محمد بن عيسى دبلوماسي ومثقف مغربي حوّل مدينته إلى قبلة ثقافية
تاريخ النشر: 10th, July 2025 GMT
سياسي ودبلوماسي ورجل ثقافة مغربي، ارتبط اسمه بمسقط رأسه شمال المملكة بمدينة أصيلة، التي حوّلها إلى قبلة ثقافية وفنية ظلت منذ عام 1978 تجذب سنويا أبرز الوجوه السياسية والفكرية والإعلامية من مختلف أنحاء العالم إلى موسمها الصيفي للحوار والنقاش حول شؤون الساعة.
درس بن عيسي في المغرب ومصر والولايات المتحدة واشتغل في هيئات عدة تابعة لمنظمة الأمم المتحدة، قبل أن يعود إلى المغرب لينخرط في العمل السياسي بانتخابه عضوا في البرلمان ولرئاسة بلدية أصيلة.
تولى بن عيسى منصب وزير الثقافة مطلع تسعينيات القرن الـ20 قبل أن يُعيَّن سفيرا للمملكة المغربية لدى الولايات المتحدة. وفي 1999، أسندت إليه وزارة الخارجية التي قادها نحو 8 أعوام، وتفرغ بعدها بالكامل لشؤون مدينة أصيلة والإشراف على موسمها الثقافي السنوي، حتى وفاته عام 2025.
المولد والنشأةوُلد محمد بن عيسى في الثالث من يناير/كانون الثاني 1937 بمدينة أصيلة شمال المغرب، حيث نشأ في كنف أسرة يغلب عليها الطابع الديني والصوفي. وبدأ تعليمه في المدرسة القرآنية التي تعرف في المغرب بالمسيد (الكتّاب).
فقد والده في سن مبكرة، فتعلّق بجدته التي لعبت دورا محوريا في تنشئته. وينحدر بن عيسى من سلالة الشيخ الكامل، أحد رموز التصوف، الذين وفدوا إلى أصيلة من مدينة مكناس في عهد السلطان إسماعيل بن الشريف الذي حكم المغرب بين عامي (1672–1727). وقد أسس أحفاده فرعا محليا لزاوية عيساوة الصوفية في المدينة، ولهم مقبرة جماعية خاصة.
تزوج بن عيسى من سيدة أميركية وأنجبا بنتا وانتهت تلك العلاقة بالطلاق، وتزوج لاحقا من سيدة مغربية ورُزق منها بأربعة أبناء.
تابع بن عيسى دراسته الابتدائية والإعدادية في مدينة أصيلة، قبل أن ينتقل عام 1952 إلى مدينة فاس لمتابعة دراسته الثانوية، ثم إلى العرائش ومنها إلى تطوان شمال المغرب. وفي تلك المرحلة، برز شغفه بالمسرح، وشارك في عروض فرق الهواة في كل من العرائش وطنجة.
إعلانوفي 1954 سافر إلى الإسكندرية بمصر لاستكمال دراسته الثانوية، لكن مع تعرض مصر للعدوان الثلاثي عام 1956 اضطر للعودة إلى المغرب، وبدأ مسيرته المهنية بالعمل مذيعا في إذاعة "أفريقيا المغرب" بمدينة طنجة التي كانت تصنف آنذاك مدينة دولية. أمضى بن عيسى سنة كاملة في ذلك العمل قبل أن يعود إلى مصر ويتم دراسته الثانوية. بعد ذلك عاد للمغرب واستأنف العمل بالإذاعة نفسها.
في 1960 حصل بن عيسى على منحة لدراسة التمثيل بإيطاليا، لكن ظروفا طارئة حالت دون سفره، فاتجه إلى القاهرة لدراسة الصحافة وأمضى هناك عاما دراسيا واحدا.
لاحقا انتقل إلى الولايات المتحدة بعد حصوله على منحة دراسية، ونال شهادة البكالوريوس في علوم الاتصال من جامعة مينيسوتا عام 1963 ثم حصل على دبلوم الاتصال السمعي البصري من جامعة كولومبيا عام 1964 وذلك بدعم من منحة قدمتها مؤسسة روكفلر.
بعد تخرجه من جامعة مينيسوتا، عمل بن عيسى في مستهل مشواره المهني ملحقا إعلاميا بالبعثة المغربية لدى الأمم المتحدة في نيويورك بين عامي 1963 و1965، ثم عمل في دائرة الإعلام بالأمم المتحدة واللجنة الاقتصادية لأفريقيا في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
كما التحق بمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وتولى منصب مستشار إقليمي في الإعلام بأفريقيا وتحديدا في العاصمة الغانية أكرا، قبل أن يشغل منصب رئيس قسم الاتصال في مقر المنظمة الرئيسي بالعاصمة الإيطالية روما، ثم أصبح مدير دائرة الإعلام بالمنظمة نفسها، وبقي في ذلك المنصب حتى عام 1976 الذي شهد نهاية تجربته المهنية في هياكل الأمم المتحدة.
المسار السياسيعاد بن عيسى إلى المغرب عام 1976 وانخرط في العمل السياسي وانتُخب مستشارا في المجلس البلدي لمدينة أصيلة، ثم نائبا برلمانيا عام 1977، وانتخب عام 1983 رئيسا لبلدية أصيلة وظل في ذلك المنصب المحلي حتى وفاته يوم 28 فبراير/شباط 2025.
كان بن عيسى من أوائل أعضاء حزب التجمع الوطني للأحرار، المقرب من السلطة، ومع نشأة الحزب ترأس إدارة الجريدتين الناطقتين باسم الحزب، "الميثاق الوطني" (بالعربية) و"المغرب" (بالفرنسية).
فاز بن عيسى في أكتوبر/تشرين الأول 2021 بعضوية مجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان المغربي) عن حزب الأصالة والمعاصرة المشارك في الائتلاف الحكومي.
ارتبط اسم محمد بن عيسى بمدينة أصيلة التي ولد وترعرع فيها، فبعد أن أصبح في مجلسها البلدي عام 1977 أسس في العام الموالي "جمعية المحيط الثقافية" وإطلاق موسم أصيلة الثقافي التي تحول إلى مناسبة ثقافية صيفية تستقطب الكتاب والساسة وصناع القرار من مختلف أنحاء العالم.
ورغم مسؤولياته الوزارية والدبلوماسية، كان بن عيسى حريصا على إنجاح المهرجان بحضوره شخصيا كل الدورات وإشرافه المباشر واللصيق على كل الفعاليات الثقافية والفنية والفكرية.
وطوّر بن عيسى هيكلية المهرجان لضمان استمراريته ونجاعته بإنشاء "منتدى أصيلة عام 1997، ليحل محل "جمعية المحيط الثقافية" وتولى موقع الأمين العام للمنتدى الذي زاد إشعاعه في احتضان النقاشات العميقة والجريئة حول مختلف شؤون الساعة إقليميا ودوليا.
وأثبت بن عيسى طيلة أكثر من 4 عقود، أن للثقافة دورا في تحقيق التنمية المحلية وفي تعزيز العلاقات الدولية وتعميق الحوار، ووظف إشعاع المهرجان في خدمة المدينة وسكانها وفي خدمة المغرب وصورته الثقافية.
وظل بن عيسى مهتما بشؤون موسم أصيلة الثقافي حتى اللحظات الأخيرة من عمره إذ أسهم في وضع برنامج مفصل للدورة الـ46 لعام 2025 .
الأوسمة والتكريماتحصل بن عيسى على جوائز عدة تكريما لدوره الثقافي والدبلوماسي، منها:
جائزة الآغا خان للهندسة المعمارية لمشروع التنمية الحضرية لمدينة أصيلة عام 1989. ميدالية بيرو البلدية عام 2003. جائزة رجل السنة الثقافية من مؤسسة الفكر العربي عام 2003. جائزة الشيخ زايد (شخصية العام الثقافية) عام 2008. جائزة الإنجاز في دبلوماسية حل الصراعات وحقوق الإنسان من مؤسسة كيميت بطرس غالي للسلام في مصر عام 2022. كان عضوا في العديد من المؤسسات الفكرية مثل منتدى الفكر العربي (الأردن)، ومجلس أمناء مكتبة الإسكندرية، ومركز البحرين للدراسات الإستراتيجية. وسام العرش (المغرب) من درجة ضابط كبير عام 2008. دكتوراه فخرية في القانون من جامعة مينيسوتا عام 2007، تقديرا لإسهاماته في مجالات الثقافة والدبلوماسية. درع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلو (ألكسو) عام 2019، تكريما وتقديرا لدوره التنظيمي في موسم أصيلة السنوي. "جائزة مسيرة العطاء" عن مؤسسة الفكر العربي عام 2014. جائزة "الإنجاز الثقافي والعلمي" عام 2021 عن مؤسسة "سلطان بن علي العويس الثقافية". الوفاةتوفي بن عيسى في 28 فبراير/شباط 2025 عن عمر ناهز 88 عاما، في المستشفى العسكري بالعاصمة المغربية الرباط.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات دراسات محمد بن عیسى مدینة أصیلة بن عیسى فی بن عیسى من من جامعة قبل أن فی ذلک
إقرأ أيضاً:
الربط الكهربائي مع فرنسا... المغرب يراهن على منفذ مباشر إلى سوق الطاقة الأوربية
عاد مشروع الربط الكهربائي المباشر بين المغرب وفرنسا إلى واجهة الاهتمام، في ظل الدينامية الجديدة التي تعرفها العلاقات بين الرباط وباريس، وفي سياق سعي أوربا إلى تنويع مصادر التزود بالطاقة النظيفة. وينظر خبراء إلى المشروع باعتباره خطوة قد تفتح أمام المغرب منفذا مباشرا نحو السوق الكهربائية الأوربية، وتعزز موقعه كشريك طاقي للقارة.
وفي هذا السياق، أوضح محمد الرغراغي، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم بالرباط، أن المشروع لا يعني الشروع الفوري في مد الكابلات البحرية أو إطلاق الأشغال، بل يتعلق بمرحلة استكشاف للسوق واستقطاب المستثمرين ومطوري البنيات التحتية وشركات الطاقة والتمويل، تمهيدا لتحديد النموذج الاقتصادي والتقني الأكثر قابلية للتنفيذ.
وأكد الرغراغي، في تصريح لـ« اليوم24« ، أن المشروع من شأنه أن يتيح للمغرب منفذا مباشرا نحو فرنسا وشبكات أوربا القارية دون المرور عبر الشبكة الإسبانية، التي تشكل حاليا المعبر الرئيسي للكهرباء المغربية نحو أوربا، وهو ما قد يساهم في تجاوز عدد من الإكراهات التقنية المرتبطة بانتقال الطاقة بين إسبانيا وباقي الدول الأوربية.
ويعني ذلك، بحسب المعطيات المتداولة حول المشروع، أن المغرب يسعى إلى تنويع منافذه نحو السوق الأوربية للطاقة، في ظل تنامي الطلب على الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة. كما من شأن الربط المباشر مع فرنسا أن يمنح المملكة موقعا أكثر تقدما داخل سلاسل التزويد الطاقي بين ضفتي المتوسط، بعيدا عن الاعتماد على مسار واحد للربط مع القارة الأوربية.
وأضاف أن المشروع يأتي في لحظة تعرف فيها أوربا طلبا متزايدا على مصادر الطاقة النظيفة ومنخفضة الانبعاثات، في وقت راكم فيه المغرب تجربة مهمة في مجال الطاقات المتجددة بفضل الاستراتيجية الوطنية التي أطلقت سنة 2009. وأشار إلى أن المملكة تتوفر اليوم على إمكانيات مهمة في الطاقة الشمسية والريحية، إضافة إلى مشاريع الهيدروجين الأخضر التي يعول عليها في تخزين الطاقة واستعمالها عند الحاجة.
وأوضح المتحدث ذاته أن المغرب بلغ قدرة إنتاجية تصل إلى 5400 ميغاوات قدرة كهربائية من الطاقات النظيفة، بما يمثل 45.3 في المائة من القدرة الكهربائية المنشأة، مع هدف رفع هذه النسبة إلى 52 في المائة بحلول سنة 2030، معتبرا أن هذه المؤهلات تؤهل المملكة للاضطلاع بدور أكبر داخل منظومة الطاقة الأوربية.
وعلى المستوى الاقتصادي، يتوقع الرغراغي أن يساهم المشروع في جذب استثمارات جديدة وتطوير البنيات التحتية الكهربائية وتحفيز مشاريع الطاقات المتجددة، داعيا إلى عدم الاكتفاء بتصدير الكهرباء، بل العمل على تطوير صناعة محلية مرتبطة بالمعدات والتجهيزات الطاقية بما يعزز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
من جانبه، اعتبر عبد الرزاق كواري، الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدولية، أن المشروع يندرج ضمن مسار استراتيجي انطلق منذ سنوات، بفضل الرؤية التي تبناها المغرب في مجال الانتقال الطاقي، والتي مكنت المملكة من التحول إلى أحد أبرز منتجي الطاقة الكهربائية النظيفة بالمنطقة.
وأوضح كواري، في تصريح لـ« اليوم24« ، أن مشروع الربط مع فرنسا يأتي امتدادا لمسار بدأ بإطلاق أول ربط كهربائي بحري بين المغرب وإسبانيا سنة 1997، قبل تعزيزه بخط ثان سنة 2006، فيما يواصل المغرب دراسة مشاريع ربط أخرى مع شركاء أوربيين، من بينهم البرتغال وألمانيا.
ويرى المتحدث ذاته أن المشروع يتجاوز بعده التقني، ليحمل دلالات سياسية واستراتيجية مرتبطة بتطور العلاقات المغربية الفرنسية، مبرزا أن الرباط وباريس دخلتا مرحلة جديدة من التعاون تقوم على المصالح المتبادلة والشراكات طويلة الأمد. كما اعتبر أن الاهتمام الأوربي المتزايد بالطاقة النظيفة المغربية يعكس المكانة التي باتت تحتلها المملكة كشريك موثوق في ملفات الطاقة والانتقال الأخضر.
وتنسجم هذه القراءة مع التحولات التي شهدتها العلاقات المغربية الفرنسية خلال السنتين الأخيرتين، والتي انتقلت من مرحلة تجاوز الخلافات السياسية إلى توسيع مجالات التعاون الاستراتيجي. كما يعكس الاهتمام بمشاريع الربط الطاقي توجها أوربيا نحو تنويع مصادر الإمداد وتقوية الشراكات مع دول الجوار القادرة على توفير طاقة نظيفة ومستقرة، وهو ما يمنح المغرب فرصة لتعزيز حضوره داخل منظومة الطاقة الإقليمية والأوربية.
وبين الرهانات الاقتصادية التي يبرزها خبراء الطاقة، والأبعاد الاستراتيجية التي يتحدث عنها المتخصصون في العلاقات الدولية، يبرز مشروع الربط الكهربائي المباشر بين المغرب وفرنسا باعتباره أحد المشاريع المرشحة لتعزيز حضور المملكة داخل سوق الطاقة الأوربية، مستفيدا من المؤهلات التي راكمتها المملكة في مجال الطاقات المتجددة، ومن التحولات التي تعرفها أسواق الطاقة العالمية خلال السنوات الأخيرة.
كلمات دلالية #أمن_الطاقة #الربط_الكهربائي #الطاقات_المتجددة #الطاقة_الأوروبية #المغرب_وفرنسا