انقلب على إختيار الشعب، وأطاح برئيس مدني شرعي منتخب من الشعب بانتخابات حرة، ولأنه أيضا انقلب على مبادئ ثورة شعبية طالبت بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية".

وأضاف: "ثم بعد ذلك وجد لزاما عليه أن يُدخل الشرطة ضمن منظومة حمايته من غضب الشعب، حتى لا ينال الجيش وحده نصيب الأسد من الغضب الشعبي".

" بركان ثورة في الطريق"
ويرى المحلل السياسي المصري، أن "المواقف السابقة تكشف بشكل قاطع عن حالة غضب واحتقان شعبي لم يعد من الممكن إخفائها، وأن ثورة بركان الغضب الشعبي قد تندلع فجأة على غير ميعاد، لأن الشعب ضاق من العيش لضيق العيش، بل فقد أي أمل في الإصلاح، أو تحسن الأمور".

وتابع: "كما يشير حضور السيسى المستمر -بمناسبة أو بدون مناسبة- بين الجيش والشرطة إلى حالة من الخوف والترقب تسيطران على الرجل من إمكانية تحرك طوفان الغضب المنتظر، لذا يريد أن يبعث برسائل للشعب -الذي يعتبره خصمه اللدود الآن- مفادها أنه يحتمي بالجيش والشرطة، ومن يفكر في التحرك ضده لابد وأن يواجه مدافع ودبابات الجيش، وبنادق وسجون الشرطة".

"حقائق لا شائعات"
وعن تحذير السيسي، من الشائعات التي تطال الجيش والشرطة، وذكره ما أطلق عليه أحداث 2011، و2012، و2013،  ومدى ما يكشفه ذلك من مخاوف وترقب، أكد بكر، أن "السيسي يدرك أن كل ما تلوكه الألسن عن فساد داخل الجيش والشرطة بعد تورطهما في أنشطة اقتصادية تغيب عنها الشفافية؛ هو صحيح".

وبين أنه "لذلك يحاول أن يحذر وينفي، بل ويهدد أيضا كل من يحاول كشف هذا الفساد، الذي أورث الشعب كراهية وغضب لهاتين المؤسستين".

ويعتقد أنه "في كل الأحوال عند تحرك طوفان الغضب فلابد أن يصطدم بعنف بالجيش والشرطة لإفراغ مخزون الغضب، بعد أن باع ورهن السيسي كل أصول مصر تقريبا، وأشاع الفقر والخوف، وأفقد الشباب الأمل، وأفقد مصر مكانتها، وقيدها بديون كبيرة، ستعجز الأجيال القادمة عن سدادها".

وختم بالقول: "يخطئ السيسي كثيرا لو ظن أن الجيش والشرطة ستحميانه من طوفان الغضب، لأنهما سيبحثان عن من يحميهما من غضب الشعب الجائع؛ والجيش والشرطة سيفران منه حين يعم الطوفان، وكل منهما سيقول نفسي نفسي".

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية مصريون السيسي الجيش مصر السيسي الجيش المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الجیش والشرطة غضب الشعب إلى أن

إقرأ أيضاً:

من الحصار إلى الردع… حين يصنع الإيمان معادلات القوة

في عام 2015 أعلن تحالف العدوان السعودي الأمريكي بالتزامن مع عدوانه العسكري فرض حصار بري وبحري وجوي شامل على اليمن معتقدا أن تجويع الشعب اليمني وكسر إرادته كفيلان بإخضاعه للهيمنة الأمريكية والوصاية والغطرسة السعودية وإجباره على الاستسلام. وكانت الحسابات المادية تقول إن بلدا محاصرا محدود الإمكانات كاليمن لا يمكنه الصمود طويلا أمام تحالف يضم أكثر من سبع عشرة دولة يمتلك المال والسلاح والدعم الدولي اللامحدود.
غير أن ما غاب عن تلك الحسابات هو أن الشعب اليمني بفطرته شعب مؤمن مجاهد يتوكل على الله ويؤمن بعدالة قضيته وصدق انتمائه للإيمان ولا يقيس قوته بما يملك من إمكانات مادية، وإنما بما يملكه من إيمان ويقين وصبر وصمود وثبات.
واجه اليمنيون الحصار بصبر لم يكن استسلاما بل كان صبرا فاعلا، وصمودا عمليا وعملا دؤوبا في ميادين المواجهة والبناء والإعداد وتطوير الإمكانات والقدرات العسكرية. واستندوا إلى وعد الله الحق واستلهموا قوله تعالى:(أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير)، فكان يقينهم بالله أكبر من الحصار وثقتهم بوعده أعظم من كل أدوات القوة التي حشدها العدو.
ومع مرور السنوات  وصلت قدرات القوات المسلحة اليمنية إلى مديات بعيدة جدا تجاوزت حسابات الأعداء وتوقعاتهم وبدأت ملامح التحول الاستراتيجي تتشكل. ففي عام 2023 أعلن اليمن فرض الحصار البحري على كيان العدو الإسرائيلي وواجه قوة الردع الأمريكية والإسرائيلية بما تمتلكه من حاملات طائرات وسلاح جو وكسر هيبة أحدث الترسانات العسكرية التي راهنت على إخضاعه. ثم وسع معادلة الردع في عام 2025 بإعلان الحصار الجوي بالتزامن مع استهداف مطار اللد (بن غوريون) ليؤكد أن زمن الاكتفاء بردود الفعل قد ولّى إلى غير رجعة وأن زمام المبادرة أصبح جزءا من معادلات وعقيدة يمن الإيمان.
ثم جاءت محطة عام 2026 التي نؤمن أنها تمثل تحولا استراتيجيا في مسار المواجهة مع عدو اليمن التاريخي، بإعلان كسر الحصار السعودي المفروض ظلما وبغيا وعدوانا على شعبنا وانتزاع الحقوق المشروعة، وفرض معادلة “الحصار بالحصار”، وإعلان حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي في رسالة واضحة مفادها أن زمن الحصار الأحادي قد انتهى وأن من يفرض الحصار على الشعوب الحرة المستقلة لا بد أن يتحمل تبعات سياساته العدوانية.
ونحن نؤمن أن ما تحقق لم يكن نتاج الحسابات العسكرية وحدها وإنما ثمرة الإيمان بالله، والتوكل عليه والأخذ بأسباب القوة والمنعة والثبات على الموقف الحق والقضية العادلة، مصداقا لقوله تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)، وقوله سبحانه: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد).

ونؤمن كذلك أن اليمن بلد الإيمان والحكمة وشعب الأنصار وأحفاد الأوس والخزرج ليس بلدا عاديا في مسيرة هذه الأمة بل يحمل على عاتقه تكليف رباني عظيم ورسالة ومسؤولية عظيمة في نصرة قضاياها الأساسية والمركزية وفي مقدمتها قضية فلسطين والدفاع عن الدين والمستضعفين. ونؤمن أن ما يجري اليوم ليس نهاية المطاف وإنما مرحلة من مراحل الإعداد للنصر والتمكين.
ومن هذا المنطلق نعتقد أن الله يهيئ يمن الأنصار لما هو أعظم وأكبر وأوسع وأن الأحداث التي شهدناها ليست سوى بدايات لتحولات كبرى يصنعها شعب الإيمان والحكمة في مواجهة عدو الأمة اللدود وتوحيد كلمة  الأمة وموقفها ما دام هذا الشعب متمسكا بإيمانه وقرآنه ثابتا على موقفه آخذا بأسباب القوة والمنعة واثقا بوعد الله الذي لا يتخلف ومسلّما تسليما مطلقا لقيادته الربانية الحكيمة.
لقد أثبتت التجارب أن الحصار قد يؤلم الشعوب، لكنه لا يهزم شعبا يمتلك عقيدة قتالية جهادية راسخة وإرادة فولاذية صلبة لا تنكسر وقيادة تؤمن بأن النصر وعد إلهي له شروطه وأسبابه وتعمل على شحذ همم شعبها وصناعة وعيه وبصيرته وترسيخ ثقته بالله واعتماده عليه حتى يتحول الإيمان إلى قوة والصبر إلى إنجاز والتحديات إلى عوامل للنهوض والاقتدار.

ويعلمنا التاريخ أن الأمم التي تثق بالله وتتوكل عليه وتصبر وتجاهد وتبذل وتضحي وتعد لبناء نفسها إيمانيا ونفسيا وعمليا وتطويرا للقدرات والخبرات والإمكانات وتدريبا وتأهيلا للأبطال قد تعاني وتتأخر في الوصول إلى النصر لكنها لا تُحرم منه أبدا إذا صدقت مع الله وأخذت بأسبابه وظلت ثابتة على مبادئها حتى يتحقق وعد الله: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين).

مقالات مشابهة

  • محمد موسى: تشابه رسائل محمد ناصر وإيدي كوهين يثير علامات استفهام
  • تامر حسين يثير الجدل بسبب أغنية «اتأخر عتابنا» لـ عمرو دياب.. إيه الحكاية؟
  • حماس تنعى المناضل الياباني "كوزو أوكاموتو"
  • بعد لقاء البيت الأبيض... لبنان أمام استحقاق جديد والحزب يتجاهل رسالة ترامب: فهل أخطأ؟
  • الخارجية الأمريكية : الجيش السوداني استخدم الكيماوي في العام 2024
  • بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري
  • نضال (أب تفة) أم لحية رجل الدين؟
  • من الحصار إلى الردع… حين يصنع الإيمان معادلات القوة
  • تركيا.. أول استقالة بالهرم القيادي في حزب الشعب الجمهوري
  • عندما يصبح السلام محل انقسام.. لماذا أثار بيان لا نريد الحرب جدلا في طهران؟