الحرب التي أعادت تعريف الوعي.. من نصر غزّة إلى يقظة الأمة
تاريخ النشر: 3rd, November 2025 GMT
حين تتصدّع الجغرافيا تحت نيران الإبادة، ويُحاصَر الوعي بين إعلامٍ مضلِّل ونظامٍ دولي أعمى، تنبعث غزّة، كما في كلّ مرة، لتقول ما لا يستطيع أحد قوله: «إن الوعي أقوى من القوّة، وإن المقاومة ليست فعلًا عسكريًا فحسب، بل عملية تاريخية لإعادة تعريف الإنسان في وجه الظلم والهيمنة».
لقد كشفت الحرب الأخيرة على غزّة أنّ الشعوب لا تُهزم بالحديد والنار، بل تُهزم حين تُقنعها القوّة الغاشمة بأنّها بلا معنى.
من النصر العسكري إلى النصر السياسي والمعنوي
لم يكن ما حدث في غزّة مجرد مواجهة عسكرية بين فصيل مقاوم وجيشٍ مدجج بالتكنولوجيا، بل كان اختبارًا وجوديًا للوعي الإنساني: هل يمكن للضعيف أن ينتصر حين يمتلك المعنى؟
ففي حين حاولت «إسرائيل» أن تفرض معادلتها النفعية القائمة على الإبادة لتحقيق الأمن، أعادت المقاومة تعريف الأمن ذاته: أن يكون الإنسان آمنًا في كرامته، في هويته، في حقه على الأرض.
لقد تحولت غزّة إلى مرآة تعكس زيف مقولة «الردع» الصهيونية، إذ خرجت المقاومة من تحت الركام أكثر تماسكًا، وبقيت هي الطرف الوحيد القادر على فرض شروطه الرمزية والمعنوية على الساحة الفلسطينية. فحتّى وإن تراجعت القوّة المادية للمقاومة مؤقتًا، إلا أنّها حققت نصرها في المعنى: نصر الإرادة على التقنية، ونصر الذاكرة على النسيان.
هنا تحديدًا يمكن الحديث عن «النصر الإستراتيجي بالأرقام»، لا من حيث عدد الطائرات أو الجنود، بل من حيث الأثر البنيوي في معادلة الردع. فـ»إسرائيل» فقدت عنصر المفاجأة، وتبدّدت هيبة جيشها الذي وُصف يومًا بأنه «لا يُقهر»، بينما اكتسبت المقاومة خبرة ميدانية وتنظيمية غير مسبوقة، جعلتها تنتقل من الدفاع إلى القدرة على إدارة الحرب الطويلة، ومن العزلة إلى التحول إلى مركز ثقلٍ إقليمي في معادلات الردع والقرار.
الوعي الجمعي الفلسطيني من النجاة إلى الفعل
حين فُتحت أبواب الجحيم على غزّة، كان المتوقع أن تنهار البنية الاجتماعية والنفسية للمجتمع الفلسطيني، لكن ما حدث كان العكس تمامًا. لقد تجلّى الوعي الجمعي في أبهى صوره: رفضٌ جماعي للتهجير، صمودٌ في المخيمات، وتنظيمٌ داخليّ قائم على المساندة الشعبية والعائلية، حتّى داخل الدمار.
هذا الوعي الجديد لم يَعُد يكتفي بالنجاة من القصف، بل تجاوزها إلى الفعل الإنساني والسياسي الواعي. فالمجتمع الغزّي لم يعد ضحيةً تنتظر الإغاثة، بل بات منتجًا للوعي المقاوم، يفرض على محيطه العربي والإسلامي، بل وعلى العالم، أن يعيد النظر في مفاهيمه عن «الحق» و«العدالة».
ولذلك، يمكن القول إنّ الحرب لم تغيّر فقط موازين القوّة، بل أعادت بناء الذات الفلسطينية. أصبح الفلسطيني يرى نفسه لا كأداةٍ في معركة الآخرين، بل كفاعلٍ أساسي في صياغة مصير المنطقة. ومن هنا يتجاوز النصر حدود السلاح، ليصبح انتصارًا على الوعي المبرمج الذي أرادت به القوى الاستعمارية طمس معاني المقاومة منذ أوسلو وحتّى «التطبيع».
يقظة الأمة من سبات التطبيع
لم تكن الحرب حدثًا فلسطينيًا فحسب، بل لحظة كشفٍ حضاري للأمة جمعاء. فقد تهاوت شعارات «السلام» الرسمي أمام مشاهد الأطفال تحت الركام، وانكشف الوجه الحقيقي للمنظومة الغربية التي تحتكر الحديث عن «حقوق الإنسان» بينما تبرر كلّ قنبلة تُلقى على المدنيين في غزّة.
لقد أيقظت غزّة الضمير الجمعي العربي والإسلامي من سباته الطويل بل حتّى المجتمعات الغربية. فالملايين التي خرجت في العواصم الأوروبية لم تكن فقط تعبّر عن الغضب، بل عن عودة الانتماء. أصبح الوعي الشعبي يتجاوز الخطوط التي رسمتها الأنظمة والسياسات، ليعيد تعريف الأمة كمجالٍ أخلاقيٍ مشترك يتجاوز حدود الدول.
هذه اليقظة لا تعني فقط تضامنًا إنسانيًا، بل تعني أيضًا تحوّلًا بنيويًا في إدراك موقع الأمة من العالم. فالحرب على غزّة، بما حملته من وضوحٍ أخلاقي حاد، جعلت الشعوب تدرك أن الصراع مع المشروع الصهيوني ليس صراع حدود، بل صراع وجودٍ وهويّة. ومن هنا، انتقل الخطاب العربي من «التسوية الممكنة» إلى «الكرامة الممكنة».
سقوط الخطاب الغربي وولادة خطاب الحرية الجديد
الحدث الغزّي عرّى الغرب الرسمي، وكشف تناقضاته البنيوية. فبينما يرفع راية الديمقراطية، سكت عن المجازر، بل وشارك في تسليح القاتل وتمويله. هذه الازدواجية فجّرت وعيًا نقديًا واسعًا في الجامعات ووسائل الإعلام الغربية نفسها، حيث خرجت أصوات شبابية ومثقفون يعلنون أن «الضمير الإنساني لا يمكن أن يُحتكر باسم القيم الليبرالية».
هكذا، ولدت من تحت أنقاض غزّة حركة عالمية جديدة للوعي، لا تقف عند حدود التضامن، بل تعيد طرح الأسئلة الجوهرية حول بنية النظام الدولي. فمنذ الحرب، باتت فلسطين رمزًا لما نسميه «انقلاب المعنى»: حين تتحول الضحية إلى مركز لإنتاج القيم.
النخبة ودور الوعي في تشكيل المستقبل
تضع الحرب على غزّة النخب الفكرية والثقافية أمام مسؤوليات كبرى. لم يعد كافيًا الاكتفاء بالتحليل أو الشجب، بل المطلوب إعادة بناء المفاهيم التي تحكم علاقة الأمة بذاتها والعالم.
لقد قدّمت المقاومة نموذجًا عمليًا للحرية، لكنّ تحويل هذا النموذج إلى مشروعٍ حضاريٍّ دائم، يتطلب إنتاجًا معرفيًا متماسكًا يربط بين السياسة والثقافة، وبين التاريخ والمستقبل.
إنّ المعركة المقبلة لن تُخاض في الميدان فقط، بل في العقل واللغة والمناهج. فالصراع على فلسطين أصبح صراعًا على الرواية: من يروي التاريخ ومن يُمحى من صفحاته.
ولذلك، فإن دور النخبة اليوم هو تحويل تجربة غزّة من حدثٍ استثنائي إلى وعيٍ تاريخي متجذر، يُعيد تعريف العلاقة بين المقاومة والهوية، وبين الكرامة والسياسة.
من غزّة إلى الأمة.. الوعي الذي لا يُقهر
لقد خرجت الأمة من حرب غزّة مختلفة عمّا كانت عليه قبلها. لم يعد السؤال «من ينتصر؟» بل «من يملك حقّ المعنى؟». والمقاومة، بهذا المعنى، لم تنتصر فقط على «إسرائيل»، بل على منطق التاريخ الذي أراد الغرب كتابته باسم المنتصر الدائم.
لقد أعادت الحرب تعريف «الوعي الغربي والعربي» كقوةٍ فاعلة، لا ككتلة من الغضب العابر. فكلّ طفلٍ في غزّة أصبح رمزًا للإنسان الحر، وكلّ أمٍّ فقدت أبناءها أصبحت شاهدة على أن الحرية تُولد من رحم الألم. هذا الوعي الجديد لا يمكن اغتياله لا بالقصف ولا بالتطبيع، لأنه تحوّل من فكرة إلى ضميرٍ جمعي.
من الركام يولد التاريخ
في النهاية، يمكن القول إنّ الحرب على غزّة لم تكن مجرد فصل جديد من الصراع «الفلسطيني-الإسرائيلي»، بل كانت نقطة انعطافٍ في تاريخ الوعي الإنساني الحديث. لقد أثبتت أن المقاومة ليست خيارًا عسكريًا، بل حقًا وجوديًا لا يُقايض.
ومن بين الركام، وُلدت غزّة من جديد، لا كمدينةٍ محاصرة، بل كفكرةٍ محرّرة. أعادت تعريف النصر والكرامة والحرية، وأيقظت الأمة من سباتها الطويل لتدرك أن الطريق إلى النهضة يبدأ من حيث يتوقف الخوف.
فكما نقول دائمًا بعد كلّ حرب: «حين تُقصف المدن، تتكلم الأفكار، وحين يسقط الجسد، ينهض الوعي»، فإن غزّة اليوم، هي نهوض الوعي من تحت الركام، لتعلن أن الإنسان لا يُهزم، ما دام قادرًا على أن يقول «لا» في وجه العالم بأسره.
كاتب صحفي فلسطيني
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
«القومي للطفولة» و«الثقافة» يبحثان تنفيذ مبادرات لتنمية الوعي لدى الأطفال
التقت الدكتورة سحر السنباطي، رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة، اليوم، بالدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، لبحث سبل التعاون المشترك وتعزيز أطر التنسيق بين الجانبين لدعم ثقافة الطفل وتنفيذ عدد من المبادرات الهادفة إلى تنمية وعي الأطفال في مختلف المجالات الثقافية والمعرفية.
جاء ذلك بحضور الدكتور كرم ملاك والسيدة ميراي نسيم، عضوي مجلس إدارة المجلس القومي للطفولة والأمومة.
وشهد الاجتماع مناقشة عدد من المحاور المتعلقة بتعزيز دور الثقافة في تنمية شخصية الطفل، وأهمية إتاحة مساحات آمنة ومحفزة للإبداع، إلى جانب بحث آليات تنفيذ برامج وأنشطة ثقافية تستهدف الأطفال بمختلف الفئات العمرية.
وأعربت الدكتورة سحر السنباطي عن سعادتها بهذا اللقاء، الذي يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز التعاون بين المجلس ووزارة الثقافة، مثمنةً جهود الدكتورة جيهان زكي في دعم الحراك الثقافي وتعزيز الوعي المجتمعي.
وأكدت أن المجلس يولي اهتمامًا كبيرًا بتنمية ثقافة الطفل باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لبناء الوعي، مشيرةً إلى أهمية تكامل الأدوار بين المؤسسات الوطنية المعنية بالطفولة والثقافة لتقديم محتوى هادف يسهم في إعداد أجيال قادرة على التفكير والإبداع.
وأضافت أن المجلس يحرص على توسيع نطاق الشراكات مع مختلف الجهات المعنية، بما يدعم تنفيذ المبادرات والبرامج الموجهة للأطفال وأسرهم، ويسهم في نشر الثقافة والمعرفة بأساليب مبتكرة تتناسب مع احتياجات الأطفال وتواكب المتغيرات المعاصرة. كما لفتت إلى أهمية تنفيذ مبادرات صيفية تستهدف رفع وعي الأطفال وأسرهم بقضايا التنمر والتحرش والعنف، خاصة في المحافظات الحدودية والأكثر احتياجًا، فضلًا عن دمج الأطفال ذوي الهمم في جميع الأنشطة والبرامج.
ومن جانبها، رحبت الدكتورة جيهان زكي بالدكتورة سحر السنباطي، معربةً عن تقديرها للدور الذي يقوم به المجلس القومي للطفولة والأمومة في دعم الأطفال وحمايتهم وتعزيز حقوقهم، مؤكدةً أهمية التعاون المشترك في تنفيذ مبادرات ثقافية ومعرفية تسهم في تنمية قدرات الأطفال وإثراء خبراتهم.
كما أكدت وزيرة الثقافة دعمها الكامل للبرامج والمبادرات الهادفة إلى رفع وعي الأطفال والأسر وتعزيز الوعي الثقافي والمعرفي لديهم، مشيرةً إلى استعداد الوزارة لإتاحة قصور الثقافة والمراكز الثقافية التابعة لها لاستضافة وتنفيذ الأنشطة والفعاليات والبرامج التوعوية الموجهة للأطفال وأسرهم في مختلف المحافظات.
واتفق الجانبان على البدء في إجراءات إعداد وتوقيع بروتوكول تعاون مشترك لدعم وتنفيذ عدد من المبادرات والأنشطة الصيفية الموجهة للأطفال، والتوسع في التوعية بخدمات خط نجدة الطفل (16000)، إلى جانب تنفيذ حملات وبرامج توعوية تتناول قضايا التحرش والتنمر والعنف ضد الأطفال.
كما يشمل التعاون تنظيم فعاليات ثقافية وفنية وترفيهية خلال الإجازة الصيفية بمختلف محافظات الجمهورية، مع إيلاء اهتمام خاص بالمحافظات الحدودية والأكثر احتياجًا، بما يسهم في تعزيز حماية الأطفال وتنمية معارفهم ومهاراتهم.
وفي ختام اللقاء، اتفق الجانبان على مواصلة التنسيق والتشاور خلال الفترة المقبلة لوضع خطة عمل مشتركة تتضمن آليات التنفيذ والمتابعة، بما يحقق الأهداف المرجوة من التعاون بين الجانبين.