ماذا تعني نتائج الانتخابات العراقية 2025 لمستقبل الحكم في بغداد؟
تاريخ النشر: 13th, November 2025 GMT
شهدت الانتخابات البرلمانية العراقية التي جرت في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 مفصلا سياسيا جديدا في مسار الحكم ببغداد، بعدما تصدّر ائتلاف "الإعمار والتنمية" بزعامة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني النتائج الأولية بـ 46 مقعدا.
ويضع هذا التقدم البلاد أمام خريطة سياسية تتشكل من جديد وسط نسبة مشاركة بلغت 56.
السوداني يتصدر والمشاركة ترتفع
أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات النتائج الأولية بعد احتساب 99.98 بالمئة من محطات الاقتراع.
وأظهرت النتائج تقدما واضحا لائتلاف "الإعمار والتنمية" على المستوى الوطني، بالتزامن مع تسجيل نسبة مشاركة مرتفعة بلغت 56.11 بالمئة من أصل 21.4 مليون ناخب مسجل، حيث أدلى قرابة 12 مليون ناخب بأصواتهم عبر التصويت العام والخاص وتصويت النازحين، حيث تناقض هذه الأرقام حالة العزوف التي شهدتها انتخابات 2021 والتي لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 41 بالمئة، ما يجسد عودة نسبية لثقة الجمهور بالعملية الانتخابية.
وأبرز التصويت الخاص للقوات الأمنية دورا واضحا في رفع نسبة المشاركة، إذ شارك أكثر من مليون منتسب بنسبة بلغت 82.5 بالمئة، فيما بلغت نسبة تصويت النازحين 77 بالمئة، وأسهم هذا الإقبال الملحوظ في صعود النسبة النهائية إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات.
تباين كبير بين المحافظات
وأظهرت نتائج المشاركة تفاوتا لافتا بين المحافظات العراقية، حيث سجلت محافظات كردستان وغرب العراق أعلى نسب مشاركة، حيث حازت دهوك على 76.07 بالمئة، وأربيل على 71.65 بالمئة، تلتها الأنبار بنسبة 66.98 بالمئة، ثم صلاح الدين بـ 66 بالمئة.
في المقابل، جاءت المحافظات الجنوبية في ذيل القائمة، إذ سجلت ميسان 40.11 بالمئة فقط رغم أنها مسقط رأس رئيس الوزراء السوداني، تلتها النجف بـ 43.62 بالمئة، ثم واسط وكربلاء بنسبة تقارب 47 بالمئة، أما بغداد التي تضم 71 مقعدا برلمانيا فقد سجلت نسبة مشاركة بلغت 48.76 بالمئة، وهو رقم يثير التساؤلات حول الحذر السياسي والتغيرات الديموغرافية.
ائتلاف "الإعمار والتنمية" يتصدر الخريطة الوطنية
حقق ائتلاف السوداني تقدما كبيرا بحصوله على 1,317,446 صوتاً، ما يمنحه 46 مقعدا برلمانيا، ليصبح القوة الأكبر داخل الإطار التنسيقي.
وتمكن الائتلاف من تصدر ثماني محافظات هي بغداد، النجف، المثنى، كربلاء، ميسان، ذي قار، القادسية وبابل، وحل ثانيا في صلاح الدين، وحصل في العاصمة بغداد على 411,026 صوتا، متقدما بفارق كبير على حزب "تقدم" الذي نال 284,109 أصوات.
المشهد السني
على صعيد القوى السنية، تمكن حزب "تقدم" بزعامة رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي من تثبيت حضوره في الأنبار وصلاح الدين، حيث حقق 212,489 صوتا في الأنبار و82,729 صوتا في صلاح الدين، وعلى المستوى الوطني حصد الحزب 945,209 أصوات تؤهله لـ 28 مقعدا، ما يجعله القوة السنية الأولى والقوة الثالثة على مستوى العراق.
الأحزاب الكردية بين الثبات والتحالفات
حافظ الحزب الديمقراطي الكردستاني على موقعه المتقدم بحصوله على 1,099,826 صوتا و26 مقعدا، وتصدر في دهوك وأربيل وأجزاء من نينوى، أما الاتحاد الوطني الكردستاني فحصد 548,296 صوتاً تؤهله لـ 15 مقعدا، وتصدر في السليمانية وكركوكـ وتشير هذه الخريطة إلى استمرار الانقسام التقليدي بين الحزبين، مع احتفاظ كل طرف بعمقه الجغرافي.
قوى الإطار التنسيقي.. تراجع نسبي
حل ائتلاف "دولة القانون" بزعامة نوري المالكي رابعاً وطنياً بـ 710,437 صوتاً و27 مقعداً. كما حققت منظمة بدر حضوراً لافتاً بحصولها على 556,607 أصوات و18 مقعداً، وتصدرها في محافظة ديالى. أما كتلة "الصادقون" التابعة لعصائب أهل الحق فحازت 685,964 صوتاً و27 مقعداً.
غياب التيار الصدري يترك فراغا واسعا
واصل التيار الصدري مقاطعته للعملية الانتخابية للمرة الثانية، وهو ما أثر بشكل مباشر على نسب المشاركة خصوصاً في المحافظات الجنوبية. فوز السوداني جاء مستفيداً من غياب التيار الذي كان قد حاز 73 مقعدا في انتخابات 2021.
بدوره، أكد الباحث السياسي، عائد الهلالي أن أشار إلى أن مقتدى الصدر يراقب المشهد السياسي عن كثب، وأن صيامه عن العمل السياسي لن يستمر طويلا، إذ يطالب القوى الحالية بإصلاحات حقيقية.
المشهد المقبل.. مفاوضات معقدة
مع ظهور النتائج، يدخل العراق مرحلة معقدة من المفاوضات، فالدستور يمنح الكتلة الأكبر حق ترشيح رئيس الوزراء، لكن الخلاف يكمن في تعريف تلك الكتلة: هل هي الفائزة في الانتخابات، أم تلك التي تتشكل داخل البرلمان بعد التحالفات؟ هذه الإشكالية كانت محور نزاع سياسي منذ 2010 وحتى اليوم.
السوداني بحاجة لتحالف واسع، إذ لا يستطيع تشكيل حكومة بـ 46 مقعدا فقط، ما يعني ضرورة التفاهم مع الحلبوسي والديمقراطي الكردستاني، إضافة إلى مكونات الإطار التنسيقي الذي يسعى هو الآخر لفرض نفسه ككتلة أكبر.
دور الولايات المتحدة وتراجع النفوذ الإيراني
يشير الدكتور إحسان الشمري، رئيس مركز التفكير السياسي العراقي، إلى أن تزامن الانتخابات مع التحولات في السياسة الأمريكية تجاه العراق، وما وصفه بـ"الاستدارة الأمريكية"، قد يؤثر بصورة مباشرة في رسم ملامح الخارطة السياسية المقبلة في البلاد.
وأضاف أن هذا التغيير يأتي في وقت تعاني فيه إيران من انكسار مشروعها الإقليمي في لبنان وسوريا وعدة مناطق أخرى، وهو ما يدفعها إلى إعادة تموضع نفوذها عبر نتائج الانتخابات العراقية، لأنها لا تريد أن تخسر العراق حتى على المدى المتوسط، لما يمثله من أهمية لمصالحها الاستراتيجية.
كما أوضح الهلاي أن المجتمع الدولي والإقليمي يراقب التجربة العراقية عن قرب ويريد استمرار نجاحها، وأن أي تأخير في تشكيل الحكومة سيُنظر إليه سلبًا.
وبين أن السوداني يتمتع بقبول إقليمي ودولي واسع نتيجة سياساته المتوازنة، وعلاقاته الجيدة مع واشنطن ودول الجوار العربي.
توازنات جديدة داخل البيت الشيعي
وفي قراءته للنتائج، أشار الشمري إلى أن تقدم ائتلاف "التنمية والإعمار" الذي يقوده رئيس الوزراء محمد شياع السوداني يمثل "لحظة فارقة" في المشهد السياسي العراقي، خصوصا أنه تفوق على "الإطار التنسيقي" الذي يمثل القوى الشيعية التقليدية.
ويرى أن العراق اليوم أمام توازن قوى جديد داخل البيت الشيعي، في ظل تراجع واضح للزعامات التقليدية التي هيمنت على الحكم طوال العقدين الماضيين.
يعتبر الشمري أن تقدم السوداني يمثل "لحظة فارقة" في البيت الشيعي، لأنه تفوق على الإطار التنسيقي الذي ظل ممسكا بالقرار السياسي منذ 2003، ويعتقد أن هذه النتائج تعبر عن "تصويت عقابي" من الجمهور ضد الأحزاب الشيعية التقليدية التي خيّبت آمال العراقيين طوال عقدين.
ويضيف أن الإطار التنسيقي قد يسعى لإعلان نفسه الكتلة الأكبر أو حتى تفجير قائمة السوداني من الداخل لإضعافه، كما حدث في تجارب سياسية سابقة.
تحذيرات من تكرار سيناريو 2021
يقول الشمّري إن التحالفات السابقة مثل تحالف "الصدر وتقدم والديمقراطي" لن تتكرر، لأن هذه القوى لا ترغب بالدخول في صراع شيعي شيعي جديد، كما يرى أن القوى السنية والكردية ستنتظر "اتفاق البيت الشيعي" قبل إعلان مواقفها النهائية.
من جانبه، أشار الباحث في الشأن السياسي، مخلد حازم إلى أن مرحلة تشكيل الحكومة الجديدة لن تكون سهلة، لكنها تستدعي تعاون الكتل السياسية لتجنب الانسداد السياسي، خصوصا مع وجود مخاطر إقليمية قد تؤثر على الداخل العراقي.
جيل الشباب وإحباط ما بعد الانتخابات
يختتم الشمّري بأن الجيل الشبابي العراقي يعيش "أعلى مستويات الإحباط" بسبب غياب قوى مدنية جديدة وغياب التغيير الحقيقي، ويرى أن هذا الإحباط قد يقود إلى موجة احتجاجات جديدة، خصوصاً مع استعداد التيار الصدري للعودة إلى الساحة عبر عنوان "المعارضة الشعبية".
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية الانتخابات العراقية السوداني بغداد العراق بغداد الانتخابات أخبار السوداني المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الإطار التنسیقی البیت الشیعی إلى أن
إقرأ أيضاً:
حسام الحداد يكتب: بين قناع "الثقافة" وأجندة "التمكين".. تغلغل تيار الإسلام السياسي في أروقة اتحاد الكُتّاب
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
تخوض الساحة الثقافية المصرية اليوم معركة صامتة لا تقل ضراوة عن مواجهاتها الميدانية؛ فهي معركة على "العقل الجمعي" و"الهوية المدنية" للدولة. في قلب هذا الصراع، تقف نقابة اتحاد كُتّاب مصر كرهينة لمحاولات مستمرة من تيارات الإسلام السياسي لإعادة التموضع داخل مؤسسات المجتمع المدني. لم يعد الأمر مقتصرًا على ندوات فكرية تقليدية، بل أصبحنا أمام استراتيجية دقيقة وممنهجة تهدف إلى "أدلجة" الفضاء الثقافي، حيث يتم استبدال البحث العلمي الرصين بالخطاب الدعوي، وتغليف المشاريع السياسية الإقصائية بغطاء من الحرية الفكرية، في تكرارٍ لمشاهد تاريخية سعت فيها هذه التيارات للهيمنة على النقابات المهنية باعتبارها "جسرًا" نحو السلطة المجتمعية والسياسية.
إن التوسع في إقامة ندوات تحت عناوين براقة –تنتقل بسلاسة من "مواجهة الإلحاد" إلى "أدلة وجود الله بين الفلسفة والعلم"– يكشف عن وعيٍ تكتيكيٍ بالقدرة على المناورة داخل المؤسسات العريقة. إن هذه المحاولات ليست مجرد ممارسات لحرية الرأي، بل هي محاولات استباقية لفرض "وصاية معرفية" تهدف إلى تحويل الاتحاد من منارة للتنوير والإبداع الحر إلى منبرٍ لترسيخ الفكر التقليدي الجامد. ومن هنا، تأتي أهمية هذا التحليل لرصد خيوط التغلغل، وكشف "الخلايا النائمة" التي لا تزال تُدار عبر أجندات حركية، تراهن على الوقت والقدرة على التمدد في غفلة من قيم الحداثة التي قامت عليها الدولة المصرية، مستغلةً غطاء المؤسسة لتحقيق أهداف لا تمت للثقافة بصلة.
استراتيجية "التسلل" وتغيير الواجهات
تعتمد حركات الإسلام السياسي في استراتيجيتها للسيطرة على الفضاء العام على "التسلل الناعم" بدلًا من المواجهة المباشرة التي قد تجلب عليها الرفض المجتمعي أو الرقابة القانونية. وتعمل هذه الجماعات عبر ما يمكن تسميته بـ "الخلايا النائمة" داخل المؤسسات الثقافية والنقابية، حيث لا يظهر هؤلاء كعناصر تنظيمية معلنة، بل كـ "مثقفين" أو "أكاديميين" يمارسون نفوذهم تحت غطاء الشرعية النقابية. إنهم يستغلون الثقة الممنوحة لهم في هذه الأطر المهنية لضخ أجنداتهم الأيديولوجية، مستخدمين خطابات تجمع ببراعة بين "المرجعية الدينية" التي تجد صدى في وجدان الجمهور العام، و"الشرعية المؤسسية" التي تمنحهم حصانة ضد النقد؛ مما يجعل من إقامة ندوات مثيرة للجدل داخل نقابة عريقة مثل اتحاد الكُتّاب أداةً مقصودة لإعادة تطبيع هذا الفكر في النسيج الثقافي الوطني.
لم يعد الهدف من هذه الندوات مجرد "نقاش ثقافي" كما يُروج لها، بل تحولت إلى محاولات منهجية لفرض رؤية أحادية تحت مسمى "أسلمة العلم". إن هذه التوجهات لا تهدف إلى البحث العلمي الرصين، بل تسعى لإخضاع العقل والمعرفة للمرجعية العقائدية الجامدة، مما يؤدي إلى تآكل دور الثقافة التنويري. فعندما تُطرح قضايا العلم والفلسفة في إطار يرفض التشكيك والنقد ويستند إلى "الوصاية المعرفية"، فإننا نشهد تغولًا فكريًا يفرغ الفضاءات الثقافية من محتواها المدني، ويحولها من منصات للحوار الحر إلى منابر للدعوة الحركية، وهو ما يمثل تراجعًا خطيرًا عن قيم الحداثة التي بُنيت عليها الدولة المصرية الحديثة.
إن المشهد الحالي يعيد للأذهان بوضوح استراتيجيات تيار الإخوان في تسعينيات القرن الماضي، حين استُخدمت الآليات الديمقراطية والعمل النقابي كـ "مطية" للوصول إلى مراكز التأثير وصناعة القرار. لقد عبّر قادة هذا التيار في أدبياتهم وممارساتهم التاريخية عن رؤيتهم للديمقراطية كـ "وسيلة مرحلية" أو "جسر" للعبور نحو الهيمنة الكاملة على مفاصل المجتمع، وليس كقيمة إنسانية أو سياسية في حد ذاتها. وبناءً عليه، فإن استغلال هذه الجماعات لمبدأ "حرية الرأي والتعبير" اليوم داخل أروقة اتحاد الكُتّاب ما هو إلا تكتيك لإعادة التموضع والانتشار، مستغلين مناخ الانفتاح لتقويض أسس الدولة المدنية من داخل مؤسساتها، وهو ما يتطلب يقظة شديدة وفصلًا حاسمًا بين ممارسة الحق النقابي وبين السماح بتحويل هذه النقابات إلى أدوات لخدمة مشاريع سياسية تتبنى فكرًا إقصائيًا يناهض أسس المواطنة.
حسام الحداد يكتب: من سيد قطب إلى خالد فهمي: تحولات الخطاب الحركي في "كأن القرآن يتنزل من جديد"الثقافة كساحة للمعركة الأيديولوجية
إن التحذيرات التي أطلقها الكاتب سامح فايز وغيره من المثقفين حول ظاهرة "ذيول التنظيم" داخل المؤسسات الثقافية لا ينبغي قراءتها كحالة من التوجس العابر أو المبالغة في تقدير المخاطر، بل هي قراءة فاحصة لمسار تراكمي طويل. فالمشهد الثقافي شهد تكريمات متوالية لشخصيات اتضح لاحقًا أنها جزء لا يتجزأ من النسيج الفكري أو التنظيمي لجماعة الإخوان، أو أنها تتبنى "السرورية" – ذلك الخليط المزيج بين الفكر الحركي المتطرف والأيديولوجيا التكفيرية – مما يؤكد أن وجود هذه العناصر داخل أروقة اتحاد الكُتّاب لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج خطة مدروسة لترسيخ نفوذهم داخل أعرق المؤسسات التنويرية، وتحويلها تدريجيًا إلى منصات تعيد إنتاج خطابهم الخاص تحت غطاء التكريم أو التبادل الثقافي.
عندما يتخلى اتحاد الكُتّاب عن دوره كمنارة للإبداع والنقد الحر، فإنه يفقد بوصلته التنويرية التي تأسس من أجلها. إن تحويل قاعات الاتحاد إلى ساحات لتمرير أطروحات عقائدية جامدة لا تقبل النقد ولا تعترف بالتعددية، هو إفراغ متعمد لجوهر الثقافة من معناها الإنساني. فهذا التحول يُحيل الاتحاد إلى "مقر ديني" مغلف بغطاء ثقافي براق؛ حيث تصبح الندوات مجرد "أدوات دعوية" تهدف إلى فرض وصاية فكرية على العقل المصري، بدلًا من الارتقاء به عبر الفلسفة والأدب والعلوم، مما يحول الفضاء الثقافي من ساحة للتنوير إلى مقصلة لكل فكرٍ حر أو صوتٍ يطالب بالتحرر من القيود الأيديولوجية.
إن هذا التغول الأيديولوجي يضرب في مقتل مفهوم "المواطنة" التي تُعد الركيزة الأساسية للدولة الحديثة. فالمواطنة تستوجب بالضرورة الاحتكام للعقل العلمي، والبحث النقدي، وقبول الآخر في إطار من المساواة، بينما يقوم الفكر الإقصائي الذي تُروجه هذه الجماعات على تكريس "عقلية القطيع" وتصنيف المجتمع وفق معايير الولاء والبراء. إن تغليب هذا الطابع على أنشطة نقابة الكُتّاب يعني تحويل الولاء من الوطن والمؤسسة إلى التنظيم والحزبية الضيقة، وهو ما يهدد السلم المجتمعي ويخلق صراعًا بين الهوية المصرية التعددية وبين أيديولوجيات أحادية تحاول فرض سلطتها على وعي المواطن، مما يتطلب استنهاضًا وطنيًا لحماية هذه المؤسسات من التآكل الأخلاقي والفكري.
حسام الحداد يكتب: صناعة "العدو الكوني" لتعويض الفشل الميداني.. داعش نموذجاالمخاطر المستقبيلة: هل يتحول الاتحاد إلى مسجد كبير؟
إن التحذير من تحويل مقر اتحاد الكُتّاب إلى ما يشبه "المسجد الكبير" ليس عدائًا للدين، بل هو وقفة دفاعية ضرورية لحماية "مدنية الدولة" من محاولات الاختطاف الفكري. إن جوهر الخطر لا يكمن في مناقشة قضايا الإيمان، بل في استغلال هيبة المؤسسات الثقافية لفرض "وصاية دينية" على الفضاء العام، حيث يُستخدم الأكاديميون وواجهاتهم العلمية كغطاء لشرعنة أطروحات إقصائية تهدف في نهايتها إلى إخضاع العقل المصري وتنميط تفكيره.
تمثل المحاولات الرامية لإخضاع الفلسفة والعلوم التجريبية لمرجعية دينية أيديولوجية ضربةً قاصمة لمسيرة التحديث في مصر. فبدلًا من أن تكون نقابة الكُتّاب حاضنةً للبحث العلمي الحر الذي يواكب تطورات العصر، تسعى هذه التيارات لإعادة إنتاج "الوعي التقليدي" الجامد الذي يرفض المساءلة. إن هذه الاستراتيجية تهدف إلى محاصرة قدرة العقل المصري على التفكير النقدي، وحصره في قوالب معرفية قديمة لا تساير ديناميكيات الحداثة، مما يؤدي بالضرورة إلى انغلاق ثقافي يعزل المجتمع عن آفاق التقدم المعرفي العالمي.
تعد استضافة شخصيات ذات خلفيات أيديولوجية متطرفة داخل منابر نقابية رسمية جزءًا من "عملية غسيل فكري" منظمة. إن منح هؤلاء مساحة للظهور بمظهر "المفكرين المستنيرين" يهدف إلى إضفاء شرعية زائفة على أفكار تناهض في جوهرها الهوية المصرية التعددية وتتجاوز العقيدة الأزهرية الوسطية. هذه "المظلة النقابية" تمنحهم حصانة ضد النقد التاريخي والفكري، وتسمح لهم بالانتشار في أروقة الثقافة دون مواجهة حقيقية، مما يمهد الطريق لتوغلهم في مفاصل الدولة الثقافية تحت ستار الشرعية الرسمية.
تعتمد هذه التيارات الحركية على تكتيك "الإرهاب الفكري" كأداة لإسكات أي صوت مخالف؛ حيث يتم وصم كل من يعترض على تحويل النقابة إلى منبر أيديولوجي بـ "العلماني المعادي للدين" أو "المتعصب". هذه الدائرة المفرغة من التخوين والاتهام تخلق مناخًا من الترهيب يُجبر المثقفين على الصمت أو التراجع. إن الغاية النهائية من هذا التكتيك هي غلق باب الحوار الحر بالكامل، وتحويل النقابة من "بيت للكُتّاب" يجمع مختلف التيارات، إلى ساحة أحادية الصوت تفرض أجندتها عبر التخويف، مما يُفقد المؤسسة قيمتها الديمقراطية ويُنهي دورها كفضاء للحوار الإنساني الراقي.
ختامًا، إن الدفاع عن اتحاد الكُتّاب ليس مجرد دفاع عن مبنى أو كيان نقابي، بل هو دفاع عن "جوهر الدولة المصرية" في مواجهة محاولات انكماشها الثقافي. إن استعادة الدور التنويري للاتحاد تبدأ بوقفة شجاعة تفصل بين ممارسة الحقوق الديمقراطية وبين السماح للجماعات الحركية باستغلال هذه الحقوق لتقويض أسس المواطنة. على قيادة الاتحاد أن تدرك أن صمتها أمام اختراق "الذيول الأيديولوجية" لأروقتها ليس حيادًا، بل هو تواطؤ يضع المؤسسة في مواجهة تاريخها كمنارة للفكر الحر. إن المطلوب اليوم ليس إغلاق الأبواب، بل تحصينها بالعقل النقدي، واليقظة تجاه كل من يحاول تحويل "الأمانة" الثقافية إلى "غنيمة" حزبية، فالثقافة التي لا تعلي من شأن العلم والحرية كمعايير وحيدة للحقيقة، ليست سوى قشرة زائفة تخفي خلفها مشروعًا انغلاقيًا لن يورث المجتمع إلا المزيد من التخلف والتشظي.