من ميدان معارك حرب الكرامة يكتب :
إلى الأمير عبد القادر منعم منصور ..
في القرن السابع عشر حدث أن كان جدنا الشيخ أب علي ود أُمحُمد الإديغم زعيم قبيلة الشكرية، في إحدى جولاته بأطراف البطانة، فوجد قوما مكتوفي الأيدي وفي حالٍ لا تسر ، فقد كانوا أسرى لدى عصابة ما ، فأشار لأحد الشباب وكان إبن زعيم في قومه ، فسأله : إت ود منو ؟؟ فرد الشاب : أنا ود أب جوادا صاهل .

. وقدحاً ساهل .. ومراحاً باهل .. وديوانا ماهل .. لكن وقْعَتـْنا فَسْلة ..
فقال له الزعيم أب علي : ماك مشهاد فَسِل .. لكن فِسْلت الأيام ..
ومع أن بين سائل اليوم وسائل الأمس بُعد المشرقين، لكن حال أسير اليوم هو هو حال أسير الأمس، فكلاهما يعاني فسالة الأيام، ومن فسالة الأيام أن يكون الزعيم الأمير ابن الأمير ابن الأمير أسيرا بيد الساقطين من كتب التاريخ، والتاريخ هنا هو الذي كتبه آل منعم منصور ضمن ما كتبه شرفاء السودانيين على مر العهود، وقد كتب آل منصور بأيديهم فعلا مشرفاً وبأفواههم قولاً خالداً ، مثلوا أهلهم خير تمثيل وقادوهم بالرشد وجميل المعاشرة، سادوهم بالحكمة وكريم المباشرة، تقدموهم بحسن الخلق ووافر العدل وبديع الأدب ولين الجانب ..
وبالأمس القريب عندما هبط المحتلين الأنذال بمدينة رفاعة عاصمة الشكرية التاريخية أستحضر الناظر علي محمد أحمد أبوسن سيرة جده ال :
يوم ضربة كرن والناس حفايا يرحو
ثابتين هو وتواوا حالفين شبر ما يزحوا
فأقسم أن لا يبارحها إلا بعز النصر أو نصر الشهادة، فكان عز النصر بأن تحررت رفاعة بأبنائها، وأستقبل ود حلمي القائد البرهان بهتافه الشهير (الرجال يصنعون المواقف) وأستقبل جموع قبيلته بهتاف (أبشروا)، فلم يُحدّث أحدا عن كيف تعايش في أسره الجبري مع أمراضه المزمنة وسوء الحال في المدينة التي صارت مدينة أشباح، ولا عن إبن أخيه الذي قُـتل أمام ناظريه، ولا عن إستفزاز الأوباش اليومي له طوال شهور الأسر البغيضة ، ترك كل ذلك وراء ظهره وأقبل عليهم أشد عزيمة وإصراراً على أن ما عليه هؤلاء هو الباطل وأن الوطن هو الحق الذي لا يُعلى عليه ..
هذه هي أخلاق الزعماء وأبناء الزعماء ، والأمير عبد القادر الذي يستعرض صوره مرافيد الأرض وقوم الشتات اليوم هو من الجبال التي لا تهزها المحن ولا يختبرها بؤس الأيام وفسالها ، فهؤلاء يعلمون تمام العلم أن إن هي إلا ميتة واحدة والطموح أن تكون ميتة شرف وعز وكرامة، فالتاريخ يكتب اليوم، فالرجل الشريف يحمي شخصيته والرجل الوضيع يحمي وضعيته ، ولا أكثر وضاعة ممن ارتمى في حضن الغازي ومن رضخ خوفا وطمعا ومن باع جبناً وإرتعاداً وفرقاً .
والتاريخ يحكي أن من بيوت دار حمر الثلاث الكبيرة أنطلق الوعي والوطنية وعمت بشائر الإنتاج والتنمية، وقد مثلت قبائل العساكرة والدقاقيم والغريسية وبقية بطون الحمر واسطة خير وأمن وسلام بين مجتمعات إقليم كردفان، فهي مواطن الإكرام ، موفورة القيم، عميقة الجذور، ومن جذورها الراسخة ذلك الأمير المُمَثل بشخصيته وهو محاطٌ بالمرض وتقدم السن، الأمير عبد القادر منعم منصور الذي تولى نظارة عموم دار حمر في العام ١٩٨٥ خلفا لأخيه منصور منعم منصور والذي ورث النظارة عن أبيه منعم منصور الذي ولد بمدينة أب زبد وعين ناظرا لعموم دار حمر في العام ١٩٢٦ وقد أشتهر الناظر منعم منصور بالزهد والحزم والعدل فقد كان حافظا للقرآن وبني مسجدا من حر ماله بمدينة النهود في العام ١٩٤٥، وقد سلك الناظر منعم منصور طريق آبائه من لدن الشيخ إسماعيل قراض القش والشيخ إبراهيم بك المليح والشيخ منعم ود الشيخ سالم تريشو العسكري، ويعد الشيخ سالم تريشو الأب الروحي لقبيلة الحمر والذي جاء بأهله من العساكرة والدقاقيم لمنطقة كردفان وذهب للبحث عن مصادر المياه وتوفي بالقرب من المزروب وخلفه إبنه منعم على القبيلة ..
وقبيلة الحمر التي تنتسب للشيخ محمد الأحمر تعد من أكبر القبائل التي سكنت إقليم كردفان، ولها صلات طيبة وجوار آمن مع شركائها في الأرض والدم من قبائل الكبابيش والشنابلة ودار حامد والمجانين وبني جرار وغيرهم ، وعلى طول امتداد الدار من مدينة الخوى الى غبيش ومن ود بندة الى أم لبانة، بما فيها النهود، عيال بخيت، صقع الجمل وغيرها، كلها لا صوت يعلو فيها على صوت الحكمة والعقل، ولا كبير فيها على منعم منصور وآله، حتى في هذا (الزمن الفَسِل) زمن صعود اللقطاء، ويظل اسم منعم منصور من الأسماء التي لا يدانيها أحد في الوطنية والولاء، فهو إسم شامخ لا يصرعه باطل الدجال ولا ترهبه خيله الملتاثة ولا تفزعه صيحات جند الكِراية والمحلسة .
فالأمير عبد القادر الذي فاز لخمس مرات في انتخابات البرلمان القومي يعرف قومه جيدا ويخبر معدنهم ويعرف أنهم إن خرجوا اليوم من دارهم فهم عائدون لا محالة عن قريب، وأن الدار وإن غاب عنها بنيها فهي حرة بهم بلا شك ولا ريب، فبعض معالم الدار تمثل لقبيلة الحمر الكثير، فهم يستمدون شموخهم من جبال حيدوب والنهيدات، وأم رقتي، وجبال كاجا، والعفاريت، ولكل منهم ذكرٌ وذكرى فيها وفي كل زاوية من الدار لديهم قبرُ عظيمٍ أو أثرُ شريف، وبين كل تبلدية وأخرى يسترجعون ذكريات الآباء والأجداد، فأرضهم المعطاء التي ينمو في قيزانها الغبيش والصميمة والهبيل والدروت ، وفي جُرّابتها الهشاب والكداد والبابنوس، والحميض، وفي قردودها الدخن والذرة وغيرها، والتي ظلوا ينعمون فيها مئات السنين ما بين قوز وجُرّابة وقردود، تحيطهم بخيرها وثمرها الوفير ويحيطونها بالحماية والرعاية والإنتماء الأصيل، فكل آريت وكل قرية وكل مشيخة في دار حمر يربطها وثاق المَحَنّة وآصرة القربى والمصير المشترك، ولذا فلن تكون النهود ولا مدن الدار لقمة سائغة للإحتلال الغاشم ..
الوالد الأمير ..
إن حال مواطني النهود من أهل الدار اليوم يشبه تماما حال الهمباتي تيراب حين قال :
هانونا النجوس حرمونا قول لي بتول
الله يحرمن كان حرمونا من دار منعم المنصور
ولا أشد مضاضة من فراق الدار ورؤية زعيمها أسيرا بيد هؤلاء النجوس، لكنها أيامٌ يأخذ فيها الباطل (عرضته)، وهو حال الدنيا الذي عبر عنه شعراء البطانة بقولهم :
يوم فارشين بطاطين والعجاج مالينا
ويوم واقفين تصويرة لأم خداد تعاين فينا
وقولهم :
يوماً غبش ويوم مسوحنا الفتنة
ويوم سايقين قران سدر القضارف بِتنا
البينة بترد وبنخاصم الباهتنا
نتستر على عروضنا ونقضي وكِتنا
وأيام الباطل ثقيلة ثقل أهله، وفيها تكون المحن الجسام على قدر تحمل المبتلين وطاقتهم، ولأن بقدر المحبة يكون الإبتلاء فإن الرازحون اليوم في قيد الإبتلاء هم الموطؤون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون، هم الراعون لعيال الله، الباذلين الخير والمحبة، (فراجين كربة الضايق) الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الناس والسعي في قضاء حاجاتهم ..
الوالد الأمير ..
سيتحدث التاريخ غدا عن ماذا قلت ل(فلنقايات) اللقطاء من خونة الدار، ومن الذين باعوا ما لا يباع، ومن أهدروا شرف الدار وتاجروا بتاريخها وخانوا أمانتها ، وسيشيع الناس باللعنات من كان سببا في سقوط عاصمة الدار، ومن فرط في ذلك التاريخ الوضئ، وسيأتي جيل من أهل الدار وشبابها شعارهم : من مات مات على هدى ومن عاش عاش على ثبات، وستكون الدار حرة على أيديهم وسَيُدَك باطل المليشيا وينهار صنمها ويتبدد سرابها الذي حسبه الراجفون ماء، والعاقبة للمتقين ..
حفظ الله الوالد الأمير رمز الشموخ والكرامة والعزة، وحفظ الدار وأهلها، وأبرم لبلادنا أمر رشد تُعز فيه قواتنا المسلحة وأنصارها ومسانديها ، ويُذَل فيه خنازير المليشيا وسدنتها وجناحها السياسي الخائن ..
يوسف عمارة أبوسن
4 مايو 2025

إنضم لقناة النيلين على واتساب

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: الأمیر عبد القادر منعم منصور دار حمر

إقرأ أيضاً:

منير أديب يكتب: حين وصلت العقوبات إلى قلب التنظيم الدولي

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

كان يدور الجدل داخل الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات حول جدوى التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين بوصفها حركة سياسية تتباين فروعها من دولة إلى أخرى، باعتبارها شبكة عابرة للحدود تتشارك الفكر والتمويل والأهداف. 

إلا أنّ القرار الأخير الصادر عن وزارة الخزانة الأمريكية أمس الخميس بإدراج محمود الإبياري، أمين عام التنظيم الدولي، إلى جانب أفراد وكيانات أخرى مرتبطة بشبكات دعم مالي لحركة حماس إلى قوائم الإرهاب، يعكس انتقالًا واضحًا من مراقبة التنظيم إلى استهداف بنيته المالية والتنظيمية.

القرار لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً ماليًا معزولًا، بل يمثل حلقة جديدة في سياسة أمريكية بدأت تتبلور بصورة أكثر وضوحًا منذ عودة إدارة الرئيس دونالد ترامب، ففي الثالث عشر من يناير 2026 أعلنت واشنطن إدراج الفروع المصرية والأردنية لجماعة الإخوان على قوائم الإرهاب المالية، كما صنفت الفرع اللبناني، ممثلًا في الجماعة الإسلامية، منظمةً إرهابية أجنبية، مؤكدة أنّ هذه الخطوة ليست نهاية المسار، بل بداية حملة مستمرة ضد الفروع التي ترى أنّها تقدم دعمًا أو تسهيلًا لحركة حماس.

بهذا المعنى، يمكن القول إنّ الولايات المتحدة الأمريكية انتقلت من سياسة التفريق بين التنظيم الأم وفروعه إلى سياسة ملاحقة الشبكات التي ترى أنّها تؤدي وظائف مالية أو تنظيمية أو لوجستية تصب في خدمة جماعات مصنفة إرهابية. 

ولذلك فإنّ إدراج محمود الإبياري يكتسب أهمية خاصة؛ لأنه يستهدف شخصية مرتبطة بالأمانة العامة للتنظيم الدولي، وليس مجرد عضو في فرع محلي، ووفق بيان وزارة الخزانة، فإنّ الاتهامات تُركز على جمع الأموال عبر مؤسسات وواجهات خيرية لصالح شبكات مرتبطة بحماس .

هل جاء هذا التحول نتيجة مباشرة لأحداث السابع من أكتوبر 2023؟ يصعب الجزم بأنّه نتيجة وحيدة، لكن من الصعب أيضًا فصل القرار عن تداعيات ذلك اليوم، فقد أعادت هجمات السابع من أكتوبر ترتيب أولويات الأمن القومي الأمريكي فيما يتعلق بتمويل الجماعات المسلحة، ودفعت المؤسسات الأمنية إلى إعادة فحص الشبكات العابرة للحدود التي يُشتبه في مساهمتها في الدعم المالي أو اللوجستي لحماس، وفي هذا السياق، أصبحت العلاقة الفكرية والتنظيمية بين حماس وبعض دوائر الإخوان محل تدقيق أكبر من أي وقت مضى. 

ولا يُعني ذلك أنّ واشنطن تعتبر جميع مكونات الإخوان كيانًا واحدًا من الناحية القانونية؛ فالإدارة الأمريكية ما زالت تستخدم أدوات قانونية مختلفة وفق كل حالة، لكنها في المقابل أصبحت أكثر استعدادًا لربط النشاط المالي والتنظيمي بنتائج أمنية مباشرة، وهو ما يُفسر انتقال العقوبات من استهداف أفراد مرتبطين بحماس إلى استهداف شخصيات وكيانات ترى أنّها تشكل جزءًا من البنية الداعمة لها. 

أما تأثير هذه العقوبات على التنظيم الدولي، فمن المرجح أنّه يتجاوز البعد الرمزي، فالعقوبات الأمريكية لا تقتصر على تجميد الأصول داخل الولايات المتحدة، وإنما تمتد آثارها إلى النظام المالي العالمي، حيث تتجنب مؤسسات مصرفية وشركات عديدة التعامل مع الأشخاص والكيانات المدرجة خشية التعرض للعقوبات الثانوية أو المخاطر القانونية. 

وهذا يُعني تضييقًا على حركة الأموال، وارتفاعًا في تكلفة إدارة الشبكات العابرة للحدود، وزيادة في صعوبة استخدام المؤسسات والواجهات الخيرية أو التجارية في نقل التمويل. 

والأثر السياسي لا يقل أهميةً عن الأثر المالي، فمنح وزارة الخزانة أهمية خاصة للتنظيم الدولي يبعث برسالة إلى الحلفاء الأوروبيين والإقليميين بأنّ واشنطن تتوقع مزيدًا من التعاون في تتبع شبكات التمويل، وربما اتخاذ إجراءات موازية ضد أفراد أو كيانات تعمل داخل ولايات قضائية أخرى، ومن شأن ذلك أنّ يُزيد الضغوط على البيئات التي ظل التنظيم يتحرك فيها مستفيدًا من الفوارق القانونية بين الدول.

مع ذلك، لا ينبغي الافتراض أنّ هذه الإجراءات تُعني نهاية التنظيم الدولي، فالتنظيمات العابرة للحدود غالبًا ما تسعى إلى التكيف مع الضغوط عبر إعادة هيكلة قنوات التمويل، وتغيير الواجهات القانونية، والاعتماد على وسطاء وشبكات أقل ظهورًا، لكن قدرة التنظيم على المناورة تتراجع كلما اتسعت دائرة التنسيق الدولي في مجال مكافحة تمويل الإرهاب.

قد يكون هذا القرار أكثر من مجرد إدراج اسم على قائمة عقوبات؛ فقد يكون مؤشرًا إلى مرحلة جديدة في السياسة الأمريكية، عنوانها الانتقال من ملاحقة الأذرع المسلحة إلى ملاحقة البنى التنظيمية والمالية التي يُعتقد أنّها تُوفر لها الاستمرار.

 وإذا استمرت هذه المقاربة، فإنّ التنظيم الدولي للإخوان قد يجد نفسه أمام بيئة دولية أكثر تضييقًا، لا بسبب المواجهة الفكرية وحدها، وإنما بسبب انتقال المعركة إلى المجال الذي يُمثل شريان بقائه، المال، والحركة، والقدرة على العمل عبر الحدود. 

مقالات مشابهة

  • منير أديب يكتب: حين تُرك باب المندب رهينةً للحوثي
  • منير أديب يكتب: حين وصلت العقوبات إلى قلب التنظيم الدولي
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • وزارة الدفاع اليمنية تعلن مقتل 4 من جنودها في معارك مع الحوثيين جنوبي البلاد
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • مصطفى بكري: ثورة يوليو أعادت الكرامة للمصريين.. وعبد الناصر سيظل حاضرا في ذاكرة الأجيال
  • مصطفى بكري: الزعيم عبد الناصر سيظل حاضرًا في وجدان الأمة.. وثورة 23 يوليو أعادت الكرامة للفلاح
  • رئيس الوزراء اليمني يزور مستشفى الأمير محمد بن سلمان في عدن
  • سمو الأمير يهنئ رئيس مصر