ترجمة: بدر بن خميس الظفري -

في مواجهة سيلٍ عارمٍ من الإسلاموفوبيا، ودعايةٍ صهيونيةٍ ضخمةٍ امتدّت من المليارديرات إلى النخب الإعلامية، جاء انتخاب زهران ممداني، أول رئيس بلدية مسلم في تاريخ نيويورك ليؤكد انتصار العدالة وتضامن الطبقة العاملة.

لقد أطلقوا عليه كل ما في جعبتهم من حقدٍ وسموم، من مليارديراتهم الماكرين، وحاخاماتهم الذين يبررون الإبادة، ومروّجي الكراهية من كارهي الإسلام، وصحفهم الصفراء، وقنواتهم المأجورة، وأخبارهم الزائفة، وحساباتهم المبرمجة بالذكاء الاصطناعي على «إنستجرام»، بل وحتى رئيسهم نفسه، ومع ذلك فشلوا فشلًا ذريعًا.

في الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية في أكتوبر 2025، نشر عدد من الحاخامات المؤيدين لإسرائيل رسالةً يهاجمون فيها زهران ممداني، ويوضحون فيها أسباب قيادتهم «حملة صليبية» ضد المرشح المسلم الوحيد. كان عنوان رسالتهم، «الأغلبية اليهودية»، أكذوبةً خالصة، ادعاءً زائفًا لا سند له، إذ لا دليل على أن هذه المجموعة من الحاخامات الأثرياء والمتشددين تمثل أغلبية اليهود في نيويورك.

إنها تقنية «هاسبارا» (مصطلح عبري يُستخدم للدلالة على الدعاية الصهيونية) المعتادة، هدفها تشويه صورة الحاخامات الآخرين وجماعاتهم الذين رفضوا الانخراط في حملة الافتراء هذه. بل على العكس؛ فقد دعم عدد كبير من اليهود في نيويورك ممداني، وشاركوا في حملته الانتخابية.

بدأ بيان الحاخامات الصهاينة المتشددين بتناقضٍ منطقيٍ فاضح: «بصفتنا حاخامات من مختلف أنحاء الولايات المتحدة ملتزمين بأمن وازدهار الشعب اليهودي، نكتب بصفتنا الشخصية لنعلن أننا لا نستطيع أن نصمت أمام تصاعد معاداة الصهيونية وتطبيعها السياسي في بلادنا» لكن حين يخاطب الحاخام جماعته، لا يمكنه الادعاء بأنه يتحدث «بصفته الشخصية». هذا التناقض سمح لهم باللعب على الحبلين، فمن ناحية هم يمارسون سلطتهم الدينية لتوجيه الناس سياسيًّا، وفي الوقت نفسه يتظاهرون بالفصل بين الدين والدولة ليستفيدوا من الإعفاءات الضريبية.

لم يكن التناقض المنطقي وحده المشكلة؛ فقد استهدف بيان الحاخامات ممداني عن عمد، لأنه تجرأ على قول الحقيقة، وسماه كما هو؛ إذ وصف ما يجري في غزة بـ«الإبادة الجماعية»، شأنه شأن مؤسساتٍ أكاديميةٍ إسرائيليةٍ نفسها وعددٍ لا يُحصى من الأصوات الحرة حول العالم. أما الحاخامات الذين يدعمون تلك الإبادة ويتمنّون أن يُغمض العالم عينيه عنها، فقد أغضبهم صدقه. وليس جميع الحاخامات كذلك؛ فعدد كبير منهم رفض التوقيع على هذا البيان العنصري المتعصب الذي صاغه متطرفون يتناغمون مع جرائم إسرائيل ضد الإنسانية.

انضم كثير من اليهود إلى آلافٍ من سكان نيويورك الذين دعموا ممداني بفعالية وأسهموا في فوزه، مما أثار غضب الصهاينة المتعصبين أكثر فأكثر.

ما شهدته نيويورك منذ الانتخابات التمهيدية في يونيو لم يكن صراعًا بين اليهود والمسلمين، بل مواجهة بين زعماء يهود يبررون الإبادة في غزة وجماهيرهم المتناقصة من جهة، ومن جهة أخرى الضمير الإنساني العالمي الذي رأى بأمّ عينيه فصول جريمةٍ مستمرة ضد الفلسطينيين.

لقد كانت هذه الانتخابات مقياسًا لتمرد ملايين الأمريكيين على طبقة المليارديرات وحاخاماتهم الذين يسخّرون موارد الولايات المتحدة لدعم جرائم الحرب. فقد خسر هؤلاء جميع أدواتهم: الحاخامات الداعمون للإبادة، وممولوهم الأثرياء، وصحفهم اليومية من نيويورك تايمز ونيويورك بوست إلى فوكس نيوز وسي بي إس نيوز -رغم حملاتهم المسعورة لتشويه المرشح المسلم الوحيد في تاريخ المدينة، إلا أنهم خسروا. خسروا أمام تحالفٍ متنوعٍ من سكان نيويورك يضم طيفًا واسعًا من الطبقات والمعتقدات، من بينهم عدد كبير من اليهود الأحرار الذين استعادوا كرامة ديانتهم من أيدي المتطرفين.

فهؤلاء الحاخامات الصهاينة لا يعترضون على الإبادة ذاتها، بل على تسميتها «إبادة». يريدون أن يكونوا شركاء في ذبح أمةٍ بأكملها، رجالًا ونساءً وأطفالًا، لكنهم يرفضون أن يُقال عن ذلك باسمه الحقيقي. إنهم «يشعرون بالتهديد»، كما يزعمون.

منذ يونيو وحتى نوفمبر، كشف ممداني أمام الرأي العام الأمريكي الآلة الضخمة للإسلاموفوبيا التي يقودها الصهاينة المتطرفون لتشويه صورة ملايين المسلمين الأمريكيين باسم كيانٍ استعماريٍ أوروبيٍ يدعمونه في الشرق الأوسط. ممداني مسلم، وُلد لأبٍ مسلم وأمٍ هندوسية، يدين الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، ويرفض نظام الفصل العنصري القائم في إسرائيل.

صرّح بوضوح أنه لو جاء مجرم الحرب الهارب بنيامين نتنياهو إلى نيويورك، فسيتصرف وفق القانون الدولي ويأمر باعتقاله. ورفض الانحناء أمام «المافيا الصهيونية» أو التودد إليها، كما رفض أن يعلن أنه سيزور إسرائيل إذا فاز.

إنه كابوس الصهاينة؛ فقد تآمروا ضده من كبار المليارديرات إلى الحاخامات إلى وسائل الإعلام، ساعين إلى اغتيال سمعته وقتل فرصه السياسية، لكنهم فشلوا، فشلوا لأن الشعب انتصر، ولأن الحقيقة، مهما حوصرت، وجدت من ينطق بها.

في نحو أربعين عامًا قضيتها في نيويورك، لم أشهد موجة كراهية ضد المسلمين بهذه الوحشية منذ أحداث 11 سبتمبر. فالكراهية التي يغذيها الصهاينة المتطرفون اليوم في الولايات المتحدة بلغت ذروتها. إنهم يديرون هذه الآلة، ويستثمرون فيها، وينفخون في نارها، ثم يصرخون «معاداة السامية» كلما انتقد أحدهم المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، بينما يروّجون في الوقت ذاته لكراهية المسلمين.

لكن ما يجب أن يعرفه العالم هو أن قطاعًا واسعًا من اليهود في نيويورك وقف بشجاعة في وجه هذه الحملة الشرسة ضد المسلمين، ففي بيان أصدره عدد منهم جاء: «نحن اليهود، الموقعين أدناه، نؤمن بأن مستقبلنا متشابكٌ مع مستقبل كل جماعة أخرى في هذه المدينة. نعمل جنبًا إلى جنب مع جيراننا لبناء ديمقراطية متعددة الأعراق تمثل الجميع وتتيح لكل إنسان أن يزدهر». هذه هي روح اليهودية الأصيلة وقد استعادت نقاءها بينما كان ممداني يستعد لتولي قيادة المدينة.

الأدلة على وعيٍ يهوديٍ ما بعد صهيوني تتزايد بشكل لافت، ففي بيان آخر مؤثر نُشر خلال الحملة، ورد ما يلي: «بينما يتصاعد كلٌّ من معاداة السامية والإسلاموفوبيا في أمريكا، ندرك أن مصائرنا مترابطة... تُعلّمنا تقاليدنا أن العدالة لا تتجزأ، وأن أمننا الحقيقي لا يتحقق إلا بضمان كرامة وأمن الجميع. وهذا ليس أمرًا استراتيجيًّا فحسب، بل هو أمرٌ مقدّس» إنها بالفعل لاهوت التحرر اليهودي ما بعد الصهيوني وقد تجسّد على أرض الواقع.

ولم يقتصر دعم ممداني في نيويورك على اليهود المناهضين للصهيونية، بل امتد ليشمل إسرائيليين أيضًا. فقد كتبت ليبي لينكنسكي في صحيفة ذا فورورد قائلة: «أنا إسرائيلية أعيش في نيويورك، وهذا سبب تصويتي لممداني. جلس في الصف الأول في الكنيس إلى جانب النائب جيري نادلر والمراقب المالي براد لاندر. حين رحّب بهم الحاخام لاو-لافي، صُفّق لكلٍّ من نادلر ولاندر باحترام، لكن عندما ذُكر اسم ممداني دوّى المكان بالتصفيق. لم يكن مجرد تصفيق، بل عاصفة من الفرح والتحدي، طويلة ومستمرة ومفعمة بالأمل».

بدأ الإسرائيليون يتخيلون أنفسهم في عالمٍ محرر من الأيديولوجيا الإبادية التي خدعتهم لعقود، وها هي نيويورك، ومعها العالم، خصوصًا الفلسطينيين، تفتح ذراعيها مرحبةً بهم.

ورغم كل ما تبثه آلة الدعاية الصهيونية، أصبح ممداني القوة الأكثر توحيدًا في المدينة، بينما تواصل صحيفة نيويورك تايمز صناعة حالة من القلق اليهودي المصطنع تجاهه، فالجماعات اليهودية جزء أصيل من حملته، تحررت من أسر الصهيونية الملطخة بالدماء، واستعادت إنسانيتها ويهوديتها في كنف الإنسانية الجامعة التي تنتمي إليها.

قبل سنوات، كتبت مقالًا بعنوان «لماذا يجب أن يكون المسلمون في طليعة مقاومة معاداة السامية؟». واليوم تتضاعف هذه المهمة أكثر من أي وقت مضى، في نيويورك، وفي العالم كله. نحن حماة إخوتنا وأخواتنا في الإنسانية.

نيويورك مدينة مدهشة بتنوعها، مدينة يتمنى العالم أن يضاهيها -إلى جانب لندن وباريس والقاهرة وإسطنبول وطهران ودلهي وطوكيو ومكسيكو سيتي. ويمثل ممداني فيها الطبقة العاملة من السكان الأصليين والمهاجرين الذين ينهضون كل صباح ليجعلوا هذه المدينة تعمل وتزدهر. لكن نادي المليارديرات، وحاخاماته الصهاينة، وحلفاءهم في الإعلام، والسياسيين الفاسدين التابعين لهم، جميعهم توحّدوا لإسقاط المرشح المسلم، وفشلوا.

فقد اجتمع الناس العاديون، من اليهود والمسيحيين والمسلمين والهندوس، ومن كل أطياف المجتمع، ليقولوا بصوت واحد: نحن من نصنع هذه المدينة، ونحن أصحابها الحقيقيون. نحن ديمقراطيون واشتراكيون في آنٍ واحد، ولا نحمل ضغينة تجاه أحد.

أما الحزب الديمقراطي الفاسد الذي لا أمل في إصلاحه، من تشاك شومر وهاكيم جيفريز إلى جو بايدن وهيلاري كلينتون وباراك أوباما، فقد باع ضميره لـــــ«إيباك» (اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للعلاقات العامة) ولأعلى المزايدين في سوق النفوذ. والمسافة التي أبقاها هؤلاء بينهم وبين ممداني هي نفسها المسافة التي تفصلهم عن جوهر إنسانيتنا وعن فجر السياسة الأمريكية الجديدة.

إن جبن الحزب الديمقراطي وعجزه أمام شجاعة ممداني وابتكاره في التعبير عن الغضب الشعبي الواسع يمثلان نقطة تحول فاصلة بين زمنين في التاريخ السياسي الأمريكي، ما قبل ممداني وما بعده.

في اللحظة الأخيرة، انضم أوباما إلى الجوقة بخبثه المعهود، فاتصل بممداني ليعرض عليه دعمًا شكليًّا وخدماته كمستشار. وعلى ممداني أن يصغي جيدًا لما يقوله أوباما -ثم يفعل عكسه تمامًا.

وأخيرًا، تأتي المفارقة الشعرية العميقة، فمن قلب قسمٍ في جامعة كولومبيا الذي حاول الصهاينة المتطرفون، برعاية ترامب، إغلاقه، يخرج اليوم ابن أحد أبرز أساتذته ليصبح رئيس بلدية نيويورك، مجسّدًا ثمرة ذلك القسم الفكرية والإنسانية.

إنها سخرية كثيفة إلى حد يمكن نحتها على لوحة تجمع وجوه إليز ستيفانيك، وباري فايس، وستيفن ميلر، ومايك هوكابي، وتيد كروز، وليندسي غراهام، ودونالد ترامب، والمليارديرات الصهاينة الذين يقفون خلفهم لإخفاء الحقيقة وتأجيل العدالة.

حامد دبّاشي أستاذ كرسي «هاكوب كيفوركيان» للدراسات الإيرانية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك. من كتبه الحديثة: «مستقبل الوهمين: الإسلام بعد الغرب».

الترجمة عن موقع ميدل إيست آي

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: فی نیویورک من الیهود

إقرأ أيضاً:

بعد استهداف معبر الشلامجة.. هل دخلت الحدود العراقية في الصراع الأمريكي الإيراني؟

البصرة- لم يكن استهداف منفذ الشلامجة الحدودي بين العراق وإيران، فجر الخميس، مجرد حادث أمني على أحد المعابر الحدودية، بل حمل دلالات سياسية تتجاوز حدود المنفذ نفسه، في ظل اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وانتقالها من استهداف القواعد العسكرية إلى مرافق مدنية ذات طابع سيادي واقتصادي.

وجاء القصف في وقت تستعد فيه الحدود العراقية لاستقبال مئات آلاف الزائرين الإيرانيين المتوجهين إلى كربلاء لإحياء الزيارة الأربعينية، ما ضاعف المخاوف من أن تتحول المنافذ الحدودية إلى ساحات اشتباك جديدة، ويضع بغداد تحت الضغوط القصوى في الحفاظ على سياسة التوازن التي انتهجتها طوال السنوات الماضية بين واشنطن وطهران.

ويأتي استهداف الشلامجة بعد أسابيع من تحركات دبلوماسية عراقية نشطة، بدأت بزيارة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى واشنطن، ثم توجهه إلى طهران، في محاولة لأخذ دور متوازن في لعبة شد الحبال بين واشنطن وطهران، وسط تصاعد غير مسبوق في التوتر الإقليمي.

توقف مؤقت

وأكد مدير إعلام هيئة المنافذ الحدودية العراقية، علاء الدين القيسي، في حديث للجزيرة نت، أن العمل في منفذ الشلامجة الحدودي بمحافظة البصرة توقف لمدة ثلاث ساعات، من الساعة الثانية وحتى الخامسة فجر الخميس، عقب الضربة الأمريكية، وذلك بناء على طلب الجانب الإيراني، موضحا أن الحركة في المنفذ استؤنفت بعد انتهاء التوقف المؤقت.

وفيما يتعلق بمنفذ العبدلي الحدودي بين العراق والكويت، الذي تعرض لضربة إيرانية رداً على قصف الشلامجة، أشار القيسي إلى أن أي معلومات بشأنه تعد من اختصاص الجانب الكويتي.

ورغم أن التوقف كان مؤقتاً، فإن استهداف منفذ مدني يعكس اتجاها جديدا في إدارة الصراع، يقوم على الضغط عبر الممرات اللوجستية والحدودية، وليس فقط عبر الأهداف العسكرية التقليدية.

تداعيات مفتوحة

من جانبه، قال عضو مجلس النواب العراقي أحمد الشرماني للجزيرة نت، إن القصف الذي استهدف منفذ الشلامجة الحدودي مع إيران يمثل تطورا بالغ الخطورة، مؤكداً أن استقرار الحدود يمثل ضرورة لضمان انسيابية حركة الزائرين والتبادل التجاري بين البلدين.

إعلان

وأضاف أن أي اضطراب في عمل المنفذ سينعكس سلبا على العراق، مبينا أن مؤشرات الحرب الحالية لا توحي بقرب انحسارها، فيما حذر من أن استمرارها ستكون له تداعيات خطيرة على العراق، أمنيا وعسكريا واقتصاديا واجتماعيا.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت تخشى فيه بغداد أن يؤدي استمرار التصعيد إلى جر العراق تدريجيا إلى قلب المواجهة، خصوصا مع امتلاكه حدودا طويلة مع إيران، واعتماده على معابرها في حركة تجارية لا تتوقف.

جندي عراقي يتمركز بالقرب من نقطة حدودية مع إيران (الفرنسية)رسائل تتعلق بالسيادة

بدوره، قال محمد حسن الساعدي، القيادي في تيار الحكمة الوطني (أحد أقطاب الإطار التنسيقي) للجزيرة نت، إن استهداف المناطق الحدودية أمر يرفضه العراق، لأنه يمثل مساسا بسيادة الدول ويستدعي حوارا جادا بين الولايات المتحدة وإيران يحفظ أمن المنطقة واستقرارها.

وأضاف أن المناطق التي تعرضت للقصف ليست أهدافا عسكرية أو ساحات اشتباك، وإنما معابر حدودية مدنية تربط بين دولتين مستقلتين وعضوين في الأمم المتحدة، معتبرا أن استهدافها يوسع دائرة المواجهة ويتجاوز إطار الصراع المباشر بين واشنطن وطهران.

وتعكس هذه المواقف رؤية متنامية داخل القوى السياسية العراقية بأن استهداف المعابر الحدودية له أبعاد تمس سيادة الدولة، ويقوض الجهود العراقية الرامية إلى تثبيت البلاد كوسيط إقليمي بدلا من تحويلها إلى ساحة صراع.

هل تغيرت قواعد الاشتباك؟

ينظر مراقبون وخبراء في العراق إلى أن إدراج المنافذ الحدودية ضمن بنك الأهداف العسكرية يمثل تحولا في قواعد الاشتباك بين واشنطن وطهران، فهذه المعابر لا تؤدي وظيفة اقتصادية فحسب، وإنما تشكل أيضاً نقاط اتصال سياسية ولوجستية بين الدول.

كما أن الرسالة الأساسية من استهداف منفذ الشلامجة تتجاوز تعطيل حركة العبور لساعات، إلى إظهار أن خطوط الإمداد والممرات الحدودية أصبحت جزءا من أدوات الضغط المتبادل، وهو ما يفرض على العراق تحديات إضافية في حماية حدوده ومنع امتداد الصراع إلى عمقه الداخلي.

الهدف قطع خطوط الإمداد

يرى الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني في حديثه للجزيرة نت، أن استهداف منفذ الشلامجة الحدودي يمثل تصعيدا نوعيا في مسار الحرب، موضحا أن الأضرار الاقتصادية المباشرة ستكون محدودة، لأن المنفذ تعرض للاستهداف لمرات عدة في أوقات سابقة، وكان يستأنف نشاطه سريعا بعد إعادة تأهيله، مستبعدا أن يترك الاستهداف أثرا اقتصاديا كبيرا على العراق، رغم أهمية المنفذ في استيراد الخضروات والمنتجات الزراعية والألبان والسلع الصناعية من إيران.

وأشار المشهداني، إلى أن المنافذ الحدودية الأخرى، مثل بدرة في محافظة واسط، ومندلي والمنذرية في ديالى، والشيب في ميسان، إلى جانب إمكانية تشغيل منافذ إضافية في إقليم كردستان، قادرة على تعويض حركة التبادل التجاري.

لكنه رجح أن يكون استهداف المنافذ الحدودية جزءا من إستراتيجية أوسع تستهدف قطع خطوط الإمداد، لأن هذه المنافذ تُتهم منذ سنوات بأنها ممر لانتقال الدولار وعائدات التجارة إلى إيران، فضلاً عن اتهامات باستخدامها في تهريب الأسلحة إلى الفصائل المسلحة في العراق.

إعلان

وأضاف أن العراق لا يعد الشريك التجاري الأهم لإيران، إذ تتفوق عليه دول مثل تركيا والصين والهند وأفغانستان وباكستان، ما يجعل الأثر الاقتصادي المباشر محدوداً، فيما يبقى الهدف الأبرز، بحسب تقديره، هو تعطيل خطوط الإمداد المرتبطة بالفصائل المسلحة.

ويستقبل منفذ الشلامجة سنويا ملايين المسافرين، ولا سيما خلال مواسم الزيارات الدينية، فضلا عن مرور مئات الشاحنات التجارية يومياً، بينما يقدر حجم التبادل التجاري بين العراق وإيران بنحو 8 مليارات دولار سنويا.

لكن أهمية المنفذ، لا تكمن في أرقامه الاقتصادية فقط، بل في رمزية العلاقة بين العراق وإيران، باعتباره أحد أبرز منافذ التواصل بين البلدين. لذلك، فإن استهدافه يوجه رسالة تتجاوز الحدود والجغرافيا، ويضع العراق أمام تحد يتمثل في منع تحول معابره إلى أدوات في الصراع الأمريكي الإيراني، في وقت تسعى فيه بغداد لتجنب الانخراط في أي محور إقليمي.

مقالات مشابهة

  • نيويورك تايمز: إيران رفضت مقترحًا أمريكيًا لوقف إطلاق النار نقله رئيس وزراء العراق
  • الجيش الأمريكي: استكمال الليلة الثالثة عشرة من الضربات ضد إيران
  • إيران.. الجيش الأمريكي يشن هجوما على جزيرة قشم في مضيق هرمز
  • لليلة الـ13 توالياً.. الجيش الأمريكي يشن موجة جديدة من الضربات على إيران
  • من هم الرجال الذين يجوز للمرأة عدم ارتداء الحجاب أمامهم؟.. أمين الفتوى يجيب
  • «نيويورك أبوظبي»: طريقة جديدة لمكافحة الملاريا
  • بعد استهداف معبر الشلامجة.. هل دخلت الحدود العراقية في الصراع الأمريكي الإيراني؟
  • هل يملك ممداني صلاحية اعتقال نتنياهو إذا زار نيويورك؟
  • مجلس النواب الأمريكي يصوت على وقف الحرب مع إيران
  • النواب الأمريكي يوافق على قرار لإنهاء الحرب في إيران