تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

 تعكس افتتاحية العدد 489 من صحيفة "النبأ" الصادرة عن تنظيم داعش  مساء الخميس 3 أبريل 2025، نمطًا متكرّرًا من الخطاب الأيديولوجي للتنظيم، الذي يرتكز على التكفير، والتحريض، وادعاء احتكار الحقيقة الدينية. يقدّم التنظيم نفسه في هذه الافتتاحية بوصفه الجهة الوحيدة التي تطبّق الإسلام "بصورته الصحيحة"، بينما يصنّف كل من يخالفه في دائرة الكفر أو النفاق، مما يعكس منهجًا إقصائيًا يسعى إلى نفي أي اجتهاد ديني أو رؤية مختلفة للشريعة الإسلامية.

ينطلق الخطاب الداعشي من افتراض محوري بأن نموذج الحكم الذي يتبناه هو التطبيق الحصري والصحيح للشريعة الإسلامية، متجاهلًا كل الفروقات التاريخية والاجتماعية بين العصر النبوي والواقع المعاصر. هذا التوظيف الأيديولوجي للنصوص الدينية لا يخلو من الانتقائية، حيث يتم استدعاء بعض الآيات والأحاديث بما يخدم أهداف التنظيم السياسية والعسكرية، بينما يتم تجاهل السياقات الفقهية والتاريخية الأوسع التي قدمها علماء الإسلام على مر العصور.

كما تتبنى الافتتاحية أسلوبًا هجوميًا تجاه كل من يعارض رؤية التنظيم، مستخدمةً مفردات مثل "التدليس" و"التلاعب بالمصطلحات"، وواصفةً المخالفين بأنهم "دعاة على أبواب جهنم". هذه اللغة التحريضية لا تكتفي بإقصاء الخصوم فكريًا، بل تعمل على تأليب الأتباع ضدهم، مما يساهم في تأجيج العنف وترسيخ منطق الصراع الدائم بين التنظيم وباقي مكونات المجتمعات الإسلامية.

ضمن هذا السياق، تأتي هذه الافتتاحية ليس فقط كبيان أيديولوجي، وإنما كأداة تعبئة تهدف إلى استقطاب مزيد من الأتباع، وإعادة إنتاج خطاب العداء تجاه العالم الخارجي، سواء كان ذلك الحكومات، أو الجماعات الإسلامية الأخرى، أو حتى المفكرين والفقهاء الذين لا يتبنون نفس التفسير المتشدد للنصوص. لذا، فإن تفكيك هذا الخطاب وتحليله أمر ضروري لفهم الآليات التي يستخدمها التنظيم في تبرير ممارساته العنيفة واستقطاب المزيد من الأفراد إلى صفوفه.

أولًا: بنية الخطاب وآلياته الحجاجية

يعتمد خطاب الافتتاحية على عدة أساليب حجاجية مركزية، أبرزها:

ثنائية الإيمان والكفر:

يضع النص قارئه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما قبول نموذج الحكم الذي فرضه تنظيم داعش بوصفه "تطبيقًا كاملًا" للشريعة، أو السقوط في دائرة الكفر. لا يترك التنظيم أي مجال للاجتهاد أو النقاش الفقهي، بل يجعل من رؤيته الأحادية معيارًا للحكم على إيمان الأفراد والجماعات. ففي الافتتاحية، يتم تصوير أي معارضة لحكم داعش على أنها رفض صريح للشريعة، حيث يرد فيها: "لم تزد الدولة الإسلامية على أن حولت ما كان حبيس الكتب والمصنفات... إلى واقع عملي يحكم الناس بشريعة خالقهم"، وهو طرح يلغي إمكانية أي اجتهاد فقهي آخر.

هذه الثنائية الإقصائية تلغي أي إمكانية لوجود اجتهاد فقهي أو مقاربة عقلانية لتطبيق الشريعة الإسلامية في واقع معاصر مختلف عن سياقات القرون الأولى. فمثلًا، حين يتحدث التنظيم عن تطبيق الحدود والأحكام الفقهية، يتجاهل الفروق الجوهرية بين مجتمع المدينة في القرن السابع الميلادي والمجتمعات الحديثة اليوم، التي تقوم على أنظمة قانونية معقدة تراعي التطورات الاجتماعية والاقتصادية.

كما أن التنظيم يستخدم هذه الثنائية لتبرير العنف ضد المخالفين، فهو لا يميز بين المسلمين الذين قد يكون لهم اجتهاد فقهي مختلف، وبين من يعارض الإسلام نفسه. في هذا السياق، يُصر النص على أن كل من لا يقبل نموذجهم هو "كافر ببعض الكتاب"، في تجاهل تام لحقيقة أن المسلمين على مر العصور قد اجتهدوا في تأويل الشريعة بما يتناسب مع أحوال مجتمعاتهم، دون أن يُخرجهم ذلك من دائرة الإسلام

شيطنة الآخر:

يعتمد خطاب الافتتاحية على آلية التشويه المعنوي للمخالفين، إذ يصور كل من يعارض تنظيم داعش على أنه مضلل أو متآمر أو عدو صريح للشريعة. يتجلى هذا بوضوح في استخدام تعبيرات مثل "التدليس" و"التلاعب بالمصطلحات"، حيث يتهم التنظيم خصومه بأنهم يحرفون النصوص الشرعية عن معانيها الحقيقية لخداع الناس، في حين أن التفسير الوحيد المقبول لديهم هو تفسيرهم الحرفي للنصوص.

ولا يقتصر التشويه على الأفراد، بل يتعداه إلى المؤسسات والجماعات الإسلامية المنافسة، التي يتم اتهامها ضمنيًا بأنها "تحارب الشريعة" أو "تروج لنسخة مشوهة من الإسلام". على سبيل المثال، يشير النص إلى أن "الدعاة على أبواب جهنم" يسعون لإبعاد الناس عن تطبيق الشريعة، في محاولة لإضفاء صبغة دينية على خصوماتهم السياسية مع الحركات الإسلامية الأخرى.

كما يوسّع التنظيم دائرة العداء لتشمل ليس فقط الحكومات، بل حتى الفصائل الإسلامية المنافسة التي لا تتبنى منهجه المتشدد. فالتنظيم يضع الجميع في سلة واحدة، سواء كانوا مفكرين إسلاميين، فقهاء، أو حتى قادة جماعات إسلامية أخرى، مدعيًا أنهم جميعًا يروجون "لإسلام مشوه" يخدم مصالح "الطواغيت"، كما ورد في قوله: "وقد استفاد الطواغيت على اختلاف أصنافهم، حكاما وقادة حركات وفصائل جاهلية، ودعموا هذه الأصناف المجادِلة بالباطل كلٌّ حسب حاجته".

هذا النمط من الشيطنة لا يهدف فقط إلى إقصاء المخالفين، بل يسعى أيضًا إلى تبرير العنف ضدهم، من خلال تصويرهم على أنهم خصوم للشريعة الإسلامية ذاتها. وهذا ينعكس في الطريقة التي يتحدث بها النص عن المعارضين، حيث لا يتم الاكتفاء بوصفهم بالمخالفين، بل يُتهمون صراحة بالكفر أو النفاق، مما يشرعن استهدافهم واعتبارهم أعداءً يجب القضاء عليهم.

الاحتجاج بالنصوص الدينية

يوظف التنظيم بعض الآيات القرآنية لتبرير منطقه الإقصائي، لكنه يفعل ذلك بطريقة انتقائية، متجاهلًا السياقات التاريخية والتفسيرية المتعددة التي قدمها علماء الإسلام على مر العصور. فمثلًا، يستشهد التنظيم بالآية: }أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ{، ليصور مخالفيه على أنهم وقعوا في ذات الانحراف العقدي الذي اتُّهم به بنو إسرائيل.

لكن ما يتجاهله التنظيم هو أن هذه الآية نزلت في سياق معين، وكانت تتعلق بأحكام محددة تجاه بني إسرائيل، ولا يمكن إسقاطها بشكل مباشر على أي خلاف فقهي أو سياسي في العصر الحديث. هذا النهج في التأويل يُهمل التفسيرات التقليدية التي قدمها العلماء المسلمون، والتي تراعي الفروق بين الأحكام العقدية والأحكام الفقهية القابلة للاجتهاد.

كما أن التنظيم يغفل تمامًا المقاصد الكلية للشريعة، والتي تشمل تحقيق العدل والمصلحة ودرء المفاسد. فالفقه الإسلامي لم يكن يومًا جامدًا أو محصورًا في تأويل واحد، بل ظل عبر التاريخ فضاءً للاجتهاد والتطور، وهو ما يتناقض مع الطرح الداعشي الذي يفرض فهمًا واحدًا متصلبًا، لا يقبل أي نقاش أو مراجعة.

استخدام العاطفة والتخويف

يلجأ الخطاب إلى إثارة مشاعر الرعب والخوف لدى القارئ من مغبة مخالفة "دولة الإسلام"، وذلك عبر تصوير المعارضين على أنهم يواجهون "الخزي في الدنيا وأشد العذاب في الآخرة". يتم ذلك من خلال اقتباس آيات قرآنية تتحدث عن العقاب الإلهي، وإسقاطها مباشرة على الواقع السياسي المعاصر، مما يوحي بأن كل من يرفض نهج التنظيم محكوم عليه بالعذاب حتمًا.

فعلى سبيل المثال، يستخدم التنظيم الآية: }فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ{، ويقدمها كدليل على أن كل من يرفض سلطته الشرعية سيعاني في الدنيا قبل الآخرة. هذه الطريقة في استخدام النصوص تهدف إلى بث الذعر في نفوس المخالفين، ودفعهم إلى الامتثال خوفًا من العواقب.

كما أن الخطاب لا يكتفي بالتحذير الديني فحسب، بل يصوّر كل معارضة للتنظيم على أنها نوع من الخيانة التي تستوجب العقاب الشديد. فالمخالف ليس فقط عرضة للعذاب الإلهي، بل هو أيضًا متهم بالتآمر ضد الإسلام، مما يشرعن استهدافه بالقتل أو العقوبات القاسية.

هذا النمط من التخويف العاطفي ليس جديدًا في خطابات الجماعات المتطرفة، لكنه في حالة داعش يُستخدم بمهارة لتشكيل هوية جماعية قائمة على الطاعة المطلقة، حيث يُدفع الأتباع إلى الالتزام خوفًا من العقاب، وليس عن قناعة حقيقية. وهذا ما يعزز مناخ الإرهاب الفكري داخل التنظيم، ويمنع أي محاولات للنقد أو التفكير المستقل.

ثانيًا: تناقضات الخطاب وتوظيف التاريخ

يتناقض خطاب افتتاحية الصحيفة مع الواقع التاريخي والاجتهاد الفقهي الإسلامي، إذ يقدم تنظيم داعش نفسه على أنه الامتداد الشرعي للدولة الإسلامية الأولى، مدعيًا أنه يطبق الشريعة بنفس الصورة التي طُبقت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة. لكن هذا الادعاء يتجاهل الفروق الجوهرية بين طبيعة المجتمع الإسلامي في ذلك العصر، الذي بُني على الدعوة والتدرج في تطبيق الأحكام، وبين ممارسات التنظيم التي تتسم بالإكراه والتكفير المطلق للمعارضين، دون مراعاة لاعتبارات الفقه الإسلامي التي وضعها العلماء على مدار القرون.

يدّعي التنظيم أن رفض مشروعه يعني رفض الإسلام نفسه، متجاهلًا أن التاريخ الإسلامي شهد تنوعًا في تطبيق الشريعة وفقًا للسياقات الزمنية والجغرافية المختلفة. فالنموذج الإسلامي لم يكن ثابتًا عبر العصور، بل تأثر بالاجتهادات الفقهية التي راعت مصالح الناس وظروفهم. وفي المقابل، يعتمد خطاب التنظيم على طرح جامد يختزل الإسلام في تصوره الخاص، ويقصي كل الاجتهادات الأخرى التي شكلت تطور الفقه الإسلامي.

ومن أبرز الأدلة على هذا التناقض، استدعاء التنظيم لأحداث تاريخية مثل غزوة بني قريظة، ليبرر أعمال العنف التي يمارسها ضد خصومه. ففي الافتتاحية، يطرح الكاتب سيناريو متخيل لنقل خبر هذه الغزوة عبر وسائل الإعلام المعاصرة، في محاولة لاستفزاز مشاعر القراء وإيصال رسالة مفادها أن ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم هو ذاته ما يقوم به التنظيم اليوم. لكن هذا الطرح يتجاهل السياق التاريخي للغزوة، حيث كانت جزءًا من صراع عسكري أوسع، وليس قاعدة عامة تُسقط على كل زمان ومكان.

إن انتقائية التنظيم في توظيف التاريخ تعكس منهجًا خطيرًا، حيث يتم اقتطاع الأحداث من سياقاتها لتبرير سياسات الإقصاء والعنف. فمثلًا، في حين يستخدم التنظيم غزوة بني قريظة لتبرير القتل الجماعي، فإنه يتجاهل مواقف النبي صلى الله عليه وسلم الأخرى التي اتسمت بالحلم والعفو، كما حدث في فتح مكة عندما عفا عن قريش رغم ما اقترفوه بحقه وبحق أصحابه. وهذا يوضح أن التنظيم يختار من التاريخ ما يخدم مصالحه الأيديولوجية، متجاهلًا القيم الأوسع التي قام عليها الإسلام.

كما أن إصرار التنظيم على إعادة إنتاج وقائع الماضي بشكل حرفي يُظهر عدم إدراكه لتعقيدات العصر الحديث. فالمجتمعات اليوم تخضع لنظم سياسية وقانونية مختلفة، والتعامل مع القضايا الشرعية يستلزم اجتهادًا يراعي هذه المتغيرات. ولكن التنظيم يتجاهل هذه الحقائق، ويطرح رؤيته بوصفها التطبيق الوحيد المقبول للشريعة، مما يجعله في تناقض مستمر مع التراث الإسلامي الغني بالتنوع والاجتهادات المختلفة.

ثالثًا: التأثيرات السياسية والاستراتيجية للخطاب

إن خطاب افتتاحية الصحيفة لا يعكس فقط رؤية دينية متشددة، بل يخدم أهدافًا سياسية واستراتيجية محددة، حيث يسعى التنظيم من خلاله إلى تحقيق مكاسب تتجاوز الجانب العقائدي، ليصل إلى تبرير ممارساته العنيفة، وزرع الانقسامات داخل المجتمعات الإسلامية، واستقطاب أتباع جدد.

تبرير العنف:

يعمل التنظيم على شرعنة ممارساته الوحشية من خلال تأطيرها دينيًا، بحيث تصبح أفعاله، مهما بلغت من قسوة، جزءًا من التزامه المزعوم بتطبيق الشريعة. ففي الافتتاحية، يتم استدعاء مشاهد من التاريخ الإسلامي، مثل غزوة بني قريظة، ليس لإعادة فهمها وفق سياقاتها، بل لتقديمها كدليل على أن العنف الذي يمارسه التنظيم اليوم هو امتداد للفتوحات الإسلامية. هذه المقاربة تهدف إلى تحييد أي نقد لأعماله، بحيث يبدو كل معترض وكأنه يعترض على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، مما يمنح ممارساته غطاءً دينيًا يصعب على البسطاء دحضه.

إلى جانب ذلك، يتبنى التنظيم خطابًا يقسم العالم إلى معسكرين متصارعين: معسكر الإيمان الذي يمثله، ومعسكر الكفر الذي يضم كل من يعارضه. وهذا التصنيف المطلق لا يترك مجالًا لأي حلول وسط أو تفاهمات، بل يجعل العنف هو الخيار الوحيد المتاح. وحين يبرر التنظيم عمليات الإعدام الجماعية وقمع المخالفين بحجة "تنقية الصف الإسلامي"، فإنه بذلك يؤسس لنموذج سياسي قائم على الرعب، حيث تصبح القوة والبطش أدوات أساسية للحكم.

الأخطر من ذلك، أن هذا الخطاب يسهم في تعطيل أي نقاش ديني جاد حول مشروعية أفعال التنظيم، إذ يتم استغلال النصوص الدينية بطريقة انتقائية لمنح صبغة شرعية لأعمال العنف، في حين يتم تجاهل القيم الإسلامية التي تدعو إلى الرحمة والعدل والتدرج في تطبيق الأحكام. وهكذا، يصبح الإرهاب مشروعًا ومقدسًا في أذهان أتباع التنظيم، مما يعزز دائرة العنف المستمرة.

خلق انقسامات داخل المجتمعات الإسلامية:

يستخدم التنظيم خطابًا تكفيريًا حادًا يجعل من كل من يخالفه في الرأي خصمًا دينيًا يجب إقصاؤه أو قتاله. فمن خلال وصف المخالفين بأنهم "يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض"، ومن خلال اتهامهم بأنهم "يتلاعبون بالمصطلحات" و"يتبعون الدعاة على أبواب جهنم"، يسعى التنظيم إلى نزع الشرعية عن أي تيار إسلامي لا يتبنى تفسيره الحرفي والمتشدد للنصوص.

هذه الاستراتيجية تؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل الأمة الإسلامية، إذ يتم تصنيف المسلمين إلى فئتين: مؤيدون لداعش، وهم "المسلمون الحقيقيون" وفقًا لمنطق التنظيم، ومعارضون له، وهم إما "مرتدون" أو "منافقون" يجب التعامل معهم بوسائل الردع والعنف. وبهذا، لا يصبح التنظيم فقط في صراع مع الأنظمة السياسية، بل يدخل في مواجهة شاملة مع كافة التيارات الإسلامية، بما في ذلك تلك التي تدعو إلى تطبيق الشريعة بوسائل سلمية أو إصلاحية.

كما أن هذا الخطاب يساعد التنظيم في عزل المجتمعات المسلمة عن محيطها العالمي، إذ يتم تقديم أي تفاعل مع الدول أو المؤسسات الدولية على أنه "مؤامرة ضد الشريعة". وهذا يعزز حالة العزلة والانغلاق الفكري، مما يسهل على التنظيم فرض سيطرته الأيديولوجية على أتباعه، ويمنع أي محاولات للمراجعة أو النقد الداخلي.

استقطاب الأتباع:

يلعب الخطاب الإعلامي للتنظيم دورًا حاسمًا في تجنيد الشباب، خصوصًا أولئك الذين يفتقرون إلى المعرفة الدينية العميقة. فمن خلال تصوير العالم على أنه في حالة "حرب" ضد الشريعة، يسعى التنظيم إلى خلق إحساس بالمظلومية بين الشباب المسلمين، مما يدفعهم إلى البحث عن "الخلاص" في مشروعه.

في الافتتاحية، يتم تصوير المعارضين على أنهم ليسوا فقط ضد التنظيم، بل ضد الإسلام نفسه، مما يجعل أي مسلم يشعر بالحيرة إزاء موقفه من التنظيم أقرب إلى الانضمام إليه بدافع الخوف من الوقوع في دائرة "الكفر". هذه الاستراتيجية النفسية تعتمد على التخويف والإقصاء، بحيث يصبح التنظيم الملاذ الوحيد لمن يريد أن يكون "مسلمًا حقيقيًا" وفقًا لروايته.

إلى جانب ذلك، يوظف التنظيم فكرة "التمكين"، حيث يقدم نفسه على أنه القوة الوحيدة القادرة على إعادة مجد الإسلام، مستغلًا مشاعر الإحباط لدى الشباب تجاه الأنظمة الحاكمة، التي يعتبرونها فاسدة أو عاجزة عن تحقيق العدالة الاجتماعية. وهكذا، يصبح الالتحاق بالتنظيم ليس مجرد خيار ديني، بل طريقًا لتحقيق الذات والانتصار على الظلم، وهو ما يفسر نجاح التنظيم في استقطاب مقاتلين من خلفيات جغرافية واجتماعية متنوعة.

وبهذا، يتضح أن خطاب التنظيم ليس مجرد طرح ديني متشدد، بل هو جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى فرض العنف كأمر واقع، وإحداث انقسامات داخل الصف الإسلامي، واستقطاب أتباع جدد عبر خلق حالة من الاستقطاب الحاد بين "المؤمنين" و"الكافرين"، وهي ثنائية خطيرة تؤدي في النهاية إلى مزيد من الفوضى والدمار.

خاتمة

تعكس هذه الافتتاحية نموذجًا كلاسيكيًا لخطاب التنظيمات المتطرفة، حيث يتم توظيف النصوص الدينية بطريقة أيديولوجية لخدمة مشروع سياسي عنيف. من خلال استغلال آيات قرآنية وأحاديث نبوية خارج سياقاتها، يسعى التنظيم إلى خلق شرعية دينية زائفة لعملياته، ما يجعل تفكيك هذا الخطاب ضروريًا لوقف تمدد الفكر الإرهابي.

إن تأثير هذه الافتتاحية يتجاوز مجرد التنظير الفكري، ليصل إلى مستوى التعبئة والتحريض المباشر على العنف، مما يساهم في إنتاج أجيال جديدة من المتطرفين المستعدين لتنفيذ أجندة التنظيم دون تردد. فحين يتم تصوير كل من يخالف التنظيم على أنه كافر محارب، يصبح العنف ضدهم مبررًا بل وواجبًا دينيًا، وهو ما يغذي دوامة الإرهاب المستمرة.

لمواجهة هذه التحديات، لا بد من تعزيز الوعي الديني العميق، الذي يقوم على فهم شامل ومتزن للشريعة الإسلامية، بعيدًا عن التفسيرات الأيديولوجية الضيقة. يتطلب ذلك دورًا نشطًا من المؤسسات الدينية والعلماء المستقلين في تقديم قراءات عقلانية ومنفتحة للنصوص، تراعي تعقيدات الواقع وتطور المجتمعات.

وأخيرًا، فإن تفكيك هذا الخطاب لا يمكن أن يقتصر على الجوانب الدينية فقط، بل يجب أن يشمل تحليلًا سياسيًا واجتماعيًا يكشف عن الأهداف الحقيقية لهذه الجماعات، ويبين كيف يتم توظيف الدين كأداة للسيطرة وبسط النفوذ، وليس كوسيلة لتحقيق العدل والسلام. من خلال هذا النهج الشامل، يمكن الحد من تأثير هذه الأيديولوجيات المتطرفة، وقطع الطريق أمام استغلالها في صناعة الإرهاب والتطرف.

المصدر

المصدر: البوابة نيوز

كلمات دلالية: داعش الشريعة التكفير العصر النبوي صلى الله علیه وسلم للشریعة الإسلامیة هذه الافتتاحیة تطبیق الشریعة فی الافتتاحیة یسعى التنظیم التنظیم على الإسلامیة ا التنظیم فی هذا الخطاب تنظیم داعش م التنظیم على أنهم تهدف إلى متجاهل ا على أنه من خلال تطبیق ا خطاب ا ا یجعل على أن کما أن دینی ا

إقرأ أيضاً:

هل يصمد الطرب زمن الخوارزميات؟ قراءة في تجربة لطفي بوشناق

لا شكّ في أنّ المنصّات الرقمية والخوارزميات تعيد تشكيل علاقة الجمهور بالموسيقى وتحديدا الطرب، خاصّة وأنّها قد غيّرت معايير الانتشار في ظلّ هيمنة الثّقافة الاستهلاكيّة وظهور أنماط موسيقيّة أخرى أكثر انسجاما مع منطق المنصّات و"التّرند".

ولكن هذا التحوّل لا يعني بالضّرورة أنّ الأغنية الطّربيّة قد فقدت قدرتها على استقطاب الجمهور. فيوجد دائما التّجارب الاستثناء التي يمكن أن تكون مرجعا في صمود الطرب والمحافظة على مكانته وفي مقدّمتها تجربة الفنان التونسي لطفي بوشناق: أحد أبرز الأصوات التي ارتبطت بالذاكرة الغنائية العربيّة. وهي تجربة جديرة بالتأمّل لنفهم كيف يمكن للفنّان المحافظة على مكانته وجماهيريته في عصر تعيد فيه الخوارزميات تشكيل الذائقة الموسيقية وتفرض معايير جديدة للانتشار؟

اللاّمرئي في تجربة لطفي بوشناق

لا يُختزل شغف لطفي بوشناق بالموسيقى في حضوره الآسر على المسرح، حيث يمسرح الكلمة ويمنحها بعدا دراميا يجعل الأغنية تبدو وكأنها قضيته الشخصية بل يتجلّى أيضا في ذلك الفضاء الخفيّ الذي تتشكّل فيه أعماله قبل أن تصل إلى الجمهور. في خلوته الإبداعية، حيث ترافقه آلاته الموسيقية ونوتاته ومسودات أغان جديدة وتسجيلات لأعمال لم ترَ النور بعد. هناك نرى صورة أخرى للفنان. وهناك أدركنا أنّنا لا نزور مكتب موسيقي فحسب بل أرشيفا حيّا لتجربة امتدت أكثر من أربعة عقود. في كل زاوية تتراكم الكؤوس والدروع والشهادات والجوائز، حتى يخال الزائر أنه في متحف صغير. غير أنّ أكثر ما يلفت الانتباه ليس هذا الرصيد من التكريمات، وإنما ذلك العدد الكبير من الأغاني المسجّلة والمصوّرة التي بقيت حبيسة الأدراج، رغم اكتمالها الفني.

استطاع بوشناق أن يزاوج بين المقامات العربية التقليدية والإنشاد الصوفي والموشحات وبعض التوزيعات الموسيقية الحديثة في أسلوب لا يشعر معه المستمع بأي تعارض بين الأصالة والتجديد بل يلمس انسجاما يجعل الحداثة امتدادا للتراث لا قطيعة معه.لا يعود ذلك إلى تراجع في الإنتاج أو فتور في الإبداع، بل إلى اختلالات في منظومة الإنتاج والتوزيع والبث وإلى خيارات إعلامية انحازت منذ سنوات إلى أنماط موسيقية أكثر انسجاما مع منطق السوق والمنصات على حساب الأغنية الطربية. ومع ذلك، كان بوشناق يتحدث عن كل مشروع جديد بالحماسة نفسها التي يتحدث بها فنان في بداية الطريق، لا صاحب تجربة تجاوزت أربعين عاما.

وربما يكمن هنا أحد أسرار استمرارية هذه التجربة: فالعلاقة التي تربط بوشناق بالموسيقى ليست علاقة مهنة بفن، وإنما علاقة وجودية تجعل الغناء جزءا من إيقاع حياته اليومية لا مجرّد منتج يقدّمه إلى الجمهور. لذلك يبدو شغفه متجدّدا، غير خاضع لحسابات السوق أو لمنطق الانتشار السّريع وهو ما يفسّر، في المقابل، ذلك الوفاء النادر الذي يحظى به من جمهوره. فالفن الذي يمارس بالشغف له قدرة لا حدّ لها على بناء علاقة طويلة الأمد مع المتلقّي حتى في زمن تتبدّل فيه الأذواق بسرعة وتعيد فيه المنصات الرقمية رسم خرائط النجاح والانتشار.

الكلمة قضيّة..!

لم يتعامل لطفي بوشناق مع الأغنية بوصفها "سلعة" تخضع لمنطق السوق، بل بوصفها رسالة فنية وإنسانية تقوم على التّكامل بين الكلمة واللحن والأداء. لذلك يصعب أن نعثر في رصيده على أعمال تقوم على عبارات مستهلكة أو كلمات أُنتجت فقط لإرضاء ذائقة عابرة أو لمجاراة ما تفرضه الخوارزميات. ولعلّ هذا ما يفسّر استمرار تداول أغانيه عبر الأجيال، في الوقت الذي تختفي فيه عشرات الأغنيات حققت ملايين المشاهدات وذلك بمجرد انتهاء موجة "الترند". فتستطيع الخوارزميّة نشر أغنية لكنّها لا تستطيع أن تضمن لها مكانا في الذاكرة. وتستطيع نسب المشاهدات ان تفرضها على المتلقي ولكنها لا تستطيع أن تضفي عليها قيمة تخلّدها.

ولذلك ظلّ بوشناق حريصا على التعاون مع شعراء هم بدورهم أصحاب مشاريع فنية ثقافيّة من بينهم آدم فتحي وصلاح الدين بوزيان وفيصل الشريف وغيرهم في دلالة على أنّ بحثه كان دائما عن الكلمو قبل البحث عن الأغنية. ولنتأمّل مثلا أغنية "أنا المواطن"، من كلمات آدم فتحي، التي يقول فيها:" فأنا مواطن ينام جائعًا حتى يطعم الوطن.. أنا المواطن المنسي في الدفاتر، المقتول في المقابر."لقد تحوّلت هذه الكلمات إلى شهادة فنية على مرحلة كاملة من التاريخ التونسي، حتى إنّ بوشناق لم يتمالك نفسه أثناء أدائها في إحدى الحفلات وبكي وأبكى معه الجمهور. لتتحوّل لحظة الغناء إلى لحظة وجدانية جماعية امتزج فيها صوت الفنان بمشاعر الجمهور. فأصبحت الأغنية ذاكرة مشتركة تعبّر عن وجدان الناس.

وحتى في أغاني الحب، لا ينفصل الغزل عند بوشناق عن الانتماء. ففي أعمال مثل "إنت شمسي إنت" و"ريتك ما نعرف وين" تمتزج صورة المرأة بصورة الوطن ويصبح الحنين إلى الحبيبة امتدادا للحنين إلى الأرض. فلا يقدر المستمع لها الفصل بين الحب الفردي والانتماء الجمعي وكأنّ الوطن هو الشرط الأول لاكتمال تجربة الحب ذاتها.

والمثير للانتباه أنّ هذا الحرص على اختيار الكلمة المعبّرة الحاملة لمعنى لا يغيب حتى في الأغنية الشعبية كما في كلمات أغنيته:"كيف شبحت خيالك... لا وسع لا بالك... قلبي نقز مالضلوع مشالك."إنها لغة بسيطة لكنها مشحونة بصورة شعرية تمنحها قدرة على النفاذ إلى ذاكرة المستمع.

أسهم بوشناق بنفسه في تلحين جزء مهم من أعماله كما انفتح على تجارب موسيقية عربية مختلفة من خلال تعاونه مع أسماء بارزة مثل أنور إبراهيم في أغنية "ريتك ما نعرف وين" وسيد مكاوي وفتح الله أحمد من العراق وأحمد فتحي من اليمن بما يعكس إيمانه بأن التجديد يتحقّق بالحوار مع تجارب موسيقية متعدّدة.ويمتد هذا الاختيار الواعي للكلمة إلى القضايا القومية والإنسانية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي حضرت في أعمال مثل "وأمّتاه" من كلمات الشاعر الليبي فيصل الشريف، و"نشيد القدس" و"سهول فلسطين" و"من تونس للقدس" و"خليك صامد يا فلسطيني" فالفنان هنا لا يكتفي بالتعبير عن مشاعره الشخصية، بل يجعل من الأغنية خطابا يتجاوز الذات ليعبّر عن همّ جماعي وهو ما يمنح العمل قابلية للاستمرار خارج زمن إنتاجه.يصنع التّرند شهرة مؤقتة، أما المعنى فيصنع ذاكرة.

اللّحن جزء من هويّة فنيّة

إذا كانت الكلمة هي الحامل الأوّل للمعنى في تجربة لطفي بوشناق، فإن اللّحن هو الوسيط الذي يفعّل ذلك المعنى. وقد أسهم بوشناق بنفسه في تلحين جزء مهم من أعماله كما انفتح على تجارب موسيقية عربية مختلفة من خلال تعاونه مع أسماء بارزة مثل أنور إبراهيم في أغنية "ريتك ما نعرف وين" وسيد مكاوي وفتح الله أحمد من العراق وأحمد فتحي من اليمن بما يعكس إيمانه بأن التجديد يتحقّق بالحوار مع تجارب موسيقية متعدّدة. وتنوّع الملحنين هو جزء من مشروع موسيقي يقوم على تطوير اللغة اللحنية دون التفريط في الهوية الطربية.

ولذلك استطاع بوشناق أن يزاوج بين المقامات العربية التقليدية والإنشاد الصوفي والموشحات وبعض التوزيعات الموسيقية الحديثة في أسلوب لا يشعر معه المستمع بأي تعارض بين الأصالة والتجديد بل يلمس انسجاما يجعل الحداثة امتدادا للتراث لا قطيعة معه.

يتبيّن من خلال  تجربة لطفي بوشناق أنّ ما يصمد ليس ما نجحت الخوارزمية في الترويج له، بل ما نجح في أن يصبح جزءا من الوجدان الجمعي.فلهذا السبب لا يزال بوشناق، بعد أكثر من أربعة عقود، قادرا على ملء المسارح واستقطاب أجيال لم تعاصر بداياته. ففي عصر تتنافس فيه الأغاني على خطف ثوان من انتباه المتلقي يخلد من ينجح في مخاطبة الانسان وليس من يتقن منطق الخوارزمية.

مقالات مشابهة

  • شوقي علام: الشريعة ليست نصوصًا.. بل سلوك يومي يُختبر في المعاملات
  • خلاف ديموقراطي على قانون لتنظيم العملات المشفرة.. لا يضمن وقف تربح ترامب
  • هل يصمد الطرب زمن الخوارزميات؟ قراءة في تجربة لطفي بوشناق
  • قوة من النزاهة ومكافحة الإرهاب تعتقل 4 مقاولين في الديوانية
  • منير أديب يكتب: حين وصلت العقوبات إلى قلب التنظيم الدولي
  • هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو
  • صدور العدد السادس من مجلة بحوث الشريعة
  • «قوى إعلان المبادئ» تجدد رفض إشراك المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية
  • بتوجيهات محافظ بيروت.. حملة لتنظيم المرافق العامة في منطقة حي اللجا في المصيطبة
  • مصطلح رعاية الإرهاب.. عصا الدول الكبرى وجزرتها