كان الخريف آخر مرة اختُبر فيها صبر الأرض، لكن الشتاء السياسي الذي تلاه زاد التجاعيد في وجه المشهد الفلسطيني — غزة على خطّ صفرٍ جديد، وخططٌ دولية تتعثّر عند أول مفترق طريق. ما بدأ كخطة لإنهاء حربٍ دموية تحوّل بسرعة إلى مسعى لإعادة تركيب جغرافيا الحياة هناك: خطّ مرسوم بالخرسانة الصفراء يمكن أن يتحوّل، في غياب إرادة دولية واضحة، إلى حدود فعلية تقسّم القطاع إلى شطرين — جزء تحت سيطرة إسرائيل وجزء تحت إدارة “حماس”.

هذا الاحتمال لم يأتِ من فراغ، فالتقارير الدبلوماسية والمصادر الغربية التي تتابع ملفّ المرحلة التالية تحذّر من أنّ البنية العملية على الأرض تتقدّم أسرع من أي اتفاقٍ سياسيٍّ ملموس.

المشهد يعمل وفق منطق القوة والفراغ: إسرائيل احتفظت بالمساحات الحيوية من القطاع — أراضٍ زراعية ومناطق حدودية وأجزاء من مدينة غزة — بينما بقيت الكتلة الأكبر من البشر في مناطقٍ منهكة تحت سلطة فاعلٍ محليٍّ لم يتخلَّ عن أدواته الدفاعية. وهنا يكمن التناقض الجوهري: خطٌّ أصفر يرسم حدودًا إدارية، لكنه لا يحلّ مسألة الشرعية أو الأمن أو من يُحمَّل مسؤولية حماية المدنيين وإعادة الإعمار.

وسط هذا الفراغ، برزت فكرةٌ وسيطة — مفاوضات ومقترحات مصرية تقضي بأن يسلّم مقاتلو “حماس” أسلحتهم إلى القاهرة كضمانةٍ مقابل مرورٍ آمن أو انسحاباتٍ موضعية. ليست الفكرة جديدة تمامًا، فالمصريون لطالما لعبوا دور الوسيط، ومصادر مصرية ودولية تشير إلى أنّ اقتراحًا من هذا النوع طُرح فعلًا خلال جولات وساطةٍ أخيرة، خصوصًا بالنسبة إلى المحاصرين في رفح، حيث عرضت القاهرة استلام الأسلحة وكشف الأنفاق مقابل خروجٍ آمن أو تسويةٍ موضعية.

لكنّ الخلاف ليس تكتيكيًا فحسب، بل وجوديًّا بالنسبة إلى “حماس” التي ترفض علنًا التخلي عن ترسانتها باعتبارها شريان قدرتها التفاوضية ومحور هويتها العسكرية والسياسية.

فهل هذا يعني أنّ الأسلحة ستُسلَّم إلى القاهرة قبل المرحلة الثانية؟ الجواب المختصر: ليس مؤكدًا — لكنه واردٌ ضمن صياغات الوساطة، شرط أن تُفعِّل مصر والدول الضامنة ضوابط إشرافية قوية.

ورغم ذلك، تظلّ العقبة الأساس سياسيةً وعمليةً في آنٍ واحد.فبينما تشير تقارير إلى مقترحاتٍ محددةٍ تقضي بإيداع أسلحة المقاتلين لدى الطرف المصري أو لجنة مصرية-دولية، تؤكّد مصادر أخرى أنّ “حماس” تُصرّ على رفض التسليم الشامل، وإنْ ثمة إشاراتٍ عن مرونةٍ جزئيةٍ غير معلنة تتعلّق بأنواعٍ معينةٍ من الأسلحة — كالصواريخ بعيدة المدى — أو ترتيباتٍ رقابيةٍ بديلةٍ عن تسليمٍ كاملٍ لترسانة الحركة.

باختصار: هناك نوايا ومناقشات ومقترحات، لكن لا تنازل عامًّا وموثّقًا بعد.

ثمة عنصرٌ ثالث يثقل كفّة القرار: المجتمع الدولي نفسه غير متّحدٍ على قبول مهمةٍ عسكريةٍ أو شرطيةٍ تباشر إيقافًا فعليًا لامتلاك السلاح داخل غزة. واشنطن قدّمت مسودة قرارٍ لمجلس الأمن تمنح ولايةً لقوةٍ متعددة الجنسيات وهيئةٍ انتقاليةٍ لفترةٍ مؤقتة، لكنّ دولًا عدّة مترددةٌ في إرسال قواتٍ إذا كان دورها يتجاوز حفظ السلام إلى مواجهةٍ مسلحةٍ أو إدارةٍ يوميةٍ للقطاع.

وفي هذه الحالة، من يضمن تطبيق بندّ نزع السلاح إذا لم تكن هناك قوةٌ على الأرض مؤهلةٌ وقادرةٌ ومستعدةٌ لتحمّل المواجهة؟ هذا انشغالٌ عمليٌّ يُضعف احتمال تنفيذ تسليمٍ واسعٍ للأسلحة قبل أن تتبلور آليات التنفيذ الدولية.

ولأنّ السياسة ليست نظرياتٍ بل مصالح متضاربة، فإنّ رهانات كل طرف تختلف: إسرائيل تريد ضماناتٍ تمنع تكرار الهجوم الذي انطلق في أكتوبر 2023، و“حماس” تريد الحفاظ على ما تعتبره مقوّمًا لمقاومتها ووجودها السياسي، والدول الإقليمية — ومصر في القلب منها — تبحث عن حلٍّ يوازن بين الأمن والشرعية ويمنع تفلّتًا إنسانيًا أكبر.

والسؤال الأخطر: هل سنشهد تسليمًا مصريًا للأسلحة كخيارٍ مرحليٍّ يقلّل من إمكانية الصدام، أم سنكتفي باتفاقاتٍ شكليةٍ تُركن إلى مراقبةٍ ضعيفةٍ ووعودٍ لا تكفي لاستعادة الثقة؟

الواقع الميداني والتردّد الدولي يشيران إلى الاحتمالين معًا — أي أن سيناريوهاتٍ جزئيةً ممكنة، والسيناريو الشامل أقلّ احتمالًا ما لم تتولّد إرادةٌ دوليةٌ قويةٌ ومؤسسية.

خلاصةٌ سريعةٌ للقارئ: إذا كنت تبحث عن إجابةٍ قاطعة، فالجواب: لا توجد ضمانةٌ بأنّ أسلحة “حماس” ستصل إلى القاهرة قبل المرحلة الثانية. لكن هناك آلياتٌ مقترحةٌ ومحاولات وساطةٍ مصريةٍ تطرح هذا الحلّ كخيارٍ وسطيٍّ، وقد يُطبّق جزئيًا على مجموعاتٍ أو نوعياتٍ محددةٍ من الأسلحة.

أما التنفيذ الكامل فمرهونٌ بمقايضاتٍ سياسيةٍ ووجود قوةٍ دوليةٍ قادرةٍ على الإشراف، وبإجاباتٍ عمليةٍ عن سؤالٍ أكبر: من سيعيد الأمن والسلامة لسكان غزة على الأرض؟

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

[email protected]

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: غزة حماس أسلحة حماس تقسيم غزة

إقرأ أيضاً:

مشاورات مصرية-غانية لتعزيز العلاقات الثنائية ودعم الاستقرار

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

التقى د. بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، بصامويل أبلاكوا وزير خارجية جمهورية غانا، اليوم الإثنين، وذلك على هامش الاجتماع الوزاري الكوري–الأفريقي، لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وتبادل الرؤى إزاء القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وأشاد وزير الخارجية بالزخم الذي تشهده العلاقات الثنائية بين مصر وغانا في مختلف المجالات، مشدداً على أهمية زيادة حجم التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة لتعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية، مؤكداً أهمية انعقاد اللجنة المشتركة في أقرب وقت والبناء على مخرجات منتدى الأعمال الإفتراضي المشترك بين مصر وغانا بما يسهم في استغلال الإمكانات الكبيرة للشركات المصرية وإفساح المجال أمام القطاع الخاص للمساهمة في تنفيذ الخطط التنموية الوطنية في غانا، خاصة في مجالات البنية التحتية والسدود والطاقة والتعليم والزراعة.

في ذات السياق، أوضح الوزير عبد العاطي أهمية مواصلة التعاون في مجال صناعة الأدوية ومكافحة الأمراض والأوبئة وهو ما انعكس في تسلم وزارة الصحة الغانية لشحنة الأدوية المُعالجة لفيروس الكبد الوبائي "سى" المقدمة من مصر كمعونة طبية، خلال شهر مارس الماضي، والبناء على نتائج زيارة مستشارة الرئيس الغاني للشؤون الصحية للقاهرة لتعزيز التعاون في القطاع الصحي والدوائي لاسيما مع هيئة الشراء الموحد وهيئة الدواء المصرية، ودعم المبادرة الرئاسية الغانية لإنشاء “مركز غانا للصناعات الدوائية والتصنيع الحيوي”.

كما أشار الوزير عبد العاطي إلى التعاون القائم بين مصر وغانا في مجال بناء القدرات من خلال البرامج التدريبية التي تنظمها الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، مشيراً إلى نجاح الشركات المصرية في تنفيذ العديد من المشروعات في غانا في مختلف مجالات البنية الأساسية والتطلع إلى المزيد من المشاركة المصرية في عملية التنمية والبناء في غانا، فضلاً عن زيادة حجم التبادل التجاري بين مصر وغانا وفتح أسواق لمنتجات البلدين لاسيما في إطار مبادرة "إعادة تفعيل أكرا"، باعتبارها منصة مهمة لتطوير التعاون التنموي وتنسيق الجهود بين دول الجنوب التي تواجه تحديات مشتركة وتسعى إلى تحقيق نهضة تنموية شاملة.

من جانبه، أشاد وزير خارجية غانا بما حققته مصر من تقدم ملموس في مجالات التنمية الاقتصادية وتطوير البنية التحتية وتنفيذ المشروعات القومية الكبرى، معرباً عن تطلع بلاده للاستفادة من الخبرات المصرية وتشجيع انخراط الشركات المصرية في تنفيذ المشروعات التنموية في غانا، لا سيما في مجالات البنية التحتية بما يسهم في دعم جهود التنمية وتحقيق المصالح المشتركة للبلدين والشعبين الشقيقين

مقالات مشابهة

  • «جلوبال ساوث يوتيليتيز» الإماراتية تطلق المرحلة الثانية من رؤية «بربرة الخضراء»
  • إزالة 13 حالة تعدٍّ ضمن المرحلة الثانية من الموجة الـ29 لإزالة التعديات بالغربية
  • إزالة 13 حالة تعد ضمن المرحلة الثانية من الموجة الـ29 لإزالة التعديات ومخالفات البناء بالغربية
  • وكالة الطاقة الذرية: هناك تغير جوهري في تقييم برنامج إيران النووي
  • إيزاك يعلق على رحيل مدرب ليفربول: محزن دائمًا.. وأتمنى له كل التوفيق
  • رموش الست.. حلوى مصرية تراثية بطعم الأصالة
  • ضبط المتهمين بالتعدى علي أسره بالضرب بإستخدام أسلحة بيضاء بالدقهلية
  • جامعة الدول العربية تحذر من فرض واقع جديد في القدس
  • مشاورات مصرية-غانية لتعزيز العلاقات الثنائية ودعم الاستقرار
  • مسؤول إسرائيلي: لن ننسحب من جنوب لبنان طالما بقي هناك تهديد على الأرض