عربي21:
2026-06-03@07:29:56 GMT

من يبكي غزة؟!

تاريخ النشر: 25th, October 2025 GMT

لم تعد غزة عنواناً لحربٍ عابرة، بل هي مرآة لمأساة إنسانيةٍ وسياسيةٍ ممتدة، تُختصر فيها معاني العجز الدولي وتناقض الخطاب الإنساني مع الواقع على الأرض. فبعد أن هدأت أصوات القنابل، لم تهدأ الكارثة. ما تبقى ليس «نهاية حرب»، بل بداية مرحلة جديدة من الإبادة البطيئة، تتغذى على الدمار والعزلة والتجويع وتطهير الذاكرة.



الأرقام ليست مجرد إحصاءات مروّعة، بل خرائط للغياب. نحو 92% من المدارس في غزة خرجت عن الخدمة كلياً أو جزئياً وفق تقارير اليونسكو وUNOSAT، ما يعني أن جيلاً كاملاً من الأطفال فقد حقه في التعليم. ومعها ضاعت مساحات اللعب والحلم والأمل.

أما الزراعة، التي كانت تشكل أحد أعمدة الحياة في القطاع، فقد سُوّيت بالأرض: 97% من الأشجار المثمرة و82% من المحاصيل السنوية دُمّرت، كما تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة. لم يعد في الأرض ما يُزرع، ولا في الأفق ما يُحصد سوى الرماد.

وفي خلفية هذا الدمار، يقف الرقم الأكثر فداحة: 20 ألف طفل على الأقل قُتلوا خلال الحرب، وآلاف آخرون جُرحوا أو فقدوا أطرافهم. هؤلاء ليسوا أرقاماً عابرة في بيانات الأمم المتحدة، بل هم وجوهٌ لقصصٍ تُروى بالدم، ولأجيالٍ قُطعت من جذورها قبل أن تنبت. هذا ليس «ضرراً جانبياً» كما تصفه بعض وسائل الإعلام الغربية، بل هو تدمير منهجي لمستقبل شعبٍ كامل.

أما «السلام» الذي يُروّج له بعض الساسة والإعلاميين، فهو سلامٌ شكلي يُراد به إغلاق صفحة المأساة دون مساءلة. فالهُدنة المعلَنة لم توقف الموت؛ فما زالت الاغتيالات والخروق الإسرائيلية تتكرر، وما زال الحصار يحكم قبضته على كل شريان حياة. حتى المساعدات الإنسانية التي تدخل القطاع تُستخدم كورقة ضغط سياسية، في تكرارٍ لما وصفته منظمات دولية بأنه «تسليح الغذاء».

في موازاة ذلك، تتسع حرب السرديات. مئات ملايين الدولارات تُنفق اليوم على حملات دعائية رقمية لتلميع صورة الاحتلال وتشويه رواية الضحايا. شركات تسويق رقمية كبرى، بتمويل مباشر من مؤسسات إسرائيلية وأميركية، تعمل على نشر محتوى موجّه عبر المنصات الاجتماعية لتبرير الجرائم أو نفيها. وفي الوقت نفسه، يتم إسكات الأصوات الفلسطينية أو المتضامنة معها تحت ذرائع «التحريض» أو «معاداة السامية». إنها حربٌ على الوعي لا تقل شراسةً عن الحرب على الأرض.
أي عملية إعمارٍ لا تستند إلى عدالة ومساءلة ستتحول إلى قشرة تجميلية فوق جرحٍ مفتوح
هذا الواقع يكشف أن ما يجري ليس «نهاية نزاع»، بل إعادة إنتاج مشروع تهجيرٍ قديم. فالتصريحات الرسمية الإسرائيلية تتحدث بوضوح عن «عدم إمكانية عودة سكان غزة إلى منازلهم» وعن «تشجيع الهجرة الطوعية»، وهي عبارات تُترجم عملياً إلى سياسة طرد جماعي وتفريغٍ ديموغرافي محسوب. السلام، في هذه المعادلة، ليس مصالحة بين شعبين، بل راحة ضمير زائفة لقوةٍ محتلة تبحث عن تثبيت انتصارها الأخلاقي على أنقاض الضحايا.

الحقيقة أن أي عملية إعمارٍ لا تستند إلى عدالة ومساءلة ستتحول إلى قشرة تجميلية فوق جرحٍ مفتوح. فإعادة البناء ليست مسألة إسمنت وحديد، بل استعادة لحق الحياة، والكرامة، والتعليم، والذاكرة. ولا يمكن أن يتحقق ذلك في ظل استمرار الحصار والتمييز والعقاب الجماعي.

إن غزة اليوم تختبر الضمير الإنساني العالمي: هل يمكن أن يكون هناك «سلام» من دون اعترافٍ بجريمةٍ مستمرة؟ وهل يمكن إعادة بناء مدينة دون إعادة الاعتبار لإنسانها؟
ما لم تُكسر دائرة التجاهل، سيبقى الركام اللغة الوحيدة المتبقية، وستظل غزة، رغم الخراب، الشاهد الحي على أن العالم رأى، وصمت، ثم ادّعى أنه لم يرَ.

الأيام الفلسطينية

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه غزة الدمار الاحتلال غزة الاحتلال الدمار الإعمار مقالات مقالات مقالات سياسة مقالات صحافة صحافة سياسة سياسة اقتصاد سياسة مقالات سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

مسؤول إسرائيلي: لن ننسحب من جنوب لبنان طالما بقي هناك تهديد على الأرض

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي قوله إن بلاده لن تقدم على الانسحاب من مناطق في جنوب لبنان ما دامت ترى أن هناك تهديدات أمنية قائمة على الأرض، مؤكداً أن أي خطوة تتعلق بإعادة انتشار القوات أو الانسحاب ستكون مرتبطة بشكل مباشر بالتقييمات الأمنية والعسكرية التي تجريها الجهات المختصة.

وأوضح المسؤول أن إسرائيل تضع مسألة أمن المناطق الحدودية في مقدمة أولوياتها، وترى أن استمرار وجود تهديدات محتملة يتطلب الحفاظ على إجراءات أمنية تضمن حماية الحدود ومنع أي هجمات قد تستهدف الأراضي الإسرائيلية. 

وأضاف أن المؤسسة الأمنية تتابع التطورات الميدانية بشكل مستمر، وتقوم بإجراء تقييمات دورية لتحديد مستوى المخاطر والتحديات القائمة في المنطقة.

وأشار المسؤول إلى أن قرار الانسحاب أو البقاء لا يرتبط فقط بالوضع العسكري الحالي، بل يتأثر أيضاً بالتطورات السياسية والأمنية على جانبي الحدود، مؤكداً أن إسرائيل تعتبر إزالة مصادر التهديد شرطاً أساسياً لأي تغييرات محتملة في انتشار قواتها جنوب لبنان.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الحدود اللبنانية الإسرائيلية توترات متواصلة، وسط تبادل للاتهامات بشأن المسؤولية عن التصعيد الأمني والعسكري في المنطقة. كما تتزامن مع جهود دبلوماسية وإقليمية تهدف إلى تثبيت التهدئة ومنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع قد تؤثر على الاستقرار الإقليمي.

ويرى مراقبون أن مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان سيظل مرتبطاً بمسار التطورات الأمنية والمفاوضات السياسية الجارية، إضافة إلى مدى نجاح الجهود الدولية في خفض التوترات وتحقيق ترتيبات تضمن الاستقرار على طول الحدود.

وفي ظل استمرار التحديات الأمنية، تتواصل المتابعة الدولية والإقليمية للأوضاع في المنطقة، مع دعوات متكررة إلى ضبط النفس والالتزام بالحلول الدبلوماسية، بما يسهم في تجنب مزيد من التصعيد وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق استقرار طويل الأمد على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

مقالات مشابهة

  • الحرب تأكل الأرض: كيف ضُرب القطاع الزراعي في عمقه؟
  • علماء يجيبون.. هل يمكن للعسل أن ينافس مشروبات الطاقة ويدعم الأداء الرياضي؟
  • استيقظت ولم أجد أحدا بجواري.. صبري عبد المنعم يبكي بسبب أوضاع الفنانين
  • غروسي: لا يمكن إنهاء حرب إيران دون رقابة صارمة على الاتفاق النووي
  • هيئة الاستيطان الفلسطينية: العدو الصهيوني يستولي على أراضٍ شرقي بيت لحم
  • حزب الله: معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال لا يمكن أن تمر
  • لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟
  • مقاومة الجدار والاستيطان: الاحتلال يستولي على أراضٍ بحجة الاستملاك في بيت لحم
  • انفجار نيزك في أمريكا يثير ذعر المواطنين .. كيف وصل إلى الأرض؟
  • مسؤول إسرائيلي: لن ننسحب من جنوب لبنان طالما بقي هناك تهديد على الأرض