نائب أردوغان للجزيرة نت: إسرائيل تحاول استثمار الفوضى بالمنطقة لمصالحها
تاريخ النشر: 26th, May 2025 GMT
أجرى نائب الرئيس التركي جودت يلماز مقابلة خاصة مع موقع الجزيرة نت، حاوره فيها الصحفي كمال أوزتورك، تناولت قضايا محورية من السياسة الخارجية والوضع الداخلي، إلى الاقتصاد والحرب على غزة، ووجّه خلالها رسائل ذات أبعاد استراتيجية.
تجدون فيما يلي الأسئلة والأجوبة التي وردت في هذه المقابلة:
في وقت إجراء هذه المقابلة، وصل الرئيس السوري أحمد الشرع إلى تركيا في زيارة مفاجئة.
ما سبب هذه الزيارة؟ وكيف تصفون العلاقات التركية السورية في الوقت الراهن؟
يلماز:
سوريا بلد في غاية الأهمية بالنسبة إلينا. فهي جارة، وتربطنا بها حدود تتجاوز الـ900 كيلومتر، ولدينا معها روابط تاريخية عميقة. ولهذا فإن أي تطور، سواء أكان إيجابيا أم سلبيا، يقع فيها، فإنما يمسنا عن قرب. لقد شهدت سوريا ثورة بعد أكثر من ستين عاما من الديكتاتورية، ومن حكم جائر وظالم. واليوم تدخل سوريا مرحلة جديدة. وأساس موقفنا من سوريا في هذه المرحلة يقوم على بناء الثقة والاستقرار فيها، وصون وحدتها وسلامة أراضيها.
وفي هذا السياق، نولي أهمية بالغة لقيام نهج حكم شامل يضم جميع مكونات المجتمع السوري. ومن جهة أخرى، نحن نتحدث عن بلد مُدمَّر، لا على مستوى البنية التحتية المادية فحسب، بل كذلك على مستوى المؤسسات. وهذا البلد بحاجة إلى إعادة بناء شاملة، تشمل الإطار القانوني والمؤسساتي، إضافة إلى إعادة تأهيل بنيته التحتية من طرق، وشبكات طاقة، ومناخ استثماري، واقتصادي. وتركيا تبدي أعلى مستويات التضامن مع سوريا في جميع هذه المجالات، وتسعى جاهدة لدعم استقرارها السياسي وأمنها، وهي مستعدة لتقاسم خبراتها وتقديم الدعم الكامل في مسيرة إعادة الإعمار.
إعلاننحن نؤمن أن استقرار سوريا وقيامها من جديد كدولة مزدهرة لا يصب في مصلحة الشعب السوري وحده، بل هو أمر حيوي للمنطقة بأسرها. فاستقرار سوريا سيساهم بقدر كبير في استقرار المنطقة ورفاهيتها. وإذا نظرنا إلى هذا الموضوع من منظور تركي، فإن سوريا أكثر أمناً واستقراراً بعد إعادة الإعمار ستعود على تركيا بفوائد جمة في شتى المجالات، وأنا أؤمن بذلك من أعماق قلبي.
تركيا تدعم وحدة سوريا، وتعارض تقسيمها، في حين تسعى إسرائيل إلى خلق سوريا مجزأة. هل هناك صراع على النفوذ بين تركيا وإسرائيل في هذا الشأن؟يلماز:
لقد دفع الشعب السوري ثمناً باهظاً جراء الصراعات، وهو يستحق الآن بيئة مستقرة وآمنة. وكما ذكرت، فإن تركيا تبذل قصارى جهدها لتحقيق ذلك. غير أن إسرائيل، من خلال انتهاكها للحدود، تقوم بأعمال تخل بالاستقرار، وتضر بمسار إعادة الإعمار في سوريا، ونحن لا نوافق مطلقاً على هذه الأعمال، ونعتقد أن الشعب السوري لا يستحق مثل هذا التعامل.
كنا وما زلنا نتحرك على جميع المنصات الدولية، ونتعاون مع جميع الدول المعنية بالقضية السورية لوقف هذه الانتهاكات التي تُعد خرقاً للقانون الدولي وحقوق الشعب السوري. ونأمل ألا تُمعن إسرائيل في ممارساتها هذه. وللأسف، فإنها تُظهر نفس السلوك في لبنان أيضاً.
نحن نرى حكومة نتنياهو تسعى إلى خلق منطقة غير مستقرة، وتحاول استثمار هذه الفوضى لمصالحها. بينما الواجب الحقيقي هو بناء بيئة مستقرة في المنطقة بأسرها. لذا فإن موقفنا واضح تماماً، ونحن لا نقبل بأي شكل من الأشكال هذه الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، ونكرر في كل مناسبة أنها تُعدّ انتهاكاة للقانون الدولي. ونحن مستمرون في جهودنا لتمكين الحكومة المركزية في سوريا وتعزيز مناخ السلام في المجتمع السوري.
ما مستقبل قضية "وحدات حماية الشعب" في سوريا، في ظل استمرار رفضها إلقاء السلاح والانخراط في تسوية سياسية، رغم الدعوات الموجهة لعبد الله أوجلان وحزب العمال الكردستاني ضمن إطار مشروع "تركيا بلا إرهاب"؟يلماز:
كما تعلمون، تمّ التوصل إلى اتفاق بين إدارة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، وتم تحديد خارطة طريق معينة. ما ننتظره هو الالتزام بذلك الاتفاق. فالأصل أن تعود السلطة في جميع المناطق، بما فيها تلك الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، إلى الحكومة المركزية، وهنا نقصد سوريا الشاملة التي تضم جميع مكوناتها، لا نتحدث عن طائفة أو عرق أو مذهب بعينه.
نحن نقصد بسوريا الشاملة ذلك الكيان الذي يجتمع فيه، على أساس المواطنة المتساوية، السنّة، والعلويون، والمسلمون، والمسيحيون، والدروز، والأكراد، والتركمان، والعرب… نريد أن نرى جميع هذه المكونات تلتقي على أرضية المواطنة المتساوية.
وهذا لن يتحقق إلا بتمكين الحكومة المركزية. فنحن ننتظر تشكيل بنية حوكمة جديدة في سوريا تشمل تمثيلاً واسعاً عبر البرلمان، والدستور الجديد الجاري العمل عليه، وكل ما يلزم من مقومات بناء الدولة. وعندما يتحقق ذلك، فإن الأكراد، مثلهم مثل غيرهم من الأعراق، سيصبحون مواطنين من الدرجة الأولى في سوريا، وسيشاركون في الحياة السياسية والاقتصادية، وسيكون لهم دور إيجابي في إعادة إعمار سوريا، لا مثار جدل أو تهديد.
أما المسارات الأخرى، فإنها تُهدد وحدة سوريا وسلامة أراضيها، وتفتح الباب للتدخلات الخارجية. وهذا لا يخدم لا الأكراد ولا سوريا. ما يجب أن يكون هو أن تتعاون جميع المكونات التي تتقاسم تاريخاً وحضارةً واحدة منذ قرون، في بناء مستقبل مشترك لسوريا.
في هذا السياق، أرى أن عملية صياغة الدستور بالغة الأهمية. من الضروري أن تُدار هذه العملية بطريقة تشاركية، وأن تنتج إطاراً سياسياً شاملاً. لكن جوهر القضية يتمثل في تقوية الحكومة المركزية. فعندما تنجح هذه الحكومة في بناء قدراتها المؤسسية وتبسط سلطتها على كامل البلاد، فإن كثيراً من المشكلات ستزول من تلقاء نفسها.
ومن غير الصحيح أن ننظر إلى سوريا بعين الماضي أو بعقلية نظام الأسد. نحن الآن بصدد الحديث عن سوريا جديدة، يجب أن تتفادى أخطاء الحقبة الماضية. وإن وضع أي مجموعة نفسها في خانة الأقلية لن يجلب لها أي منفعة. بل يجب على الجميع أن يأخذ مكانه في سوريا الجديدة كمواطن من الدرجة الأولى، وعلى أساس المواطنة المتساوية.
كما أن رصيد سوريا الحضاري يُشكّل في ذاته أساساً صلباً لهذا البناء. فعندما نُطالع تاريخ سوريا، نرى أنها ليست بلداً عادياً، بل تحمل إرثاً حضارياً عظيماً، وشعبها يمتلك ثقافة تعايش راسخة. وحتى في زمن النظام القمعي، كنتُ ألاحظ أثناء زياراتي لها، وأنا وزير التنمية، أن المجتمع السوري كان قادراً على التعايش رغم كل شيء؛ ترى هذا في الأسواق، وفي الشوارع.
إعلانوهذا يدل على أن البنية الثقافية والتاريخية اللازمة متوفرة لدى الشعب السوري. ما يجب الآن هو أن تُترجم هذه الإمكانات إلى إطار قانوني يضمنها. وعندما ينجح الشعب السوري في ذلك، فإنه سيتجاوز سريعاً أي دعوات انفصالية أو نزعات تؤدي إلى صراعات داخلية.
هل تعتقدون أن لإسرائيل دوراً في تعنّت "وحدات حماية الشعب"؟
يلماز:
قد تكون هناك قوى، في مقدمتها إسرائيل، ترى مصلحتها في إبقاء سوريا في حالة صراع داخلي يجعلها عرضة للتدخلات. لكن هذه الرؤية لا تخدم الشعب السوري، ولا الأكراد، ولا العرب، ولا التركمان. لذلك، يجب أن يكون منظورنا منطلقاً من حاجات الشعب الحقيقية، وتطلعاته المشروعة. وأنا أؤمن أن الشعب السوري قادر على إنجاز ذلك.
يلماز:
بين الرئيس ترامب ورئيس جمهوريتنا تاريخ مشترك وتجربة عمل طويلة، أقاما خلالها علاقة قوية، وحافظا على حوار مستمر. وما نلاحظه اليوم هو أن هذه العلاقة تُستأنف على نحو إيجابي جداً. وقد تابعنا ذلك من خلال اللقاءات والتعليقات التي صدرت علناً، وأيضاً من خلال ما جرى في الكواليس.
وخلال زيارة ترامب إلى السعودية، أعرب عن استعداده للقدوم إلى تركيا إذا تصادف أن حضر الرئيس الروسي بوتين، في إطار ما يُثار حول أوكرانيا. كما أدلى ترامب بتصريحات مهمة بشأن رفع العقوبات عن سوريا، موضحا أنه اتخذ هذا القرار استجابة لتوصية من الرئيس رجب طيب أردوغان.
وفي الاجتماع الذي حضره كل من الأمير محمد بن سلمان والرئيس أحمد الشرع، شارك الرئيس أردوغان عبر الاتصال المرئي، وأُجريت خلاله مراجعة جماعية وتقييم للوضع. قد تكون وسائل الإعلام العالمية تجاهلت هذا الجزء عمداً أو لم تُبرز دوره، لكن الحقيقة أن الرئيس أردوغان كان حاضراً في ذلك اللقاء وشارك في النقاشات التي جرت.
في هذا السياق، لا بد لي من الإشادة باستضافة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وبالرؤية التي طرحها. لقد رأينا أن تعاون تركيا مع السعودية يُثمر نتائج إيجابية جداً. وهذا اللقاء شكّل نموذجاً رائعاً لهذا التعاون.
إعلانكما أن رؤية السعودية بشأن العقوبات تتقاطع مع رؤية رئيس جمهوريتنا، وهو ما أفضى إلى نتائج بالغة الأهمية. فالعقوبات التي فُرضت في السابق على نظام الأسد الظالم، تحوّلت لاحقاً إلى أداة لمعاقبة الشعب السوري، وأصبحت عائقاً كبيراً أمام إعادة الإعمار.
ولذلك، فإن القرار برفع هذه العقوبات يُعدّ بالغ الأهمية من أجل استقرار سوريا، ولفتح الطريق أمام إعادة إعمارها. وهذه التطورات تؤكد على القيمة الكبيرة للحوار بين دول المنطقة، وخصوصاً بين تركيا ودول الخليج، وعلى رأسها السعودية، لما لهذا الحوار من أثر بالغ في استقرار المنطقة.
ما دامت العقوبات قد رُفعت، يبدو أن إعادة بناء البنية التحتية في سوريا ستسير بوتيرة أسرع. هل لديكم تنسيق مع دول المنطقة في هذا الشأن؟يلماز:
نعم، كل اللقاءات التي نجريها مع دول المنطقة تتناول أيضاً البُعد الاقتصادي. فإعادة الإعمار جزء لا يتجزأ من تعزيز الأمن. فمن دون إعادة إعمار حقيقية، لا يمكن الحديث عن أمن فعلي.
رفع العقوبات يُحسّن مناخ الاستثمار، سواء على مستوى الاستثمارات الحكومية في البنية التحتية، أو على مستوى الاستثمارات الخاصة، وهي لا تقل أهمية. وكان لا بد من إزالة تهديد العقوبات كي تتمكن الشركات من القدوم والاستثمار في سوريا.
الاستثمار هناك يتطلب سلسلة منسقة من العمليات: لوجستية، وتمويلية، وتوريدية… وكلها كانت متأثرة بالعقوبات. وبالتالي، فإن رفعها سيُحسّن بيئة الأعمال بشكل كبير.
الشعب السوري لا يملك فقط ثقافة التعايش، بل يمتلك أيضاً روح المبادرة وريادة الأعمال. كما أن له جالية واسعة، وخاصة في تركيا ودول الجوار، من رجال الأعمال وأصحاب المشاريع. فتح الباب لعودة هؤلاء للاستثمار في بلدهم أمر في غاية الأهمية. وكذلك جذب رؤوس الأموال من دول المنطقة والعالم سيُعزز من هذه الديناميكية.
وقد بدأنا نلمس تحركاً في هذا الاتجاه من قبل الاتحاد الأوروبي، بعد الولايات المتحدة، نحو رفع العقوبات بشكل شامل. وهذا سيُسهم كثيراً في تحسين الوضع الاقتصادي والأمني في المنطقة.
إعلان تركيا تنفذ مشروعاً مهماً تحت عنوان "تركيا بلا إرهاب"، كيف سينعكس هذا المشروع على المنطقة؟يلماز:
مشروع "تركيا بلا إرهاب" له أهمية قصوى، أولاً لأمن تركيا وسلامها ومستقبلها. لكنه لا يقل أهمية من حيث أثره على استقرار الشرق الأوسط. فكما تعلمون، هو شأن يطال العراق وسوريا وإيران بشكل مباشر.
لذلك فإن تفكيك التنظيم الإرهابي، وتخليه عن السلاح، وتراجع أجندة الإرهاب سيُعزز أمن المنطقة ككل. والمنطقة التي تتحرر من الإرهاب ستنعم ببيئة أفضل من حيث الرفاه والاستقرار والتطور الديمقراطي.
الأهم من ذلك أن هذا الواقع سيوسّع من مجال السياسة المدنية. فبدلاً من لغة السلاح والعنف، سيتاح للناس خوض العمل السياسي بأساليب مدنية وإنسانية، والتحاور في قضاياهم بطرق ديمقراطية وسلمية.
كذلك فإن هذه العملية تُظهر قدرة المنطقة على حل مشكلاتها بنفسها. فكلما أظهرت دول المنطقة القدرة على التعامل مع قضاياها الداخلية دون تدخل خارجي، دلّ ذلك على نضج سياسي كبير. ولهذا نرى أن مشروع "تركيا بلا إرهاب" مشروع بالغ القيمة من منظور حل النزاعات داخلياً.
بما أن التنظيم قد أعلن حلّ نفسه، ووافق على التخلي عن السلاح، كيف ستنفذون هذه المرحلة عملياً من الناحية التقنية؟يلماز:
دعونا نستعرض المراحل من بدايتها. الإطار العام لهذا المشروع يتجلى في رؤية "قرن تركيا" التي أعلنها رئيس جمهوريتنا. ومن بين ركائز هذه الرؤية أن يكون القرن الحالي قرن السلام والأخوة.
في ضوء التطورات الإقليمية الأخيرة، شدّد الرئيس أردوغان في 30 أغسطس/آب 2024 على أهمية "تعزيز الجبهة الداخلية"، وبيّن الحاجة إلى ترسيخ وحدتنا الوطنية والتصدي لمحاولات زعزعة الأمن عبر الفتن الطائفية والعرقية.
وفي هذا السياق، أدلى زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي، بتصريح تاريخي قلب المألوف السياسي. أعقبه دعوة من عبد الله أوجلان، مؤسس التنظيم، قال فيها: "لم يعد لهذا التنظيم أي معنى. أعلنوا حلّه وتخلّوا عن السلاح". وقد استجاب التنظيم لهذه الدعوة، وأعلن قبل أسابيع قليلة قراره بحلّ نفسه والتخلي عن السلاح.
إعلانوهكذا دخلنا مرحلة جديدة. المرحلة الحالية تركز على كيفية تجسيد هذا القرار ميدانياً. وقد بدأنا بتأسيس آليات خاصة لمتابعة الأمر. أجهزتنا الاستخبارية تلعب دوراً محورياً في هذا السياق، وكذلك قوات الأمن التي تسيطر تماماً على الميدان. وبالتوازي، ستتابع البعثات الدبلوماسية والمؤسسات المعنية هذه التطورات وترصد تنفيذ القرار وترفع تقارير دقيقة.
وعندما نصل إلى مستوى تطور مرضٍ على الأرض، سنفتح صفحة جديدة بكل تأكيد. ما يعنينا الآن هو مراقبة التطبيق العملي لهذا القرار التاريخي.
ما هي المعطيات المتوفرة حتى الآن؟يلماز:
نحن لا نزال في بداية الطريق. وكما تعلمون، فمثل هذه العمليات لا تسير بسهولة، لا سيما في بيئة غير طبيعية مليئة بالتعقيدات والمتغيرات. أجهزتنا المختصة تُتابع الوضع بمنتهى الحذر والدقة. وعندما تصل إلى مستوى مناسب من الرصد والمراقبة، ستُصدر تقاريرها وتعرض التقييمات الدقيقة.
في هذه المرحلة، علينا أن نثق بمؤسساتنا ونترك لها مسؤولية قيادة هذا المسار. تركيا تمتلك مؤسسات قوية وبنية تحتية راسخة، ونحن واثقون من قدرتها على إدارة هذه العملية بنجاح.
هل ستتلقون دعماً من الحكومة العراقية؟يلماز:
ذلك يتوقف على طبيعة الاحتياجات الفنية لمؤسساتنا. بالطبع، هناك بُعد دبلوماسي وإقليمي ودولي لهذا الملف، خاصة أن بعض العمليات تجري على أراضٍ عراقية، وربما في أماكن أخرى. لذلك فإن العلاقات الدولية سيكون لها دور، لكن جوهر المسألة يتمثل في متابعة مؤسساتنا الخاصة لهذه العملية ورصدها بدقة، وأنا على يقين بأنها ستقوم بذلك بأفضل شكل ممكن.
يلماز:
عندما تُرفع ظلال الإرهاب، وتُسلّم الأسلحة بشكل نهائي ولا رجعة فيه، فإننا سننتقل إلى بيئة مختلفة تماماً. فالإرهاب لطالما سمّم الديمقراطية والسياسة المدنية. كما كان عائقاً كبيراً أمام التنمية، وفرض علينا كلفة اقتصادية ضخمة.
في غياب الإرهاب، ستنتعش السياسة المدنية والديمقراطية بكامل طاقتها. وستُصبح بيئة التنمية والاستثمار أكثر إشراقاً.
إعلان حزب "الديمقراطية والمساواة الكردي" يطالب بإجراء تعديلات قانونية، ما موقفكم من هذه المطالب؟يلماز:
نحن لا ندخل كثيراً في الجدل القانوني بهذا الخصوص. ما نراه أكثر إلحاحاً في هذه المرحلة هو مسألة التخلي عن السلاح، وتحقيق تقدم ملموس على الأرض. وأما الإصلاحات القضائية، فلنا بشأنها خطة واضحة ومعلنة منذ مدة طويلة، وهي ماضية قدماً بمعزل عن هذا المسار.
لدينا استراتيجية إصلاح قضائي انطلقت قبل بدء هذه العملية. ومن الطبيعي أن يكون لجميع الأحزاب رؤاها ومقترحاتها، لكننا لا نرى من المناسب ربط هذه المطالب القانونية بمسار التخلي عن السلاح. فقد قدّمنا حِزماً متعددة من الإصلاحات القضائية إلى البرلمان، وسنواصل العمل في هذا الاتجاه ضمن إطار الاستراتيجية العامة للعدالة. لكن ربط هذا كله بالمسار الأمني القائم حالياً، نعتبره غير ملائم.
أهم ما يشغلنا اليوم هو التحقق من تنفيذ قرار التخلي عن السلاح على الأرض.
عند حديثي مع بعض المواطنين، لاحظت وجود قدر من عدم الثقة تجاه التنظيم، خاصة أنه خالف وعوده في محاولات سابقة. هل لديكم خطة خاصة لإقناع الناس وطمأنتهم؟يلماز:
في مثل هذه العمليات، يجب أن نكون يقظين للغاية تجاه محاولات التحريض ونشر المعلومات المضللة. فمثل هذه المسارات دائماً ما تكون عرضة للاستهداف من قِبل قوى لا تريد استقراراً لتركيا، ولا تريد لهذه المشكلة أن تجد حلاً.
والتجارب السابقة علمتنا أن أطرافاً تسعى إلى إشاعة الفوضى والتخريب عبر دس معلومات خاطئة أو افتعال أزمات. وقد يُروّج البعض لأحداث لا صلة لها بهذه العملية من أجل خلق بلبلة في الرأي العام.
ولذلك، الأهم في هذا السياق هو التحلي بالعزم والتركيز على جوهر العملية، وإتمامها في أقصر وقت ممكن. مؤسساتنا تتولى هذا الدور بحزم، وتعمل وفق رؤية سياسية صلبة يقودها رئيس الجمهورية شخصياً. وهذه العملية أصبحت الآن سياسة دولة، وليست مجرد مبادرة عابرة.
ومن خلال متابعتي للرأي العام، ألاحظ ارتياحاً عاماً، خاصة في مناطق الشرق والجنوب الشرقي من البلاد، حيث يسود شعور بالتفاؤل. وكل المواطنين في تركيا يتطلعون إلى التخلص النهائي من وباء الإرهاب. لكن من الطبيعي أن تُطرح بعض التساؤلات والمخاوف في الأوساط العامة، ويُعبَّر عنها ضمن الأطر المشروعة، وهذا أمر مفهوم.
إعلانفي هذا السياق، تلعب تصريحات المؤسسات الرسمية والأحزاب السياسية دوراً مهماً في توعية الرأي العام وتزويده بالمعلومة الصحيحة. ومع تقدم العملية، سيلمس المواطنون النتائج بشكل أوضح. وأنا أؤكد أنه لا داعي لأي قلق، فمبادئنا وثوابتنا الوطنية واضحة: تقوية وحدتنا الوطنية، والتخلص من آفة الإرهاب.
إسرائيل ترتكب جرائم ضد الإنسانية في غزةمنذ بداية الحرب على غزة، كانت تركيا شديدة الحساسية تجاه ما يجري هناك. الوضع مأساوي ولا يبدو أنه سينتهي قريباً، لا سيما مع بدء الهجوم البري الإسرائيلي. ما الذي يمكن فعله بشكل ملموس؟ وكيف يمكن حلّ هذه المأساة؟
يلماز:
كما تفضلت، نحن أمام مشهد لا إنساني بكل ما للكلمة من معنى، وإسرائيل مستمرة في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية أمام أنظار العالم أجمع. حكومة نتنياهو لا تعترف بأي حدود أخلاقية أو قانونية في عدوانها. ومنذ اللحظة الأولى، وقفت تركيا إلى جانب الشعب الفلسطيني المظلوم، واتخذت موقفاً حازماً.
رئيس جمهوريتنا كان طوال حياته من أبرز المدافعين عن قضية فلسطين، وهو اليوم يرفع صوته عالياً في جميع المنابر الدولية لفضح ما يجري من إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية. وليس الأمر مقتصراً على التصريحات، فنحن من أكثر الدول التي تقدم مساعدات إنسانية إلى غزة.
وكما ذكرت، فإن الأوضاع تتفاقم يوماً بعد يوم. وقد كنا الدولة الوحيدة تقريباً التي أوقفت جميع أشكال التبادل التجاري مع إسرائيل. وعلى الصعيد السياسي والدبلوماسي، نعمل جاهدين على جميع المستويات، من الولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي، ومن دول الجوار إلى الدول الكبرى، لزيادة الضغط الدولي على حكومة نتنياهو. وهذا يجب أن يتم فوراً، لأن الوقت بات ضيقاً جداً.
ما يجري في غزة ليس قضية تخص الدول الإسلامية فقط، بل هو شأن إنساني شامل، لذا نُطلق عليه "تحالف إنساني". لكن لا شك أن الدول الإسلامية تتحمّل مسؤولية خاصة، وهي مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى باتخاذ موقف موحّد، وخطاب مشترك، وتحرك منسق يعكس وحدتها وقوتها.
إعلانيجب أن تُبذل كل الجهود الممكنة بروح من التضامن والتكامل، ونحن في تركيا لا ندّخر جهداً في هذا الاتجاه. نُجري اتصالات مع جميع الأطراف، ونسعى لقيادة جهود جماعية قادرة على وقف المجازر، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح المدنيين الأبرياء.
أنتم تقودون برنامجاً متوسط المدى يُتابعه العالم باهتمام. لكننا نلاحظ في بعض المراحل عراقيل التنفيذ. ما هو الوضع الراهن للبرنامج؟يلماز:
ما يهمنا في البرنامج هو الإطار العام والاتجاه الاستراتيجي. فإذا كان البرنامج مبنياً على أسس سليمة، وكان يُنفذ بإرادة قوية، فإن تقلبات قصيرة الأمد لا تعيق مساره. صحيح أن الأحداث العالمية والإقليمية قد تؤثر فيه سلباً أو إيجاباً، ولكن طالما أن البوصلة واضحة، فإن الوصول إلى الأهداف مضمون، حتى إن تأخرنا شهراً أو تقدمنا شهراً.
لدينا برنامج اقتصادي قوي، صيغ بالتشاور مع جميع أصحاب المصلحة، من رجال الأعمال إلى العاملين في الزراعة والصناعة. ويقوم هذا البرنامج على أربعة أعمدة:
الاستقرار السعري وخفض التضخم: وهو أولويتنا القصوى، ونحن ماضون بعزم في تنفيذ سياسة انكماش نقدي فعالة لتحقيق هذا الهدف.النمو المتوازن والمستدام: دون أن نغفل عن مواصلة النمو وتوفير فرص العمل، نركز على تحقيق توازن بين الاستثمار، والإنتاج، والتصدير، والتوظيف.الرفاه الاجتماعي الدائم: نسعى لتحسين مستوى المعيشة بشكل دائم، عبر سياسات اقتصادية تحمي شرائح المجتمع كافة.إعادة إعمار مناطق الزلزال: نحن بصدد أكبر ورشة إعمار في العالم حالياً، لمعالجة آثار الزلزال الذي ضرب 11 ولاية و14 مليون مواطن. نقوم حاليًا بإنفاق متوسط سنوي يُقدّر بنحو 35 مليار دولار في هذا المجال، ومن المتوقع أن يتجاوز مجموع ما أُنفق بحلول نهاية هذا العام 100 مليار دولار، وسنُسلم 450 ألف وحدة سكنية بحلول نهاية العام.
المسألة لا تتعلق فقط بالإسكان، بل ببناء شبكات الطرق، والمستشفيات، والمدارس، والمناطق الصناعية المنظمة. ولحسن الحظ، فإن هذه النفقات مؤقتة، وسنكون قد أنهينا الجزء الأكبر منها العام المقبل، ما سيُهيئ مدناً أكثر أمناً واستعداداً للمستقبل.
إعلان احتجاجات المعارضة أقلقت المستثمرين، هل أثرت التحقيقات بحق المعارضة على برنامجكم الاقتصادي؟يلماز:
أحد رؤساء البلديات خضع لتحقيق بشأن قضايا فساد. ولم تكن المشكلة في التحقيق ذاته، بل في محاولات زعزعة الشارع بعده. فمحاولة خلق مناخ من انعدام الثقة أخافت بعض المستثمرين الأجانب. تساءلوا: هل نحن مقبلون على اضطرابات شبيهة بما حدث في "جيزي بارك" عام 2013؟ هل سنشهد أزمة أمنية طويلة الأمد؟
هذا أحدث تأثيراً محدوداً، لكنه زال بسرعة. إذ سرعان ما اتضح أن تركيا لا تشهد انهياراً أمنياً، وأن الأمن مستتب في الشوارع، فعاد الهدوء، وبدأت مؤشرات الاقتصاد تستقر مجدداً.
في الوقت ذاته، كانت لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الرسوم الجمركية آثار عالمية، إذ رفعت منسوب المخاطر في جميع الاقتصادات الناشئة، وزادت من حالة الضبابية، مما أثّر على حركة الأسواق.
وقد ارتفع مؤشر المخاطر الائتمانية (CDS) من أقل من 300 نقطة إلى أكثر من 370، لكنه عاد وتراجع مجددا إلى ما دون 300، مدفوعا بموقع تركيا الاستراتيجي وتراجع نسبي في حالة عدم اليقين. هذا التحسن ترافق مع عودة تدفقات رؤوس الأموال وارتفاع احتياطات البنك المركزي. ورغم أن البلاد دخلت مرحلة تعافٍ اقتصادي، فإن مسار الاستقرار لا يزال يتطلب وقتاً، لا سيما في ظل الغموض المحيط بالنزاعات التجارية الدولية.
العالم يبحث عن نظام اقتصادي جديدكيف ترون مستقبل الحروب التجارية في العالم؟يلماز:
من الواضح أننا غادرنا مرحلة النظام التجاري الليبرالي العالمي. نحن الآن في حقبة جديدة يتزايد فيها التنافس، ويصعد فيها التيار الحمائي. في السابق، كانت وتيرة التجارة العالمية تتجاوز وتيرة النمو. أما الآن فقد انعكست المعادلة: معدل التجارة أقل من معدل النمو، والدول باتت تركز أكثر على أولوياتها الوطنية، وعلى حماية اقتصاداتها المحلية.
في الوقت ذاته، تراجعت سلطة منظمة التجارة العالمية، وأصبحت القواعد التجارية الدولية هشّة. وهذا لا يُبشّر بخير على المدى القريب، لكنه سيُثير حتما ردود فعل. فالتكاليف الاقتصادية والاجتماعية لهذه التحولات ستدفع الدول إلى البحث عن بدائل.
إعلاننحن في تركيا نؤمن بعدالة النظام الدولي، ونُدافع عن قواعد تجارة عالمية عادلة، لكننا نقرأ الواقع بواقعية. إلى أن تتشكل منظومة جديدة تحل محل النظام الحالي المتداعي، سنواصل اتباع سياسات مرنة وواقعية تُمكننا من التكيّف وحماية مصالحنا الوطنية.
ما هو الوضع الحالي للعلاقات التجارية بين تركيا ودول الشرق الأوسط؟يلماز:
في السنوات الأخيرة، شهدت علاقاتنا مع الشرق الأوسط تطورات بالغة الأهمية. فعلى الصعيد السياسي، نشهد نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً للغاية. كما أن التفاعل بين مجتمع الأعمال ومنظمات المجتمع المدني يُظهر أننا في موقع جيد جداً من حيث العلاقات الثنائية.
لدينا علاقات دبلوماسية إيجابية جداً مع العديد من الدول، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة. وهذا بالطبع ينعكس على العلاقات الاقتصادية بشكل مباشر. فتركيا بلد مهم جداً، وتوفر فرصاً استثمارية كبرى، ومع السياسات الجديدة التي نتبعها والبرامج الاقتصادية التي نعتمدها، باتت أكثر جاذبية من حيث الاستقرار على المدى الطويل.
لهذا السبب، أتوقع أنه كلما تقدّم برنامجنا الاقتصادي، ازداد تدفق الاستثمارات من هذه الدول إلى تركيا.
قطر بلد نرتبط به بعلاقات خاصة واستثنائية. لقد جمعنا ما يمكن وصفه بـ"وحدة المصير". نحن نرى أن علاقاتنا مع قطر تستحق كل وصف نبيل، وكل مدح مخلص. عندما تعرضنا للزلزال، كانت قطر من أوائل الدول التي أبدت تضامنها وأظهرت روح الأخوة. وفي الأوقات الصعبة التي مرت بها قطر، وقفت تركيا إلى جانبها بوضوح وحزم.
وهذه المواقف تعكس عمق علاقاتنا. وحتى على المستوى الاقتصادي، نمتلك مع قطر علاقات قوية ومتينة، تُثمر عن فوائد متبادلة. نحن نؤمن بسياسة "رابح-رابح" في جميع علاقاتنا، لكنها تأخذ طابعاً أكثر قرباً مع قطر بسبب ما يجمعنا من علاقات سياسية واستراتيجية متميزة.
هدفنا 100 مليار دولار تجارة مع أمريك كيف ترون العلاقات التركية-الأمريكية في مرحلة ما بعد ترامب؟ وهل هناك تطور بشأن عقوبات قانون CAATSA [بسبب التعاون العسكري التركي الروسي]؟
إعلان تركيا تهدف للوصول إلى 100 مليار دولار في التجارة مع الولايات المتحدة. كيف تقيّمون مسار العلاقات التركية–الأميركية في ظل إدارة ترامب؟ وهل هناك مستجدات بشأن التعاون مع روسيا؟يلماز:
نحن نأمل أن تُرفع هذه العقوبات في أقرب وقت. خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب، أدلى بتصريحات مفادها أن تركيا تعرّضت للظلم، وأبدى تعاطفاً واضحاً معنا. أعتقد أن المناخ الإيجابي الذي يسود حالياً بين رئيسنا والرئيس ترامب سينعكس على هذه الملفات الحساسة.
نحن نؤمن بأن استمرار هذا الزخم في العلاقات سيُسفر عن نتائج ملموسة. فحين ننظر إلى الأمر من زاوية المصالح المشتركة، نجد أن بيننا وبين الولايات المتحدة روابط قوية: نحن حليفان كبيران في حلف شمال الأطلسي، كما أننا نمتلك إمكانات هائلة للتعاون في ظل النظام الاقتصادي العالمي الجديد.
في السنوات الماضية، تم تحديد هدف مشترك لرفع حجم التبادل التجاري إلى 100 مليار دولار. وهذا هدف واقعي يمكن تحقيقه. صحيح أن أي بلدين قد يواجهان خلافات، لكن الأهم هو إدراك الصورة الكاملة والتعامل مع المشاكل من خلال الدبلوماسية.
كما أن السفير الأمريكي الجديد المعيّن في أنقرة يُبشّر بدور إيجابي في تحسين العلاقات. وبالنظر إلى المؤشرات الحالية والرؤية السياسية المطروحة، أعتقد أن المستقبل يحمل أفقاً إيجابياً للعلاقات بين البلدين.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات الحکومة المرکزیة الولایات المتحدة التخلی عن السلاح الرئیس أردوغان إعادة الإعمار فی هذا السیاق الشعب السوری إعادة إعمار هذه المرحلة ملیار دولار دول المنطقة هذه العملیة على مستوى فی ترکیا فی سوریا أن یکون من خلال فی جمیع التی ت یجب أن من حیث نحن لا فی هذه کما أن
إقرأ أيضاً:
وزير النقل التركي في حوار للجزيرة نت: نضع قريبا حجر الأساس لمشروع طريق التنمية مع العراق
بين زيارتي لبغداد عام 2009 وزيارتي هذه الأيام، تبدلت ملامح العاصمة العراقية بشكل لافت، فقد اختفت الجدران الخرسانية الرمادية التي كانت ترتفع لأربعة أمتار على جانبي الطريق الممتد من المطار إلى "المنطقة الخضراء"، لتفسح المجال أمام حركة عمرانية تزخر بالحياة والازدهار.
غير أن هذه التحولات لم تكن الشاغل الوحيد في زيارتنا الخاطفة، والتي لم تتجاوز أربع ساعات برفقة وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو، إذ كان جدول الأعمال المشحون والمنضبط يفرض إيقاعا سريعا لا يدع مجالا لاستكشاف المدينة.
وجاءت هذه الزيارة لتضع حدا للتعثر الممتد لسنوات في مشروع "طريق التنمية" الإستراتيجي، والذي يربط ميناء الفاو على الخليج بمعبر أوفاكوي عند الحدود التركية بخطوط سكك حديدية وطرق سريعة.
وكان هذا المشروع قد واجه عقبات جيوسياسية معقدة، تداخلت فيها موازين القوى الداخلية وتجاذبات النفوذ الإقليمي والدولي، فضلاً عن بيروقراطية المؤسسات.
غير أن المشهد في بغداد شهد تحولا مفاجئا مع تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي، وهو رجل أعمال شاب يبلغ من العمر 41 عاما، أطلق فور توليه السلطة حملة لمكافحة الفساد، متبنيا نهجا براغماتيا بعقلية تجارية مرنة، وانفتاحا ملحوظا نحو تعزيز الشراكات الإقليمية، وفي مقدمتها العلاقات مع أنقرة.
مراسل الجزيرة نت كمال أوزتورك، كان الصحفي الوحيد الذي واكب زيارة الوزير عبد القادر أورال أوغلو، وأجرى معه هذا الحوار على متن الطائرة خلال رحلة العودة.
ما الهدف من هذه الزيارة؟تشكلت حكومة جديدة في العراق، ولا شك بأن العلاقات الدبلوماسية والرسمية مهمة، لكن التواصل المباشر واللقاءات وجها لوجه تكون دائما أكثر فاعلية في إنجاز الأعمال، وكان هناك وزيران معنيان بالنسبة لي، هما وزير النقل ووزير الاتصالات.
لقد أردت أن نحدد خارطة الطريق للأعمال التي سننفذها معا، قبل زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى تركيا في 28 من الشهر الجاري ولقاء رئيسنا.
كان أثقل ملف في حقيبتنا هو مشروع طريق التنمية، وكان يمثل أولوية جدول أعمالنا، بالإضافة إلى ملف التعاون في مجال الطيران المدني، وبحث سبل التعاون في تشغيل السكك الحديدية.
إعلانوناقشنا مواصلة الرحلة التجريبية إلى السعودية والتي أطلقناها برا عبر العراق، وتطويرها لتشمل نقل الركاب. وبحثنا أيضا مع وزير الاتصالات ملفات أنظمة الأقمار الصناعية والاتصالات، فضلا عن التطبيقات الرقمية.
ولتقريب الصورة، تخيلوا أنكم تفاوضتم على شراء سلعة وسددتم ثمنها وأصدرتم فاتورتها وأكملتم جميع الإجراءات، ثم جاءت مرحلة نقلها، ومهما كانت وسيلة النقل، فلا بد من تسهيل الإجراءات الجمركية، ولهذا طرحنا وناقشنا تشغيل خط السكك الحديدية الممتد من المطار إلى معبر كابيكوله التركي على الحدود البلغارية، ليس باعتباره مجرد مسار للنقل، بل بوصفه ممرا يشمل الإجراءات الجمركية أيضا.
مشروع التنمية تعثر لفترة طويلة ولم يحرز تقدما، فما الذي ناقشتموه بشأنه مع رئيس الوزراء ووزير النقل؟ وما التعهدات التي حصلتم عليها؟بدلا من الحديث عن تعهدات، دعوني أوضح ما ناقشناه، فهذا المشروع منجز بنسبة تقارب 90% من حيث المبدأ، ولم يتبق سوى مسألة واحدة، وهي تحديد نقطة ربطه بتركيا.
فمنذ فترة طويلة يدور النقاش حول المكان الذي سيتم فيه هذا الربط في شمال العراق وجنوب تركيا، وكما تعلمون فإن لدى حكومة إقليم كردستان العراق بعض التوقعات في هذا الشأن. وكان ذلك الملف الأكثر إلحاحا الذي ينبغي حسمه.
لقد توصلت إلى حل لهذه المسألة مع نظيري العراقي ومع رئيس الوزراء، بل إننا قدمنا لهم أيضا مذكرة تفاهم بشأنها، وبمجرد تحديد نقطة الربط سنشرع في تنفيذ الجسر والبدء بالمشروع في أسرع وقت.
كما تحدثنا عن ربط منطقة فيشخابور من الجانب العراقي بمنطقة أوفاكوي على الجانب التركي الواقعة عند الحدود الجنوبية الشرقية لتركيا، ويجري العمل على افتتاح معبر حدودي جديد في هذه المنطقة وإنشاء الطريق عبره، ومن المرجح أن يتم اعتماد هذا المسار، وناقشنا أيضا نموذج تمويل المشروع.
ففي السابق، جرى بحث هذا المشروع بين الإمارات وقطر وتركيا والعراق على أساس تأمين تمويل دولي له، ولكن للأسف لم يتحقق أي تقدم حتى الآن، ويرجع ذلك إلى الانتخابات التي شهدها العراق، وإلى انشغال دول الخليج بتطورات الحرب على إيران.
ولذلك قلنا إن العراق يستطيع الاستفادة من ثرواته الطبيعية لتمويل المشروع، سواء عبر المعادن أو النفط، وسبق أن طرحنا هذه الفكرة لكنها بقيت معلقة، وخلال هذه الزيارة وكذلك خلال زيارة وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي (ألب أرسلان بيرقدار)، لمسنا لدى الجانب العراقي استعدادا أكبر لاعتماد صيغة التمويل مقابل النفط.
وفي هذا الإطار، اقترحنا إعداد تصور بعد إجراء الدراسات والحسابات اللازمة، بحيث يتم خلال زيارة رئيسنا توقيع مذكرة تفاهم هناك، وقدمنا لهم أيضا مسودة بهذا الخصوص، وإذا تمكنا من حسم هذه المسألة سريعا، فقد يتضح ملف التمويل من خلال التفاهم الذي سيجرى التوصل إليه خلال زيارة رئيسنا.
إننا نرغب في وضع حجر الأساس لهذا المشروع خلال العام الجاري، وقد أجرى رئيس الوزراء حساباته بصورة عملية، وأكد أنه ينظر إلى الأمر بإيجابية، ولدي قناعة كبيرة بأن هذا الملف سيُحسم خلال زيارة رئيسنا، وأعتقد أننا سنتمكن من بدء العمل بسرعة كبيرة، بمشاركة المقاولين الأتراك، وبالطبع بالشراكة مع الجهات المحلية.
كيف وجدتم موقف رئيس الوزراء الجديد من المشروع؟ أعتقد أنه ثالث رئيس وزراء تلتقونه منذ بدء المشروع.نعم، هو نفسه قال إنها "الحكومة الثالثة"، وبالتالي فهو ثالث رئيس وزراء، وهو رجل أعمال قادم من عالم الأعمال، لقد عرضنا أمامه الخرائط وناقشنا المشروع بالاستناد إليها. ثم تناول هاتفه المحمول على الفور وأجرى بعض الحسابات، وقد أبدى نهجا يعكس عقلية رجل أعمال، تقوم على التركيز على إنجاز العمل دون الاستغراق في الإجراءات واللوائح.
بافتراض أن الظروف مواتية، متى يمكن البدء في مشروع طريق التنمية؟ وكم يستغرق إنجازه؟ندرك بالطبع مدى صعوبة تنفيذ الأعمال في العراق، لكن ينبغي أن أشير بشكل خاص إلى وجود شركات ورجال أعمال أتراك عملوا في العراق في السابق، ولا يزالون يعملون فيه حتى الآن.
إعلانلدينا حاليا في تركيا أربعة آلاف كيلومتر من خطوط السكك الحديدية قيد الإنشاء، وسننجز ثلاثة آلاف كيلومتر منها خلال نحو عام إلى عام ونصف، أي بحلول عام 2028.
وبوسعنا إنجاز مشروع كهذا خلال أربعة إلى خمسة أعوام، بافتراض أن التمويل جاهز وأن التصاريح اللازمة قد صدرت، إنه مشروع يمكن الانتهاء منه خلال أربعة أو خمسة أعوام، وهذه مدة طموحة لكنها ممكنة. وعندما نبدأ في المشروع برفقة المقاولين الأتراك، فسوف نتمكن من إنجازه، وقد طرح رئيس الوزراء العراقي بالفعل سؤالا مفاده: "هل يمكننا إنجازه في وقت أقصر؟"، فقلنا إننا سنناقش ذلك أيضا عندما نبدأ العمل.
كم يبلغ طول خط السكك الحديدية الذي ستنشئونه من ميناء الفاو في العراق إلى الحدود التركية؟يبلغ طوله 1200 كيلومتر، وبالطبع ركزنا على الأعمال المطلوب تنفيذها في الجانب العراقي، لكن يتعين علينا نحن أيضا إنشاء خط آخر يبلغ طوله نحو 500 كيلومتر، من منطقة باغكوي إلى ولاية غازي عنتاب في تركيا. وقد انتهينا من إعداد مشروعاته وأدرجناه ضمن البرنامج الاستثماري، وسنعمل على تنفيذه سريعا.
هل ستنشئون هذا الخط بأنفسكم، أم سيُنفذ بالتمويل نفسه؟سننشئ هذا الخط بأنفسنا.
جرى الاستثمار في مطار الموصل وانتهت أعمال الإنشاء، وهم يبحثون عن شركة متخصصة تتولى تشغيله، إن هناك ثلاث شركات تعمل في هذا المجال في تركيا، وكانت لديهم بالفعل مباحثات سابقة مع إحدى شركات القطاع الخاص، كما أُجريت أمس مباحثات تفصيلية مع الشركة التي تشغّل مطار إسطنبول، وأُحرز تقدم في هذا الملف.
وأتوقع أن تسفر المباحثات عن نتيجة، أي إن هناك احتمالا أن تتولى شركة تركية تشغيل مطار الموصل، أما مطار بغداد، فمن المخطط إعادة إنشائه بالكامل وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية.
وقال لنا نظراؤنا إنه قد يكون من الممكن أيضا إنشاء المطار في موقع مختلف، وإن هذه المسألة تحتاج إلى مناقشات أكثر تفصيلا.
تعمل الشركات التركية وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية في مناطق عديدة من العالم. فهل هي مستعدة للتقدم لتنفيذ مشروع مطار بغداد؟إذا توفرت الشروط المناسبة، فستكون شركاتنا مستعدة للدخول في المشروع، وهذا ينطبق أيضا على نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية. وأيا كان النموذج، تبقى الثقة الأولوية الأولى لرأس المال، ومن المهم أن تُصان حقوقهم في البلد الذي يتوجهون إليه.
ولا شك أن الأمن المادي ضروري، لكنني أتحدث هنا عن الأمن المالي أيضا، أي توفير الضمانات اللازمة لهم إذا نشأ أي خلاف مستقبلا.
والعراق يدرك ذلك ويتخذ خطوات في هذا الاتجاه، وإذا توفرت هذه الضمانات، فستأتي شركاتنا، وأود أن أشير بصفة خاصة إلى أن شركات تركية لا تزال تستثمر هناك، وإن كان عددها أكبر في السابق، ومن الممكن أن يرتفع عدد هذه الشركات مجددا خلال المرحلة المقبلة وأن تدخل في استثمارات وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية، وفي مقدمتها مشروع مطار بغداد.
تضم وزارتنا أربعة أنماط للنقل، إلى جانب قطاع الاتصالات، وقد بحثنا مجموعة واسعة من الموضوعات، بدءا من أنظمة الأقمار الصناعية في الفضاء والتحول الرقمي، وصولا إلى تطبيقات الحكومة الإلكترونية ورقمنة الإجراءات اليومية.
كما ناقشنا إمكانية تقاسم الخدمات أو التعاون في مجال الأقمار الصناعية، وأكدنا اتفاقنا على ضرورة إنشاء شبكات للألياف الضوئية تمتد بمحاذاة مشروع طريق التنمية وتُمد تحت مساره، وعلمنا في هذا السياق أن وزارتي النقل والاتصالات العراقيتين متفقتان أيضا على هذه المسألة، وأن شبكات الألياف الضوئية أُدرجت ضمن المشروع.
هل تعتزمون تنفيذ مشروع يتعلق بأنظمة الأقمار الصناعية؟لقد عرضنا الإمكانات والقدرات التي نمتلكها، وأكدنا استعدادنا للتعاون في هذا المجال. لكننا لم نناقش بعد خطوات عملية محددة في هذا الصدد، ويمكن بحث هذه المسائل خلال المرحلة المقبلة.
وفيما يتعلق بإدارة وتشغيل السكك الحديدية، أوضحنا أيضا أنه بإمكاننا من خلال شركة "تي سي دي دي تكنيك" التابعة لوزارتنا، تولي تشغيل شبكة السكك الحديدية في البلاد بأكملها، وقد أشاروا إلى أنه يمكن البدء في المرحلة الأولى ببرنامج تدريبي، ثم مناقشة هذا الموضوع لاحقا.
أعتقد أنكم ترغبون أيضا في إضافة خطوط نقل الطاقة إلى مشروع طريق التنمية؟لقد أكدت هناك بصورة خاصة أن المشروع لا يقتصر على النقل وحده، فلا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد خط للسكك الحديدية، أو طريق بري، أو خط لنقل الطاقة، أو الألياف الضوئية، أو الأنابيب.
إعلانكما ذكّرت رئيس الوزراء بأن إدماج خط لأنابيب النفط أو الغاز الطبيعي ضمن المشروع يندرج أيضا ضمن القضايا المطروحة على جدول الأعمال، ومن المفيد أيضا مناقشة هذه المسألة مع دول الخليج، ولا سيما فيما يتعلق بالغاز الطبيعي.
عندما زار وزير الطاقة التركي العراق، هل بحث هذه القضايا مع رئيس الوزراء العراقي؟نعم بحثاها بالطبع، وكما قلت فهذا ليس مجرد مشروع للنقل، بل هو وفق المفهوم الجديد، مشروع للترابط، أي لربط البلدين بعضهما ببعض في مختلف المجالات، ولا يقتصر تصورنا على ربط البلدين فحسب، بل يشمل أيضا تعزيز الترابط بين دول المنطقة في هذا الإطار.
وأود أن أضيف أن هناك أيضا ملف سكة حديد الحجاز الذي تتابعونه عن كثب، وقد استفسر نظراؤنا عن آخر تطورات المشروع، وعن المرحلة التي وصلنا إليها فيه، وما إذا كنا ننظر إلى مشروع طريق التنمية من هذه الزاوية برؤية مختلفة، وأوضحت لهم أن المشروعين ليسا بديلين لبعضهما البعض، بل يتعين تنفيذهما معا.
ولو كنا أكثر عملية، لكنا قد أنجزنا مشروع طريق التنمية منذ وقت طويل، ولما تصدر مضيق هرمز جدول أعمال العالم بهذا الشكل.
هذه هي أبرز القضايا التي ناقشناها، ويمكنني القول إننا وجدنا توافقا في الرؤى حول جميع القضايا تقريبا. وهذا أمر إيجابي، لكن يبقى علينا مواصلة العمل وتحويل هذه المشروعات إلى واقع ملموس.