د. ريهام العادلي تكتب: قمة بروكسل والرسائل العميقة .. عندما تحدّثت أوروبا بلغة مصر
تاريخ النشر: 25th, October 2025 GMT
لم تكن القمة الأوروبية–المصرية التي عُقدت مؤخرًا في العاصمة البلجيكية بروكسل مجرّد حدثٍ دبلوماسي عابر، بل كانت لحظة سياسية واقتصادية محورية، حملت في مضمونها رسائل عميقة تعيد رسم ملامح الشراكة بين مصر والاتحاد الأوروبي.
مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي لم تكن بروتوكولية أو شكلية، بل جاءت لتؤكد أن مصر أصبحت لاعبًا رئيسيًا في معادلة الأمن الإقليمي والاقتصاد الدولي، وأن صوتها بات مسموعًا ومُحترمًا في العواصم الأوروبية الكبرى.
القمة التي وُصفت بأنها “الأولى من نوعها” بين الجانبين، جسّدت تطورًا نوعيًا في العلاقات المصرية الأوروبية، بعد سنوات من العمل المتواصل لتوسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والأمني. لقد جاءت انعقادها في توقيت بالغ الحساسية، وسط صراعات عالمية متشابكة: من الحرب في غزة وأزمة الهجرة غير النظامية، إلى التحديات الاقتصادية التي تواجهها أوروبا نفسها. وفي خضم هذه الأزمات، برزت مصر كركيزة توازن، تحمل على عاتقها دورًا مضاعفًا في ضبط الإيقاع الإقليمي، وحماية المصالح المشتركة بين ضفتي البحر المتوسط.
ومجدداً تؤكد مصر أنها لم تعد مجرد “طرف متلقٍ للمساعدات أو الشراكات”، بل تحوّلت إلى “فاعل ومبادِر”، يمتلك رؤية واضحة لمسار التنمية والتعاون الدولي. الكلمة التي ألقاها الرئيس السيسي في الجلسة الافتتاحية للقمة كانت انعكاسًا دقيقًا لهذه الرؤية؛ فقد شدد على أن الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لا تقوم على المنح والعطايا، بل على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وتلك ليست مجرد عبارة دبلوماسية، بل إعلان عن تحول في الخطاب المصري، من منطق “الاستفادة” إلى منطق “الندية والتكامل”.
عندما تحدث الرئيس عن مشاريع الطاقة المتجددة، والتحول الأخضر، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الذكية، فإنه لا يتحدث عن أحلام بعيدة، بل عن واقعٍ تتهيأ له الدولة بخطط واضحة واستثمارات ضخمة. الاتحاد الأوروبي، من جانبه، يدرك أن مصر تمثل بوابته الحقيقية إلى إفريقيا، وأن استقرارها الاقتصادي والسياسي هو صمام أمان لمنطقة البحر المتوسط بأكملها.
البيان الختامي للقمة حمل بين سطوره إشارات إيجابية كثيرة: اتفاقات مالية ضخمة تتجاوز أربعة مليارات يورو، دعم للإصلاحات الاقتصادية، ومذكرة تفاهم جديدة للانضمام إلى برنامج “هوريزون” الأوروبي للبحث العلمي والابتكار. لكن الأهم من كل ذلك هو روح الشراكة الجديدة التي بدأت تتشكل.
لم يعد الحديث عن “مساعدات أوروبية” لمصر، بل عن استثمارات مشتركة، وفرص تنموية متبادلة، ومشاريع تعود بالنفع على الجانبين.
وفي تقديري الشخصي، فإن هذا التحول هو جوهر الرؤية المصرية التي يقودها الرئيس السيسي منذ توليه المسؤولية؛ رؤية تقوم على بناء الدولة القوية التي تتعامل مع العالم من موقع الندية، لا التبعية، ومن منطلق الشراكة لا الحاجة.
لا يمكن لأي مراقب منصف أن يتجاهل أن الاتحاد الأوروبي بات يرى في مصر شريكًا لا غنى عنه في ملفات كبرى مثل الهجرة، والطاقة، ومكافحة الإرهاب، وتسوية الصراعات الإقليمية. بل إن كثيرًا من الساسة الأوروبيين باتوا يدركون أن القاهرة تمسك بخيوط التوازن في الشرق الأوسط، وتستطيع – بفضل دبلوماسيتها الهادئة وحنكتها السياسية – أن تفتح قنوات للحوار حين تغلق الأبواب.
لقد استطاعت مصر أن تحافظ على توازن فريد في علاقاتها مع جميع الأطراف، شرقًا وغربًا، دون أن تتنازل عن ثوابتها الوطنية أو استقلال قرارها. وفي هذا السياق، جاءت القمة الأوروبية لتؤكد أن الاحترام الدولي يُنتزع بالثقة والعمل والإنجاز، لا بالشعارات.
حملت القمة الأوروبية–المصرية ثلاث رسائل رئيسية:
1. رسالة إلى الداخل المصري: مفادها أن الدولة تسير في الاتجاه الصحيح، وأن سياساتها الخارجية المتزنة بدأت تؤتي ثمارها، سواء من حيث الدعم الاقتصادي أو المكانة السياسية. فحضور الرئيس السيسي على منصة القمة وسط كبار قادة أوروبا هو في حد ذاته رسالة تقدير واحترام لدور مصر المتصاعد.
2. رسالة إلى الجوار الإقليمي: بأن مصر ما زالت القلب النابض للمنطقة، وصاحبة الكلمة المسموعة في القضايا المصيرية. فحين تتحدث القاهرة، تصغي العواصم، وحين تتحرك، يتغير ميزان القوى في ملفات كثيرة، من غزة إلى ليبيا والسودان.
3. رسالة إلى أوروبا والعالم: بأن الشراكة مع مصر ليست خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة استراتيجية. فأمن المتوسط يبدأ من القاهرة، واستقرار القارة الأفريقية يمر عبر الدور المصري في حفظ التوازن ومنع الفوضى.
يحسب للرئيس السيسي أنه استطاع أن يعيد تعريف العلاقة بين مصر وأوروبا على أساس جديد من الثقة والندية ، حضوره الفاعل في القمة، ومشاركته في صياغة البيان الختامي، ومداخلاته حول التحديات الإقليمية، كلها أكدت أن مصر لا تتحدث عن نفسها فقط، بل تتحدث باسم المنطقة كلها، بصوت عقلاني ومسؤول.
لقد قدّم الرئيس السيسي في بروكسل نموذجًا للقيادة التي تجمع بين الواقعية السياسية والرؤية الاستراتيجية، فكان حديثه عن الأمن الإقليمي مقترنًا بالاقتصاد، وعن التنمية مرتبطًا بحقوق الإنسان في بعدها الشامل، وعن التعاون مشروطًا بالاحترام المتبادل للسيادة الوطنية. وهي مبادئ ثابتة صاغتها التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة، وأثبتت صحتها على أرض الواقع.
مثلت هذه القمة علامة مضيئة في مسار السياسة الخارجية المصرية، لأنها جمعت بين الدبلوماسية الهادئة والنتائج الملموسة. لقد أثبتت مصر أنها قادرة على أن تفرض حضورها في الساحات الدولية الكبرى، لا بصوت مرتفع، بل بلغة الإنجاز والحكمة.
وفي زمنٍ تتصارع فيه المصالح وتضيع فيه المبادئ، يظل الموقف المصري متوازنًا، واقعيًا، لكنه لا يخلو من العزة والكرامة.
مشاركة الرئيس السيسي في هذه القمة لم تكن فقط خطوة لتعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، بل كانت رسالة جديدة للعالم بأن مصر تعود بقوة إلى مكانتها التاريخية كقوة إقليمية مركزية، تمتلك رؤية للمستقبل وتؤمن بالتعاون لا بالمواجهة، وبالاحترام لا بالاستعلاء، ولم تنحصر القمة في مجرد اتفاقات اقتصادية أو صور رسمية، بل هي ترجمة عملية لمسار جديد في السياسة المصرية.
مسار يؤكد أن مصر – بقيادتها الواعية ورؤيتها الواضحة – تسير بخطى ثابتة نحو المستقبل، حاملةً على عاتقها حلم التنمية، ورسالة السلام، وإرادة البناء.
لقد تحدثت أوروبا في هذه القمة بلغة مصر، لغة الواقعية والتعاون، وآن للعالم أن يُصغي جيدًا لصوتٍ عربيٍّ صادقٍ يُعبّر عن طموح أمة بأكملها.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: القمة الأوروبية المصرية العاصمة البلجيكية بروكسل الرئيس عبد الفتاح السيسي الاتحاد الأوروبی القمة الأوروبیة الرئیس السیسی أن مصر
إقرأ أيضاً:
فقدان الصحة..نهاية كل شيء!
أميمة بنت علي الراشدية
كنت سأبدأ المقال بطرح الأسئلة، ولكن تراجعت في اللحظة الأخيرة، وآثرت أن أدخل مباشرة نحو الحديث عن قيمة الصحة التي لا يدرك قيمتها إلا المرضى، وتذكرت حديثًا طويلًا قيل لي عن الثمن الباهظ الذي ندفعه عندما نهمل صحتنا، ونعتقد بأننا بخير في كل الأحوال.
ثم سمعت من أقرب الناس عن قصص الحياة والموت والأنين والوجع الذي لا يحتمل بحكم عمله بين أقسام المستشفى، قال لي: إذا أردتِ أن تعرفي قيمة الصحة، فعليكِ بزيارة أقسام التنويم، ستعلمين كيف يعيش المرضى ساعات يومهم في انتظار الفرج والخروج من الغرف الباردة!
قال بأن الحياة حجمها يصغر كثيرًا عند نوبات الألم القصوى، فلا الترياق، في بعض الحالات، يكتم الألم، ولا الأنين يسمعه من بالخارج، قصص ومشاهد لا يعرفها الكثير من الناس؛ لأنهم لم يدخلوا في هذه الدوامة من الصبر وتحمل أقسى الظروف.
لم أُصب بالصدمة، لكن زادت مخاوفي من المرض وفقدان الصحة، منذ فترة لم أكن منتظمة على أخذ أدوية السكر في الوقت المحدد، أحيانًا أنسى وسط زحمة العمل اليومي، ومسؤوليات الأسرة، ومتطلبات العمل الإداري.
لكن ما إن اتضحت أمامي الصورة، عاهدت نفسي على الانتظام والانضباط على أخذ العلاج بكل ترحاب، بيني وبين نفسي صراع نفسي وخوف من المجهول، قد يكون طبيعيًا، فما نراه من فقد يجعلنا نطرق أبواب النقاش لنؤكد بأن الصحة، كما قيل منذ زمن: "تاج على رؤوس الأصحاء"، لا يشعر بقيمتها الحقيقية إلا من ابتلي بالمرض.
في الإذاعة المدرسية قدمت حكمة الصباح، لم أكن أعرف مغزاها الحقيقي إلا عندما كبرت وتعلمت، فالحكمة تقول: "إذا فقدت المال لم تفقد شيئًا، وإذا فقدت الصحة فقدت بعض الشيء، وإذا فقدت الأخلاق فقدت كل شيء".
غياب الصحة ليس من السهولة استرجاعها، وإن رجعت فأحيانًا لا تعود إلى أصلها الماضي، ضياع الصحة ثمنه باهظ، فكم من مريض أعياه المرض، فعندما تحيط بك العاهات لن تلتفت إلى ما جمعته من مال بقدر ما تتمنى أن يخلصك الله من شكواك.
المرض هو الزائر الذي لا يطرق أبواب الجسد، لكنه يتغلغل بين ثناياه، فيحول الوقت إلى عالم لا محدود من الدقائق والثواني والأيام، المرض مخيف بدرجة لا يمكن الوثوق في موعد خروجه، بعض الأمراض تعيش في أجساد الناس منذ الإصابة وحتى الموت، يُدفن الإنسان في قبره والمرض هو الرفيق الذي لازمه، رحلة طويلة وصراع من أجل البقاء بخير.
لماذا يخاف الإنسان من الإصابة بالمرض؟ من الواقع نستشف كيف يصنع رهاب المرض بالإنسان، خاصة عندما تكون الإصابة قاتلة، ففي أيام "كوفيد-19"، وفي ذروة نشاط الفيروس وسرعة انتشاره، وسقوط المصابين بالداء في الشوارع والممرات وفي كل مكان، كان الخوف يتوحش أكثر، ليس لأنه مجرد حالة عارضة سرعان ما تنتهي، لكنه الفناء الذي من أجله تُحبس الأنفاس، لهذا كان الخوف ليس مجرد فطرة غرائزية عند البشر، ولكن حالة طبيعية من أجل البقاء، فالإصابة قد تكون عنوانًا لبداية الموت!
كل الذين خرجوا من أزمتهم الصحية في زمن كورونا يدركون معنى الصحة، يعرفون معنى أنك معافى من المرض، سبروا خفايا الإحساس بالخوف عن قرب، لذا عليك أن تصغي لما سيقولونه عن المرض، وكيف وجدوا الحياة أثناء الإصابة، والخروج من عنق الزجاجة.
لذا نقول: "اهتموا بصحتكم، وحافظوا على قواكم، ولا تحملوا أنفسكم طاقة لا تحتمل، فالحياة قبل المرض شيء، وأثناء المرض شيء آخر، والمرض يعد أكبر الأزمات التي يمر بها الإنسان في حياته، لذا ضعوا: "الوقاية خير من العلاج" نصب أعينكم.