الاتكاء على معنى فرض وقف إطلاق النار في غزة، وجهود الوساطة العربية والدولية في ملف القضية الفلسطينية، بعد عامي حرب الإبادة، أصبح مرادفا لمقولة غربية وإسرائيلية عن نزع العقبة الأساسية من هذا المسار، لرفع الحصار عن غزة ودخول المساعدات والبدء بإعادة الإعمار، بالتركيز على نقطة نزع سلاح المقاومة وتدمير بنيتها التحتية، وكأن مخزون سلاحها الفردي "الخطير" من وجهة نظر الضاغطين يقارن بما بين يدي الاحتلال.
تفاصيل لا نهائية تركز عليها إسرائيل، للحيلولة دون وقف فعلي للعدوان، وهذا ميدانها الرابح، عبر جر كل الأطراف نحو مربع الغرق والتيه في التفاصيل، بينما ينشغل الوسطاء والضامنون لتثبيت وقف إطلاق النار في غزة، للحفاظ عليه وتنفيذ بنوده التي لم ينفذ منها ما يتعلق بالسماح بدخول المساعدات لتلبي حاجات القطاع الهائلة وبكافة المجالات. وهنا سؤال من أسئلة عديدة: من بمقدوره الضغط على إسرائيل مجددا للامتثال بشروط وبنود وقف إطلاق النار؟
الخروقات كثيرة والتفاصيل عديدة، والمعاناة مستمرة، وهنا نقول إنه من المعروف أن طموح الشعب الفلسطيني هو المنهل الطبيعي الذي تعود إليه القيادة السياسية للشعب الرازح تحت الاحتلال، كي تستقي منه أدواتها، لتؤطر بواسطتها وحولها الشارع لمتابعة معركتها لتحقيق التطلعات الوطنية. لكن ما يجري على هذا الصعيد معاكس في الجوهر والمطلق لهذه الطموحات، إن كان على الساحة الفلسطينية أو في دهاليز السياسات العربية والدولية.
على ما تقدم، أصبحت القضية الفلسطينية من بوابة الإبادة الجماعية في غزة، المدخل الرئيس لتخفيض الآمال المتوقعة حولها، بسياسة عربية وفلسطينية يتمحور فيها كل شيء على تنفيذ الشروط الإسرائيلية الأمريكية، والخضوع المطلق لتنفيذ الشروط انطلاقا من قبولها بالوضع الراهن كأنظمة عربية وسلطة فلسطينية، مختلفة حول رؤيتها للقضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني مرتبطة بثوابت وحقوق متعلقة بالأرض والسكان ودحر الاحتلال، لكن مع قبولها في المضمون والواقع بوجود إسرائيل ضمن تحالف والتطبيع معها بالحديث عن وجوب تحقيق "السلام" بترجمته الإسرائيلية الاستعمارية على الأرض، بدون مواقف عربية رسمية لا تصل لمسامع الحكومة الإسرائيلية ولا للإدارة الأمريكية؛ تتعلق بالضغط على الاحتلال، أو بوجوب خضوع إسرائيل للمحاكم الدولية لإدانتها بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. أي أن الضعف والعجز العربي، والأزمات التي تلاحق الوضع الفلسطيني الداخلي؛ ستزيد الأعباء عمقا وستتحول لكارثة سياسية قاتلة تخدم الخطط الإسرائيلية.
تُصر إسرائيل وقادتها وحكومتها الفاشية على التمسك بمواقفها الراهنة، التي تعبر عن رفضها المطلق لقيام أي كيان فلسطيني متحد الجغرافيا، وعلى المضي بسياسات الاستيطان الاستعمارية، وارتكاب المزيد من الجرائم في بقية المدن الفلسطينية في الضفة والقدس، وتستعر حملتها العنصرية حتى على سكان فلسطين التاريخيين في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948.
اعتادت المؤسسة الصهيونية على مواقف عربية وفلسطينية أثناء الإبادة الجماعية، باعتبارها محل اختبار أخلاقي وسياسي وقانوني ووطني وإنساني، سقط فيه الجميع، ويغرقون الآن في متابعة التفاصيل الإسرائيلية والعجز عن الفعل فيما يتعلق بإتمام عملية إنقاذ غزة ومدها بشريان الحياة، في ظل التركيز على التفصيل الإسرائيلي في متابعة استعادة جثث الأسرى الإسرائيليين في غزة، وضمان القضاء على المقاومة وجعل غزة منزوعة السلاح. وهذه تفاصيل يمكن أن تأخذ وقتا طويلا بحسب الرؤية الصهيونية التي تسمح بالمضي بعملية القضاء على الحقوق الفلسطينية وإحداث عملية تغيير جوهرية على الأرض، وهو ما يحصل.
لذلك أفرزت ظروف المجابهة في غزة، بين المقاومة والاحتلال، شكلا جديدا من التعاطي العربي مع القضية الفلسطينية، والذي بات معروفا بمفاهيم العجز والخذلان والتآمر الواضح، وشكلا آخر من التمايز في المواقف الدولية الرسمية والشعبية، بدلت من طبيعة السردية الصهيونية في الغرب، وانتقلت هذه السردية لنقاش عربي محمول على عبارات ملاينة السياسة الإسرائيلية، وتغليظ عبارات إدانة مقاومة الفلسطينيين؛ لتبرير ما أقدمت عليه السياسة العربية وما تنوي القيام به.
في البحث عن فلسطين في غزة، من تحت ركام المجازر الجماعية، وفي أروقة السياسة العربية، يعثر المرء على براهين وافية لاكتفاء الفلسطينيين من العذاب والخذلان، ومن الموت والمذابح والتآمر والانقسام والتشظي، والبحث عن فلسطين الأخرى في الضفة والقدس. أشياء كثيرة من العبث واللامعقول الذي أصبح مرادفا لأوهام فلسطينية وعربية رسمية لا يمكن الاتكاء عليها لمستقبل شعب يسعى للتحرر من الاحتلال، إلا إذا وُجدت آذان صاغية لكل هذا الصراخ والمطالب والمحاذير والمخاطر، ولتكون العين واسعة الرؤية لأبعد من خطط وتفاصيل ترمي لفرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني.
وبالبحث المستفيض عن فلسطين من غزة، الدرس الأكثر بؤسا وشراسة وبمواصفاته الإبادية اللامعقولة تماما، يمكن أن نعيد القول إن العثور على فلسطين كقضية عادلة يتطلب إزالة معيقات كثيرة ميزت الحالة الفلسطينية المتردية، ومن ورائها حالة عربية أكثر رداءة ومخيبة للآمال؛ بسخطها على مقاومة الاحتلال، لا على الاحتلال وعلى سياساته الاستعمارية.
ونحن نعرف الآن، والجميع أيضا، أن ما وُضع في خطة إنهاء الحرب على غزة هو من موقع الرغبة الأمريكية في تهدئة مواقف وشوارع دولية غاضبة من السياسة الإسرائيلية ومتغيرة باتجاه دعم عدالة قضية فلسطين، وليس من أجل لجم السياسة العدوانية الإسرائيلية المستعرة على كل أرض فلسطين التاريخية حتى لا يبقى ما نبحث عنه في فلسطين؛ الدولة والأرض والسكان والحقوق.
x.com/nizar_sahli
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء غزة الفلسطينية الاحتلال احتلال فلسطين غزة ابادة قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة اقتصاد سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة وقف إطلاق النار عن فلسطین فی غزة
إقرأ أيضاً:
بعد 80 عاما من الحيرة.. الذكاء الاصطناعي يكسر واحدة من أشهر ألغاز الرياضيات| ما القصة؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتنفيذ المهام الحسابية أو تحليل البيانات، بل بدأ يقتحم أحد أكثر المجالات تعقيداً في التاريخ العلمي وهو عالم الرياضيات النظرية.
وفي إنجاز أثار دهشة الأوساط الأكاديمية، نجح أحد نماذج الذكاء الاصطناعي في حل مسألة رياضية استعصت على كبار العلماء لعقود طويلة، فيما وصفه خبراء بأنه نقطة تحول قد تعيد رسم حدود العلاقة بين الإنسان والآلة.
إنجاز غير مسبوق في عالم الرياضياتشهدت قدرات الذكاء الاصطناعي تطوراً متسارعاً خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقلت من التعامل مع مسائل رياضية بسيطة إلى معالجة تحديات معقدة في مجالات متقدمة مثل الهندسة التوافقية ونظرية الأعداد الجبرية.
لكن المفاجأة الكبرى جاءت عندما تمكن نموذج تابع لشركة AI من حل لغز رياضي شهير يُعرف باسم "مسألة المسافة الواحدة"، وهي مسألة ظلت محط اهتمام علماء الرياضيات لما يقرب من 80 عاماً دون التوصل إلى حل نهائي لها.
دهشة بين كبار علماء الرياضياتأثار هذا الإنجاز ردود فعل واسعة داخل المجتمع العلمي واعتبر عدد من الباحثين أن ما حدث يمثل أول نتيجة رياضية مهمة يتوصل إليها الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل بالكامل، دون تدخل بشري مباشر في عملية الاستدلال أو البرهنة.
ويرى متخصصون أن هذه الخطوة قد تمثل بداية مرحلة جديدة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي شريكاً حقيقياً للباحثين في اكتشاف النظريات الرياضية وتطويرها، بدلاً من الاكتفاء بدور المساعد التقني.
ما هي "مسألة المسافة الواحدة"؟تعود جذور هذه المسألة إلى عام 1946 عندما طرحها عالم الرياضيات المجري الشهير بول إردوش، أحد أبرز العلماء في تاريخ الرياضيات.
وتقوم الفكرة ببساطة على التساؤل التالي إذا تم توزيع عدد كبير من النقاط على سطح مستوي، فما أكبر عدد ممكن من أزواج النقاط التي تفصل بينها مسافة تساوي وحدة واحدة فقط؟
واقترح إردوش آنذاك ترتيباً معيناً للنقاط يحقق عدداً كبيراً من هذه الأزواج، وافترض أن أي ترتيب آخر لن يتمكن من تحقيق نتائج أفضل بكثير.
الذكاء الاصطناعي ينقض فرضية عمرها عقودبدلا من محاولة إثبات صحة الفرضية كما فعل معظم الباحثين عبر العقود الماضية، اتبع نموذج الذكاء الاصطناعي مساراً مختلفاً تماماً.
فقد تمكن من العثور على ترتيب جديد للنقاط يحقق نتائج أفضل من الترتيب الذي اقترحه إردوش، ما يعني عملياً أن الفرضية الأصلية لم تكن صحيحة بالشكل الذي اعتُقد سابقاً.
هذا النهج غير التقليدي هو ما جعل الحل مثيراً للاهتمام، إذ كشف عن إمكانية الوصول إلى نتائج جديدة من خلال استكشاف مسارات فكرية لم تكن مطروقة من قبل.
مراجعات دقيقة للتأكد من صحة الحلفي البداية، لم يصدق الباحثون النتيجة التي توصل إليها النموذج، فخضع البرهان لسلسلة طويلة من عمليات المراجعة والتدقيق وتم الاستعانة بخبراء مستقلين، إلى جانب أدوات ذكاء اصطناعي أخرى للتحقق من صحة الاستنتاجات.
وبعد فحص مكثف، أكد المختصون أن البرهان يبدو سليماً من الناحية الرياضية، ما منح الإنجاز مصداقية كبيرة داخل الأوساط العلمية.
هل يبدأ عصر جديد في البحث العلمي؟يُنظر إلى هذا التطور باعتباره مؤشراً على التحول الكبير الذي يشهده الذكاء الاصطناعي في مجالات البحث والاكتشاف العلمي فبعد أن كان دوره يقتصر على المساعدة في الحسابات والتحليل، أصبح قادراً على تقديم أفكار وحلول جديدة لمسائل استعصت على البشر لعقود.
ومع استمرار تطور هذه النماذج، يتوقع خبراء أن يشهد العالم خلال السنوات المقبلة مزيداً من الاكتشافات الرياضية والعلمية التي قد تحمل توقيع الذكاء الاصطناعي إلى جانب العلماء البشر.