بعد أن تخلصت سوريا من نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وُلد أول مجلس شعب جديد في أكتوبر/تشرين الأول الماضي من رحم فراغ دستوري دام أشهرا. لم يكن هذا الميلاد حدثا عاديا، بل هو الرهان الأكبر على مستقبل الجمهورية، وهو يطرح السؤال المصيري الذي يحدد كل ما سيأتي بعده: هل هذه الهيئة التشريعية الجديدة هي مجرد أداة لتسيير شؤون الدولة تحت سلطة "الضرورة" المؤقتة، أم إن لها حق "السيادة" المطلقة لكتابة دستور دائم للبلاد؟

هذه ليست معضلة أكاديمية، بل هي نقطة غليان قد تحدد مصير الانتقال برمته، فقرار المجلس بتبني إحدى الصلاحيتين سيحدد مصير تفكيك ترسانة القوانين القمعية، ومستقبل العدالة الانتقالية، والأهم من ذلك أنه سيحدد ما إذا كان الدستور القادم سيحظى بالقبول الشعبي الواسع أم سيكون مجرد وثيقة جديدة تفتقر للشرعية.

لذلك يواجه النواب اليوم اختبارا تاريخيا: هل يعملون كممهدين حذرين، أم يغامرون كآباء مؤسسين في بلد لا يزال يقف على أرض مهزوزة؟

اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري أعلنت نتائج الانتخابات يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول الماضي (رويترز)السيادة في مواجهة الضرورة

لم يكن التحول الدستوري في سوريا عملية سلسة أو مخططا لها، بل بدأ بإعلان حاسم في 29 يناير/كانون الثاني 2025، حين أصدرت هيئة الحكم الانتقالي مرسوما قضى بإلغاء دستور 2012 وحل مجلس الشعب السابق، منهية بذلك الشرعية الدستورية القديمة بالكامل، ومُدخلة البلاد في مرحلة من الفراغ.

وفي 13 مارس/آذار الماضي، وقّع الرئيس أحمد الشرع "الإعلان الدستوري المؤقت"، والذي لم يقم بصياغة دستور جديد، بل حدد الإطار الزمني والوظيفي للمرحلة الانتقالية. هذا الإعلان هو الذي شكّل الأساس القانوني لإنشاء مجلس الشعب الحالي عبر انتخابات أكتوبر/تشرين الأول، وحصر مهام التشريع به بصفة مؤقتة. فالإعلان الدستوري المؤقت ينص في مادته الثالثة على تشكيل مجلس شعب يمارس السلطة التشريعية حتى اعتماد دستور دائم، مع تحديد ولايته بثلاثين شهرا قابلة للتجديد.

إعلان

هذه القيود الزمنية والشرطية تشكل أساس الجدل القادم بشأن صلاحيات المجلس الفعلية، حيث يرتكز الجدل على اتجاهين متصارعين يمثلان جوهر الصراع الدستوري في أي مرحلة انتقالية:

الرؤية الأولى: الالتزام بـ"الضرورة" وتجنب مأزق الشرعية

يستند هذا الرأي على أن أصول الفقه الدستوري تنص على أن تقييد ولاية الهيئة التشريعية بمدى زمني (30 شهرا)، والإعلان المؤقت يعني بالضرورة أنها ليست هيئة تأسيسية ذات سيادة. لكن العامل الذي يفاقم من هذا القيد هو الشرعية التمثيلية الناقصة للمجلس نفسه، حيث جرت الانتخابات في ظل آلية خاصة وظروف استثنائية، شملت غياب النازحين في مناطق واسعة من البلاد، وعدم مشاركة فئات عريضة من الشعب السوري، فضلا عن ثلاث محافظات لم يمكن إجراؤها فيها. هذه القيود المزدوجة (الزمنية والتمثيلية) تجعل من المجلس هيئة "ضرورة" مؤقتة؛ تنتهي مهمته فور ظهور الدستور الدائم.

لهذا السبب تحديدا، يخلص مؤيدو هذا الاتجاه إلى أن المجلس يفتقد السيادة التشريعية الكاملة التي تتمتع بها البرلمانات المستقرة، ليصبح دوره محكوما بـ"الضرورة الإدارية والسياسية" لتسيير شؤون البلاد فقط. أي أن هذا الاتجاه يرى أن دور المجلس يقتصر على إصدار القوانين الأساسية والطارئة التي لا تحتمل التأجيل، بينما يُحظر عليه الدخول في مهمة صياغة الدستور.

الرؤية الثانية: المطالبة بـ"السيادة".. قوة الأمر الواقع والشرعية الثورية

وتنطلق هذه المقاربة من أن المجلس -لكونه نتاج ثورة وإلغاء للنظام القديم- يمتلك قوة تغيير استثنائية، أي أن ممارسته الفعلية لسلطة إلغاء القوانين وتفكيك ترسانة الاستبداد الموروثة تمنحه سلطة فاعلة ومؤثرة بحكم الأمر الواقع، حتى مع وجود الإعلان المؤقت. هذا الطرح لا ينفي القيد القانوني، بل يضع الشرعية الثورية كمصدر قوة موازٍ يتيح له تجاوز القيود الصارمة إذا تطلبت المصلحة الوطنية ذلك.

لكن هذا المسار يحمل سلبيات جمة، فهو قد يُعجّل بإنهاء المرحلة الانتقالية لكنه يولد خصومة سياسية ودستورية واسعة تهدد استقرار الدستور المكتوب، وأصحاب هذا الطرح يدعون النواب للتعامل مع هذه الصلاحيات بمسؤولية كاملة كما لو كانت سيادية.

إن التعارض بين مسار الالتزام بالضرورة ومسار الانحياز للتأسيس الفوري يضع المجلس السوري في مأزق حقيقي، فبينما قدمت الرؤية الأولى حماية للمؤسسة الدستورية بتسليم مهمة التأسيس لجهة أوسع شرعية، فإن الرؤية الثانية تكشف عن التكلفة الباهظة لاستحواذ هيئة ذات شرعية ناقصة على الصلاحيات التأسيسية، حيث يهدد الانقسام السياسي بانهيار العملية برمتها. هذا التحدي يفرض على النواب إيجاد توازن صعب: إما الاكتفاء بالحد الأدنى القانوني والتمهيد لمستقبل أكثر استقرارا، وإما المضي قدما في التأسيس وتحمل عبء الانقسام والمخاطرة بشرعية الدولة الجديدة.

ناخب يدلي بصوته في مدينة جبلة على الساحل السوري في أول انتخابات نيابية منذ سقوط نظام الأسد (غيتي)ثلث بلا صناديق.. بوابة تمكين أم قيد رقابة؟

إن الصراع حول صلاحيات المجلس الدستورية (الضرورة مقابل السيادة) يتفاقم بسبب تحدٍ داخلي يمس شرعية تمثيله ذاتها، فإضافة إلى القيود القانونية الناتجة عن الإعلان المؤقت، يواجه المجلس تحديا هيكليا يتمثل في كيفية تشكيله، حيث نصّت القواعد الانتقالية في الإعلان الدستوري على أن يعين الرئيس أحمد الشرع 70 عضوا -من أصل 210 أعضاء- مباشرة، بينما ينتخب الثلثان الباقيان بانتخاب غير مباشر.

إعلان

ويُبرر النظام الجديد هذا التعيين بالحاجة إلى سدّ ثغرات التمثيل، ولا سيما فيما يتعلق بالمرأة والأقليات والكفاءات التي قد لا تصل عبر الانتخابات غير المباشرة بسبب الظروف الأمنية والسياسية القائمة، وعدم استقرار مناطق واسعة مثل الرقة والحسكة والسويداء.

نتائج الانتخابات التي أجريت لنحو 140 مقعدا، أظهرت بالفعل أن نسبة النساء مثلا لم تتعد 3%، وأن حضور الأقليات كان ضعيفا، وهو ما تسعى التعيينات الرئاسية إلى تداركه في محاولة لصبغ المجلس بصبغة أكثر شمولية وتمثيلا للكفاءات الفنية المطلوبة للمرحلة. هذا الأمر يُغذي جدلا واسعا حول مبدأ فصل السلطات، ويطرح علامات استفهام كبرى حول استقلالية المؤسسة التشريعية في مرحلة بالغة الحساسية.

وحول تداعيات هذا الثلث المعيَّن على استقلالية المجلس، يتبلور موقفان متقابلان في الساحة السياسية بشأن دوره المتوقع:

فمن جهة، يرى المؤيدون أن هذا الإجراء ضروري لتحقيق التمكين والتضمين، فهو يمثل حلا سريعا لسدّ ثغرات التمثيل التي فشلت الانتخابات غير المباشرة في معالجتها. في المقابل، يخشى المشككون من أن يؤدي هذا التعيين إلى التقييد والتعطيل، لأن الأعضاء المعينين قد يشكلون كتلة تصويتية موالية للسلطة التنفيذية، مما يهدد استقلالية المجلس ويقيد دوره الرقابي الفعّال. كما يرى البعض أن هذا الثلث قد يتحول إلى "ثلث معطل" في القضايا الجوهرية التي تتطلب أغلبية واسعة، مما يعيق قدرة الثلثين المنتخبين على تمرير قرارات جريئة في ملفات مصيرية.

ويبقى مصير هذا الجدل مرهونا بمدى استقلالية الأعضاء المعينين وقدرتهم على أداء دور رقابي تشريعي فعّال، بعيدا عن ضغوط السلطة التنفيذية. إن استعدادهم لاستخدام صلاحياتهم في المساءلة والاستجواب والتحقيق في تجاوزات الحكومة، هو المؤشر الحقيقي الوحيد لمدى فصل السلطات في هذه المرحلة الحرجة.

تفكيك الإرث وبناء الدولة

تتجاوز المهام الملقاة على عاتق المجلس الصراع الدستوري إلى معركة كبرى مع الإرث القانوني والاقتصادي للنظام السابق، وهي مهام لا تحتمل التأجيل وتتطلب تركيزا تشريعيا جذريا. في هذا السياق، تُعتبر الأولوية القصوى للمجلس هي تبني أجندة "إلغاء التشريع"، حيث كان القانون في سوريا لعقود أداة للقمع والفساد، والشارع السوري ينتظر إلغاء لا تعديلا للعديد من هذه القوانين.

تنص هذه الأجندة على ضرورة البدء بالإصلاح القانوني الجذري وتفكيك قوانين القمع، وفي مقدمتها إلغاء جميع التشريعات المقيدة للحريات العامة، يشمل ذلك ما تبقى من نصوص مستمدة من "قوانين الطوارئ" القديمة، وتلك التي تُجرم التعبير عن الرأي. ويبرز هنا الخطر الكامن في قوانين مثل القانون رقم 20 لسنة 2022 الذي وسع من مفهوم الجرائم الإلكترونية بشكل فضفاض، مما يجعله أداة قمعية جاهزة للاستخدام.

وبالموازاة مع ذلك، يواجه المجلس تحدي تفكيك الترسانة البيروقراطية التي كرست الفساد وأعادت إنتاج الاستبداد عبر التعقيدات الإدارية. لمعالجة ذلك، يتطلب الأمر تبسيط الإجراءات الحكومية بشكل جذري، وإلغاء القوانين التي تمنح الإدارة صلاحيات تقديرية واسعة لتعطيل مصالح المواطنين. هذه الإصلاحات ستعزز الشفافية وتخلق بيئة مواتية لتطوير البنى التحتية والخدمات.

على الصعيد المالي، تُعدّ القوانين المتعلقة بالفساد تحديا أخلاقيا وقانونيا يتطلب سنّ تشريعات تضمن استرداد الأصول المنهوبة. إن معالجة الإرث المالي للنظام السابق تتجاوز مكافحة الفساد اليومي إلى تفكيك "اقتصاد الحرب" الذي كرّس منظومة هائلة من "الإثراء غير المشروع". يواجه المجلس تحدي إعادة بناء الثقة الاقتصادية عبر حزمة تشريعات عاجلة، تشمل التصديق على قانون موحد لحماية الملكية يوقف الممارسات غير القانونية التي سمحت بمصادرة ممتلكات المهجرين بحجج أمنية أو عقارية، والإلغاء الفوري لكل القوانين التي تسمح بإسقاط حق الملكية لمجرد الغياب أو الاتهام.

إعلان السلم الأهلي وتوقعات الشارع

إن استعادة السلم الأهلي هي جزء لا يتجزأ من أجندة الإصلاح القانوني. تُسلط حوادث جنائية مؤلمة وقعت مؤخرا الضوء على تحدٍ يتمثل في هشاشة السلم الأهلي الذي تجب حمايته، خصوصا أن هذه الحوادث يمكن استغلالها طائفيا على منصات التواصل. لذلك، فإن على المجلس أن يولي الأولوية لسنّ تشريعات تضمن أن الجريمة تُعاقَب كجريمة ضد القانون العام، لا أن تُؤطّر كقضية انتقامية. هذا يتطلب إقرار قانون لمكافحة خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، وتفعيل دور القضاء لضمان أن تكون الإجراءات في هذه القضايا الحساسة شفافة وسريعة ومحايدة.

في النهاية، يرى السوريون في مجلس الشعب الجديد فرصة لإنهاء وضع مؤقت من الفوضى القانونية وتدني الخدمات. ومن بين المطالب الشعبية المرتفعة: تحسين جودة التعليم، وتطوير البنى التحتية، والأهم هو مكافحة الفساد بجدية وتقديم المجرمين للمحاسبة، وهذا متعلق بقدرة المجلس على فتح مسارات تشريعية جذرية تعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتؤسس لمواطنة متساوية، وتحارب الفساد دون تردد.

في نهاية المطاف، لا يجد مجلس الشعب السوري نفسه أمام خيارات واضحة، بل أمام اختبار تاريخي قاسٍ: القيود القانونية المفروضة بالإعلان المؤقت تقف في وجه الاحتياجات الثورية الملحة لتفكيك الدولة القديمة وبنائها من جديد، والنواب المحاصرون بين واجب التشريع العاجل وتوقعات الشارع لتأسيس عقد اجتماعي يحمل اسم سوريا الجديدة.

المهمة اليوم ليست في صياغة مواد دستورية، بل في بناء الثقة المفقودة. وسواء اختار المجلس مسار الالتزام القانوني الحذر أم الإقدام الثوري، فإن نجاحه لن يقاس بكمّ القوانين التي يمررها، بل بمدى قدرته على تطهير تركة الاستبداد وتأمين الحد الأدنى من الكرامة والخدمات للمواطنين.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: شفافية غوث حريات دراسات الشعب السوری مجلس الشعب التی ت

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • الشويهدي: عازمون على استكمال عقبات القوانين الانتخابية
  • وكيل صلاح مصدق: تواصلت مع مستشار الزمالك القانوني بشأن شكوى اللاعب وقالي «أنا معرفكش»
  • مجلس الوزراء الكويتي يدين الاعتداءات الإيرانية على الكويت والتصعيد الإسرائيلي في لبنان
  • العراق يرفع صادرات النفط إلى 770 ألف برميل يوميا عبر الأنابيب ويوقع اتفاقا مع سوريا
  • “حماس”: الحديث عن رفض الحركة تسليم الحكم في غزة أكاذيب مضللة والعدو الإسرائيلي وميلادينوف هما العقبة
  • الحكومة الفلسطينية تناقش مشروع قانون حق الحصول على المعلومات
  • مجلس العلاقات الدولية يرحّب بإدراج "إسرائيل" على القائمة السوداء للعنف الجنسي
  • قوات الاحتلال تتوغل في ريف القنيطرة السوري وتعتقل شابًا من قرية عين زيوان
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • مجلس الجمعيات الأهلية: أعمال جمع التبرعات وصرفها تخضع لمنظومة رقابية وتشريعية دقيقة