لم تكن غزة بعيدة عن الانتصار الذي حققه المرشح الديمقراطي زهران ممداني في انتخابات عمدة مدينة نيويورك، أكبر مدينة في الولايات المتحدة، فقد كانت حاضرة بالصوت والصورة والمضمون والمعنى والدلالات.

صحيفة "الغارديان"، قالت إن فوز ممداني جاء ضد كل التحديات والعوائق التي وضعت في طريقه، مشير إلى أن العمدة الشاب تجنب في حملته الانتخابية خوض الحروب الثقافية التي حاول منافسوه جره إليها وركز تحديدا على الظروف المعيشية التي تخص أهل نيويورك، ورغم محاولات الجمهوريين تجريده من صفته كمواطن أمريكي والبحث عن طرق لترحيله إلى أوغندا، إلا أن محاولاتهم فشلت.





وبخاصة اتهامه بدعم "الانتفاضة العالمية" وموقفه من حرب غزة وتعهده بمنع بنيامين نتنياهو من دخول نيويورك لو انتخب، ومن هنا نفهم أصداء فوزه العالمية وخاصة في دولة الاحتلال التي شعر قادتها بالفزع، لدرجة دعوة وزير، اليهود في نيويورك للهجرة إلى إسرائيل. مع أن يهود نيويورك دعموا في المعظم المرشح الديمقراطي.

وفي مقال للكاتبة سمية الغنوشي نشرته صحيفة "ميدل إيست آي"، جاء فيه، أن الإبادة الجماعية في غزة لم تكشف عن عنف دولة الاحتلال الإسرائيلي فحسب، بل كشفت أيضا النظام الذي كان يحميها، ويعد فوز زهران ممداني أول تعبير انتخابي عن الصحوة الأخلاقية في الولايات المتحدة، وهي تواجه الآن فاعلا سياسيا جديدا، يتمثل بـ"الشباب، والمهاجرون، ومتعددو الأعراق، والطبقة العاملة"، وحمل المقال عنوان "فوز ممداني يظهر كيف أوقفت غزة مسيرة اليمين"، وفيما يلي نص ترجمته:

في مدينة اعتادت أن تحدد فيها القوة المالية وإجماع وسائل الإعلام حدود الإمكانات السياسية، استطاع شاب اشتراكي ديمقراطي مسلم أن يحقق انتصاراً ساحقاً على حاكم سابق يحظى بدعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وشبكات المانحين الذين اعتادوا صناعة النتائج الانتخابية قبل صناديق الاقتراع.

واجه ممداني حملة تشويه منظمة في كبرى وسائل وسائل الإعلام، حيث حاولوا وصمه بـ"التطرف" و"الشيوعية" و"معاداة السامية"، لكن كل هذه الاتهامات فشلت، وفاز ممداني، حقق انتصاره رغم تحالف قوى المؤسسة الحاكمة ضده. فقد أعلن ترامب دعمه العلني للحاكم السابق أندرو كومو، بينما امتنعت شخصيات ديمقراطية بارزة عن تأييد ممداني حتى الأيام الأخيرة من الحملة، وحتى عندما قدمت دعمها، جاء ذلك بشكل متردد ومتأخر، لم يكن السباق مجرد مواجهة مع اليمين الجمهوري، بل أيضاً مع قيادة الحزب الديمقراطي الوسطية التي هيمنت على توجهاته لعقود.

تداعيات الانتصار على مشروع ترامب
يُشكّل فوز ممداني اختراقاً للتيار اليساري داخل حزب ظل لسنوات خاضعاً لسياسات المانحين والمناورات السياسية، كانت هذه انتخابات محلية – تركزت على النقل والإسكان والخدمات العامة – وليست انتخابات رئاسية. ومع ذلك، تعكس انتخابات مدينة نيويورك اتجاهات بدأت تترسخ على مستوى الولايات المتحدة. إنها تكشف عن مسار التيار الحالي قبل أن يصبح ذلك مرئيًا، وقد تغير المسار فعليا.

ففي فرجينيا، تمكنت أبيغيل سبانبرغر من الفوز بمنصب الحاكم بعد أربع سنوات من حكم الجمهوريين. وفي نيو جيرسي، حققت ميكي شيريل فوزا كاسحا على منافسها جاك سياتاريلي، أما في كاليفورنيا، فقد أيد ما يقرب من ثلثي الناخبين المقترح 50، في خطوة قوضت استراتيجيات إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية على النمط الجمهوري المستورد من تكساس.

تُشير هذه النتائج مجتمعة إلى تراجع مشروع ترامب السياسي، القائم على استغلال الخوف من المهاجرين والإسلاموفوبيا، وتوظيف السخط العام، والقوة السياسية لرأس المال، كما تباطأ زخم مشروع ترامب، وهو يُواجه الآن فاعلًا سياسيًا جديدًا: "شباب مهاجرون من أعراق متعددة ينتمون للطبقة العاملة".



ولم تعتمد حملة ممداني على دعم النخب، بل اعتمدت تنظيم أفقي يضم طلابًا ومستأجرين وشبابًا من الطبقة العاملة ومنظمين لا يملكون وثائق ثبوتية وعائلات من الأقليات السوداء والملونة، وشبابًا بيضًا خاب أملهم في الليبرالية الإدارية، واعتمدت الحملة في تمويلها على التبرعات الصغيرة، واستمرت من خلال التواصل المباشر، لتفوق تنظيميًا تمويلات بعشرات الملايين من نخب الأعمال وجماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل (أيباك).

كما حصد ممداني أكثر من ثلث أصوات الناخبين اليهود، وهو ما يدحض عمليًا – وليس نظريًا – الادعاء بأن التضامن مع فلسطين يعني معاداة السامية، لكن هذا التحول ليس حكرًا على الولايات المتحدة، ففي هولندا، نجح ائتلاف من أحزاب الوسط واليسار في كسر هيمنة خيرت فيلدرز، وفي المملكة المتحدة، قفز عدد أعضاء حزب الخضر إلى أكثر من 150 ألف عضو، بعدما وصف ما يحدث في غزة بأنه إبادة جماعية، حيث تحدث زعيمه الشاب اليهودي زاك بولانسكي عن ذلك بوضوح،  وهو ما لم يفعله حزب العمال.

اختبار الشرعية
في ويلز، دان حزب "بليد كامري" بأشد العبارات ما وصفه بـ"الإبادة الجماعية" في غزة، دون أي تردد، مطالباً بفرض حظر على توريد الأسلحة، ومؤيداً الاعتراف بدولة فلسطين من على منبر البرلمان الويلزي. كما انضم إلى صفوف المتظاهرين في مسيرات احتجاجية، وهو موقف لم يؤدِ إلى تراجع شعبيته.

وأعاد الخطاب الحازم لحزب "شين فين" القومي البارز في أيرلندا بشأن العدوان على غزة، تأكيد مكانته كحزب مناهض للاستعمار، مما عزز شعبيته في صفوف أبناء الطبقة العاملة والشباب والجمهوريين الأكبر سناً، وفي إيرلندا أيضاً، جاء فوز كاثرين كونولي الساحق في 24 تشرين الأول/أكتوبر 2025، حيث حصدت 63.4 بالمئة من الأصوات، و914,143 بطاقة تفضيل أول، وهو الأعلى في تاريخ المنصب، ليؤكد أن الناخبين يكافئون الوضوح الأخلاقي في المواقف السياسية، وشهدت فرنسا صعوداً ملحوظاً لحزب "فرنسا الأبية" لتصبح القوة المعارضة الرئيسية في المشهد السياسي، مستقطبا دعماً قوياً من فئة الشباب، والجالية المسلمة، وسكان الأحياء الشعبية.

عبر هذه الأمثلة، يبرز نمط واضح: تحول الوضوح الأخلاقي في قضية غزة إلى معيار جديد لقياس شرعية القوى السياسية، بينما أصبح التردد في نظر الناخبين مرادفاً للضعف، والعبارات الملطفة قرينة للتواطؤ.

السبب وراء هذا التحول جلي: حطمت غزة آلة الصمت.

فضلاً عن كشفها عنف دولة إسرائيل – القصف المتواصل والحصار الشامل والتهجير القسري – فإن هذه الحرب كشفت أيضاً عن المنظومة التي كانت تحمي هذا العنف: انضباط إعلامي، ترهيب المانحين، واستخدام تهمة معاداة السامية كاستراتيجية لتكميم أي صوت معارض.

سقوط المحظورات
لما يقرب من عقد من الزمن، هيمنت الشعبوية اليمينية على المشهد السياسي العالمي. انزاح يمين الوسط أكثر نحو اليمين، وحذا حذوه يسار الوسط، تبنّت أجنحة واسعة من اليسار مشاريع معدّلة من برامجها الأصلية – حذر في ملف الهجرة، خطاب تطمين ثقافي، وقيود تكنوقراطية.

ثم جاءت حرب غزة، حيث انطلق الملايين إلى الشوارع في عواصم ومدن عالمية مثل لندن، ونيويورك، وبرلين، وشيكاغو، وجوهانسبرغ، وساو باولو، وجاكرتا، وباريس، عندها عاد اليسار إلى الواجهة، ليس كخطاب نظري، بل حركة جماهيرية فاعلة. استعاد روح التضامن الحقيقي، وإحساسه بالتاريخ، وهدفه الأصلي: "تحقيق العدالة".


برز فوز ممداني الانتخابي في ظل هذه الصحوة. لم يكن هو من صاغها، لكنه أول تعبير انتخابي ملموس عنها، ووصل الأمر إلى أن تتجرأ أطراف من اليمين الأمريكي على التعبير عما كان من المسكوت عنه: أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة قد لا تكون محكومة بالمصلحة الوطنية في المقام الأول، بل بولاء غير مشروط لدولة أجنبية.

لم يعد هذا السؤال مجرد استفهام بلاغي، بل أصبح يُطرح علناً وبصوت عال. لقد سقط المحظور.
شهدت غزة دماراً شاملاً، لكنها لم تكن صامتة سياسيا. لقد حطمت الإجماعات المصطنعة، وأيقظت الضمائر، وأعادت فتح صفحات التاريخ.

فوز ممداني لا يعلن عن نظام عالمي جديد، بل يكشف عن وهن النظام القديم، لقد تغيرت معادلات اللعبة السياسية. لم يعد الجمهور مجرد متلقٍ أو متفرج، ولم تعد السلطة تُرتّب وراء الكواليس، الحركة القادمة، والفصل التالي من التاريخ، سيكون من صنع أولئك الذين أدركوا هذه الحقيقة.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية ممداني واسرائيل المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الولایات المتحدة فوز ممدانی

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • العبود: المبادرة الامريكية للسلام كسرت الجمود السياسي
  • من ماسبيرو فرصة ذهبية لعودة التليفزيون المصرى المنافسة
  • خريطة المسلمين عالمياً تتغير.. آسيا تقود المشهد
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • نيويورك تايمز: طائرات حزب الله المسيّرة تُربك الجيش الإسرائيلي
  • كنز عمره 1900 عام يظهر من بين الأعشاب.. اكتشاف أثري مذهل في حديقة منزل
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
  • الذهب يواصل الصعود عالمياً وسط ترقب التطورات السياسية
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • "نيويورك تايمز": مقتل أكثر من 200 شخص منذ بدء الضربات الأمريكية ضد قوارب تهريب المخدرات