لجريدة عمان:
2026-06-03@05:03:30 GMT

التقنيات الناشئة .. أوسع من الذكاء الاصطناعي

تاريخ النشر: 10th, November 2025 GMT

غلب على الخطاب التقني في الآونة الأخيرة صوت الذكاء الاصطناعي، والذي بات الجمع ينزله منزلة الأصل في كل حديث عن المستقبل، حتى صار أيقونة التكنولوجيا واختصارها وعنوان يختزل كل فكرة رقمية، وبمثابة مقياس للمعرفة في كل نقاش حول التحول والابتكار؛ وكأن بظهوره ألغى ما قبله من تقنيات ناضجة أو في مرحلة النضج أو في طور التشكيل.

الحقيقة، ورغم أهمية الذكاء الاصطناعي وطغيانه على المستوى العالمي كصوت وتقنية محركة لغيرها من التقنيات ومسرعة للتطوير والبحث العلمي، إلا أن الاختزال يعد قصورًا في الرؤية؛ لأنه مهما اتسعت تطبيقاته، وتشعبت مجالاته، وأضفى مظلته على العقول والأعمال وحتى الميزانيات للمؤسسات والدول، إلا أنه يبقى فرعًا من منظومة مترابطة ومتفاعلة قائمة على تقنيات أخرى لا تقل في الأثر والتأثير، وفي رسم ملامح الغد بتطوير الخدمات، وإيجاد الحلول على كافة الأصعدة وفي مختلف المجالات.

ما وراء الذكاء الاصطناعي

عالم التقنيات الناشئة تغير كثيرًا عما قيل فيه ورسمه رواد المجال، حتى أن مفاهيمه لم تعد كتلًا وإنما تحولت إلى جزئيات استقل بعضها لحظيًا، والآخر يتكامل مع غيره وينمو معاً؛ أي أن التقنيات الناشئة تتكامل أدوارها، وتتآزر في تطورها وفائدتها والقيمة التي تقدمها، ولا تهيمن فيه إحداها على أخرى، وإن بدأ ذلك للعامة؛ ولكن هناك من هو مؤمن بأن بعضها يغذي الآخر في دورة لا تنقطع بين المعرفة والتطبيق في المختبرات والمساحات الضيقة والتي لاحقاً تحتل المنصات.

المتتبع لشركة جارتنر التي تعد من أكبر شركات الأبحاث والاستشارات التقنية في العالم وتحديداً لمنتجها البحثي (Hype Cycle) أو الإطار التحليلي المتتبع لنضج التقنيات يلحظ بأن ميزان القوى لا يقاس بالذكاء الاصطناعي وحده، وإنما بالانتباه للتقنيات الأخرى وتبنيها في مرحلة البذرة في الابتكار، أو التقاطها في أي مرحلة تالية من دورة حياتها وجعلها ميزة تنافسية بالابتكار فيها.

فعندما نتحدث عن التقنيات الناشئة لا ينبغي أن يكون حديثنا مبنيًا على الهبة العالمية، وإنما ينبع من حاجة مؤسساتنا ونضجها وتوافق تلك التقنيات مع الاستراتيجية والأهداف الحالية أو في تلك الفترة من الزمن، وفي ذلك توصي شركة (IDC) الأمريكية في تقريرها IDC MarketScape: Worldwide Artificial Intelligence Services 2025 Vendor Assessment بضرورة تقييم النضج والحاجة وتحديد الجاهزية من حيث البيانات والمواهب والتقنيات قبل الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لمجرد أنه شائع.

في خضم التنافس العالمي علينا أن ندرك بأن مشكلاتنا وميزاتنا التنافسية لا بالذكاء الاصطناعي وحده تحل أو تتحقق، فلربما ما نعتقد بأنه حل يمكن أن يصبح مشكلة معقدة تتراكم عليها تبعات وتخلق فجوة لا تسد بنفس العوامل والعناصر التي كانت يمكن أن تسدها في السابق.

علينا النظر إلى التقنيات الناشئة أو نأتي بتقنيات لتنشئ لنا ميزات تنافسية في أبعاد: السرعة والثقة والأمان والاستدامة والسيادة الرقمية. وهذه الأبعاد يمكن إيجادها في تقنيات مثل: البلوكتشين الذي يعيد تعريف الثقة في الاقتصاد والمعاملات، وإنترنت القيمة الذي يوسع مفهوم الاتصال من تبادل المعلومات إلى تبادل الأصول، وإنترنت الأشياء الصناعي والإنساني الذي يربط الآلة بالإنسان في منظومة متداخلة من الفهم والاستجابة، والحوسبة عند الحافة لتقريب القوة الحسابية من مصدر البيانات على مستوى الشبكات والاتصال، والعملات الرقمية للبنوك المركزية التي تعيد صياغة أنظمة النقد والتمويل.

والدرع الحصين والذي يعد سور التقنيات هو الأمن السيبراني التنبؤي السابق للخطر قبل أن يقع، ويتبع ويشغل كل ما سبق تقنيات الاستدامة والطاقة الذكية التي تجعل من التقدم العلمي التزاما أخلاقيا تجاه الإنسان والبيئة، فتمزج بين الابتكار والمسؤولية، وبين التقدم والضمير اللذين يجعلان الإنسان أولا.

الهاكاثونات.. ومسابقات الفكر

تعد الهاكاثونات ومسابقات الفكر مختبرات للعقل الجماعي أو التشاركي فهي توقظ روح التحدي، وتحرر الأفكار من أسر التنظير إلى ميدان التطبيق. ولكن اختزالها في الذكاء الاصطناعي وحده يعد قصورًا وتوجيهًا متحيزًا يؤطر الفكر ويتغافل عن كثير من الفرص التي يمكن أن تحل المشكلات، وتقدم ميزات تنافسية لها قيمتها في الساحة العالمية.

إذا أريد للهاكاثونات والمناشط الموازية لها أن تكون بيئات حقيقية للفكر والابتكار، وجب على القائمين عليها من مؤسسات داعمة وأخرى مشغلة أن تفتح أبوابها لكل التقنيات الناشئة وتوجه نحوها وتسلط الضوء على حقيقتها لتغرس في العقول اتساع النظر وشمول الفكر، ولتعرف الناشئة ذات العقول النشطة بأن الإبداع لا ينبت في الأطر، وإنما في المساحات الواسعة المتسمة بالحرية في الانتقال بين التجربة والخطأ والاكتشاف.

بنك المشكلات والأفكار.. من الفكرة إلى المنظومة

تخرج الأفكار من رحم الحاجة، ولعل أنضجها ـ على الأقل في رأي الكاتب ـ والتي تستحق أن تتحول إلى مشروع وطني دائم، هي فكرة إنشاء مستودع مفتوح للتحديات والمشكلات الواقعية التي تواجه المجتمع بمؤسساته وأفراده في مختلف القطاعات، والذي يمكن أن نطلق على هذا المستودع «بنك المشكلات والأفكار» وليس للاسم قدر بقدر أهمية الفكرة وفائدتها وجودتها والحاجة لها، وإن كانت الأسماء تسهم فيمكن أن يكون «المنظومة الوطنية للميزة التنافسية الرقمية» وكفى.

إن مثل هذه المستودعات إذا أنشئت على أسس واضحة ومنظمة وفق منهجية تبني وتوزيع وتنظير وتطبيق فعالة يمكن أن تكون جسرا متينا بين الفكر والممارسة؛ يضع أمام المبدعين والمبتكرين مشكلات حقيقية لا تصاغ في قاعات المؤتمرات، بل تستمد من الميدان نفسه. كما أن مخرجاتها تكون أكثر قبولاً للتبني من المؤسسات لأنها تلامس واقعها، وتحقق فوائد لها مكانة على الأرض. إن نجاح هذه الفكرة/المستودع مرتبط بالممارسة ومنهجيتها، والإيمان بها يمكن أن يحول الأفكار إلى مشاريع ومن ثم إلى شركات ناشئة والتي حتماً لن تكون جميعها تقنية صرفة فبعضها سيلتقط فكرة الاستشارات وأخرى التدريب وغيرها التسويق؛ والأكيد أن جميعها سوف تسهم في بناء اقتصاد وطني يتفرد بالمعرفة لا التقليد والإبداع لا الاستهلاك.

نقول تأكيدا إن الأفكار حين تجد مشكلاتها تتولد الحلول، وحين تجد بيئاتها تصنع مستقبلها.

في ختام هذا السرد، نقول إنه من باب الاتزان على الأقل ينبغي أن يكون حديثنا عن التكنولوجيا لا عن تقنية واحدة. وأن هذا المجال يجب ألا يدار بعين واحدة ترى ولا تبصر. الحاضر والمستقبل لا يصنعان من الذكاء الاصطناعي وحده، بل من وعي إنساني متقد ديناميكي الرؤية والالتقاط في المشهد كله. وعليه فإن تبني فكرة بنك المشكلات والأفكار ليس ترفا في المنصات ولا المنظومات، وإنما هو تجسيد للتنظيم الذي يخدم «رؤية عمان 2040» في محور الإنسان والمجتمع بتمكين الأفراد على الإبداع والمبادرة، وفي محور الاقتصاد والتنمية في بناء اقتصاد قائم على المعرفة، وفي محور البيئة والاستدامة بتحويل التحديات إلى فرص ابتكارية تخدم الاستقرار في مختلف المجالات المستهدفة.

سعيد بن محمد الكلباني باحث ومدرب في الذكاء الاصطناعي

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: التقنیات الناشئة یمکن أن

إقرأ أيضاً:

"لم أكتب كوداً يوماً".. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مسار المستشارة القانونية لـ "OpenAI"؟

لم تمتلك المستشارة القانونية لـ "أوبن إيه آي" نيكول دياز، أي خبرة في البرمجة عندما انضمت إلى الفريق القانوني للشركة، لكن خلال عام واحد فقط، تحوّلت إلى مستخدمة متقدمة لأدوات الذكاء الاصطناعي، بل ومطوّرة لحلول تساعدها في أداء مهامها اليومية بكفاءة غير مسبوقة.

بدأ هذا التحول مع استخدامها أداة "شات جي بي تي" لتبسيط واحدة من أكثر المهام تعقيداً في عملها، وهي إعادة صياغة السياسات القانونية. 

تحويل النصوص إلى إرشادات واضحة

وبدلًا من التعامل مع نصوص طويلة مليئة بالمصطلحات المعقدة القادمة من مكاتب المحاماة، طورت دياز أداة مخصصة داخل "شات جي بي تي" تقوم بتحويل هذه النصوص إلى إرشادات واضحة ومباشرة تناسب بيئة العمل داخل الشركة، ما وفر عليها وقتاً وجهداً كبيرين.

دانييلا أمودي.. كيف حوّلت الشغف بالأدب الإنجليزي إلى ثروة بقيمة 7 مليارات دولار في قطاع الذكاء الاصطناعي؟ - موقع 24تصدّر اسم دانييلا أمودي، المؤسسة المشاركة ورئيسة شركة الذكاء الاصطناعي "أنثروبيك"، قائمة أبرز قصص النجاح في عالم التكنولوجيا، بعدما كشفت بيانات "فوربس" مؤخراً، عن وصول صافي ثروتها نحو 7 مليارات دولار.

ومع مرور الوقت، توسع استخدام الذكاء الاصطناعي ليشمل إدارة البريد الإلكتروني، حيث اعتمدت على "Codex" لإنشاء نظام ذكي يقوم بفرز الرسائل الواردة، وتصنيفها حسب درجة الخطورة، واقتراح ردود مناسبة بناءً على سياسات محددة مسبقاً. 

توفير رؤى تحليلية أوسع 

النظام السابق لا يكتفي بتوفير الوقت، بل يمنحها أيضاً رؤية تحليلية من خلال تتبع نوعية الاستفسارات وسرعة التعامل معها. ورغم هذا الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، تؤكد دياز أن الذكاء الاصطناعي لا يحل محل الخبرة القانونية، بل يدعمها، فهو يتولى المهام المتكررة، بينما يظل اتخاذ القرار النهائي قائماً على التقدير البشري والخبرة المهنية.

الذكاء الاصطناعي والاحتكار.. ملفات ثقيلة تنتظر قائد آبل الجديد جون تيرنوس - موقع 24في تحول تاريخي داخل واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، أعلنت شركة آبل تعيين جون تيرنوس، رئيس قسم الأجهزة الحالي، منصب الرئيس التنفيذي اعتباراً من 1 سبتمبر (أيلول) المقبل، خلفاً لتيم كوك الذي سيشغل منصب رئيس تنفيذي لمجلس الإدارة.

وتعكس تجربة دياز توجهاً أوسع داخل "أوبن إيه أي"، يقوم على تمكين الموظفين من بناء أدواتهم الخاصة دون الحاجة إلى خلفية تقنية عميقة، ففي بيئة العمل هناك، يتم تبادل الخبرات بشكل مستمر بين الزملاء، ما يخلق ثقافة تعلم جماعي تسهم في تسريع تبني هذه التقنيات.

تقدم التجربة نموذجاً جديداً لمستقبل العمل القانوني، حيث لا يقتصر دور المحامي على فهم القوانين فقط، بل يمتد ليشمل القدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بفعالية، ما يعيد تشكيل طبيعة المهنة في العصر الرقمي.

مقالات مشابهة

  • طريقنا للابتكار في زمن الذكاء الاصطناعي…
  • الذكاء الاصطناعي يمنع «الانتحار بالقفز»
  • ترامب يوقع أمرا تنفيذيا بشأن تقوية أسس الذكاء الاصطناعي في البلاد
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد
  • تقرير: ثورة الذكاء الاصطناعي قد ترسم مستقبل أسعار الفائدة
  • فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟
  • أمر رئاسي من ترامب لفحص نماذج الذكاء الاصطناعي قبل إطلاقها
  • "لم أكتب كوداً يوماً".. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مسار المستشارة القانونية لـ "OpenAI"؟
  • برنامج خبراء الإمارات يطلق “مسار الذكاء الاصطناعي” يونيو الجاري
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد في العمل الحكومي