أرض الثروات التي تسبح فوق الذهب وتغرق في الدماء.. ماذا نعرف عن إقليم دارفور؟
تاريخ النشر: 24th, November 2025 GMT
رغم الصورة النمطية التي تربط دارفور بالحروب والجفاف، يزخر الإقليم الواقع غرب السودان بثروات طبيعية تُعد من الأكبر في أفريقيا. فمن الذهب واليورانيوم إلى الرخام والمياه الجوفية، يمتلك دارفور موارد كان يمكن أن تشكّل رافدًا اقتصاديًا مهمًا للبلاد، لولا الصراع الذي قيّده لعقود.
يرى د. محمد تورشين، الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية، في تصريح خاص لـ"يورونيوز" أن المجازر في دارفور ليست سوى فصل جديد في مسلسل طويل من الانتهاكات، مؤكدًا أن اتساع رقعة العنف وعُمقه يبرزان فشل المجتمع الدولي في التعامل مع الأزمة منذ بدايتها.
ويشير تورشين إلى أن أكبر العقبات تتمثل في بطء الاستجابة الدولية للتحذيرات المتكرّرة بشأن تدهور الوضع الإنساني، رغم نداءات المدنيين والمنظمات المحلية والدولية. هذا التأخر، كما يقول، خلق بيئة لتوسع أعمال القتل والاستهداف الممنهج.
ويضيف الخبير السوداني في حديثه لـ"يورونيوز" أن قوات الدعم السريع واصلت تحركاتها العسكرية على الأرض، متجاهلة قرارات مجلس الأمن، ومستفيدة من تدفق السلاح عبر طرق معروفة في دارفور.
ويعتبر الباحث أن الأطراف الإقليمية أصبحت لاعبًا رئيسيًا في استمرار الحرب، حيث تغذّي بعض القوى الصراع عبر الإمداد بالأسلحة والدعم اللوجستي.
ويشدد على أن أي أفق لحل سياسي لا يمكن أن يتحقق دون وضع حد لتدفق السلاح، محذرًا من أن استمرار الإمدادات يعني عمليًا تمديد الحرب واستمرار الانتهاكات بحق المدنيين.
وفي ظل الأزمة الإنسانية والسياسية التي يعيشها السودان، يبرز إقليم دارفور الغني بالمعادن كمسرح لحرب ضروس، أصبحت ثرواته وقوداً لصراع يلتهم البلاد. فما قصة هذا الإقليم؟ وما هي ثرواته التي أشعلت ولا تزال تشعل فتيل حروب لا تهدأ؟
"الكونغو المصغّرة".. ثروات تُدفن تحت نار الحربيشكل دارفور خُمْس السودان بمساحة تقدّر بقرابة 500 ألف مربّع وهي تعادل مساحة فرنسا مثلا أو إسبانيا إذا استثنينا الجزر التابعة لها. يقع هذا الإقليم عند نقطة تماس جيوسياسية معقدة، حيث تتشارك حدوده مع تشاد وليبيا وجنوب السودان، ما يجعل منه ممرًا مفتوحًا لتهريب الذهب والمعادن الأخرى إلى الخارج، مقابل تدفق السلاح و"المرتزقة" الذين يطيلون أمد الصراع.
وكشف عبد الباقي جيلّاني، وزير المعادن السوداني الأسبق، أن الإقليم يضم احتياطيات ضخمة من الذهب والماس واليورانيوم والنحاس، واصفًا دارفور بـ"جمهورية الكونغو الديمقراطية المصغّرة" نظرًا لغناها بالمعادن، وما يقابله من مسار دموي شبيه بالكونغو.
اليورانيوم والمعادن النادرةيمثّل اليورانيوم والمعادن النادرة أحد أثمن الكنوز الجيولوجية في إقليم دارفور، إذ تشير المسوحات إلى أنّ الإقليم يحتضن احتياطات معتبرة من اليورانيوم، وبينما تقدّر مصادر سودانية إجمالي احتياطي اليورانيوم في البلاد بنحو 1.5 مليون طن، يتركّز جزء مهم منه في ولايات دارفور.
ولا تتوقف كنوز دارفور عند هذا المعدن فقط، فباطن الأرض يخبّئ أكثر من عشرين نوعاً من المعادن الثمينة، بدءاً من النحاس والحديد والمنغنيز، وصولاً إلى أحجار العقيق الكريمة وأصناف أخرى تزيينية.
ورغم هذا التنوع الغني، بقيت هذه الموارد رهينة لظرا لغياب الدولة وهيمنة الجماعات المسلحة على المناجم ومناطق التعدين، ما حوّل النشاط إلى قطاع منفلت تديره شبكات تهريب عابرة للحدود، وزاد من اشتعال التنافس على من يسيطر على هذه المنطقة الجغرافية.
ومع استمرار الحرب واتساع الفراغ الأمني، تحوّلت المعادن النادرة إلى محرّك للصراع، وركيزة جديدة للأطماع الإقليمية والدولية في دارفور.
الذهب.. "الماس الجديد للصراعات"منذ اندلاع الحرب في دارفور، أصبح الذهب محورًا رئيسيًا للصراع الدموي في الإقليم.
ويُعدّ منجما عبد الشكور بالقرب من كتم وجبل عامر الملقب بـ"سويسرا السودان" مركزين أساسيين لإنتاج الذهب. ويعمل آلاف المعدّنين التقليديين في ظروف بالغة الخطورة، مستخدمين مواد كيميائية شديدة السمّيّة مثل السيانيد والزئبق، في ظل غياب كامل للرقابة البيئية.
وأصبح الذهب في دارفور شريانًا أساسيًا للصراع، حيث يُهرّب على نطاق واسع إلى تشاد والدول المجاورة، ليُستخدم في تمويل شراء الأسلحة وإطالة أمد الحرب. وفي الوقت نفسه، يعاني المدنيون من الانتهاكات المستمرة، والانهيارات الأرضية، وانعدام الأمن.
ويرى محللون سياسيون أن الذهب أصبح بحق "الماس الجديد للصراعات"، حيث تستغلّه جميع الأطراف كوسيلة للسيطرة الاقتصادية والعسكرية.
النفط.. ثروة تعرقلها الحرب والمصالح العسكريةتغطي احتياطيات النفط مناطق واسعة في شرق دارفور، خصوصًا في مناطق شارف وزرقة وأم حديدة، لكن توقف الإنتاج بفعل الحرب حرم الإقليم من مصدر اقتصادي مهمّ.
Related فيديو - السودان: آلاف النازحين عالقون بين الفاشر والطويلة بعد سقوط المدينةالبرهان يزور مخيم النازحين في الدبة.. وشبكة "أطباء السودان" تتهم الدعم السريع بحرق الجثث في الفاشرتحذيرات أممية: السودان يعيش حربًا بالوكالة وسط نزوح جماعي ومجاعة وشيكةوتحول النفط إلى أداة ضمن شبكة مصالح عسكرية، تُبقي حقول الإنتاج معطّلة، وتعمّق الفجوة بين الثروات المتوفرة والواقع المعيشي للسكان.
ووفقًا لما نقلته صحيفة "الغد السوداني" عن بيانات وزارة الطاقة السودانية، فقد كانت آبار حقول مربع 6 الواقعة شرق دارفور تضخّ ما لا يقل عن ثلاثة آلاف برميل يوميًا قبل اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023. لكن مع اشتداد الصراع، تعرّضت هذه الحقول إلى عملية تدمير ونهب شاملة، فيما تبادل طرفا القتال الاتهامات حول المسؤولية عن تدمير البنية التحتية النفطية.
في الوقت نفسه، تستفيد الميليشيات وقوات مسلحة أخرى من عائدات تهريب النفط لتعزيز سيطرتها على المكان وتمويل صراعاتها، فيما يُحرَم السكان المحليون من أي عوائد اقتصادية، كل هذا وسط تفاقم المخاطر الصحية والبيئية بسبب تدمير الآبار وتسرّب النفط.
موارد الصخور والرخاميزخر غرب ووسط إقليم دارفور باحتياطيات كبيرة من الرخام والكروم والمعادن المستخدمة في البناء، إذ تشير الدراسات والتقارير إلى أن الرخام السوداني يتميز بنقاء وجودة عالية، ما يجعله مؤهلاً للاستخدام في الزينة والبناء، بينما يستخدم الكروم في صناعة الصلب والسبائك المعدنية، وتُعدُّ معادن البناء مثل الحجر الجيري والجبس والحصى أساسية للإنشاءات والبنية التحتية.
غير أن الاستغلال الفعلي لهذه الثروات يظل محدودًا للغاية بسبب غياب الأمان والحروب المستعرة.
المياه الجوفيةرغم الصورة النمطية التي تصوّر دارفور كمنطقة شحيحة المياه، تشير الدراسات الجيولوجية إلى أن الإقليم يحتضن ست بحيرات جوفية ضخمة تمتد تحت سطح الأرض، وتشكل خزانات طبيعية قادرة على دعم الزراعة والرعي والثروة الحيوانية لعقود طويلة.
وتشير الأبحاث إلى أن هذه المياه الجوفية جزء من الحوض النوبي الرملي ، أحد أكبر خزانات المياه الجوفية في شمال أفريقيا.
ويعتمد السكان المحليون على آبار عميقة وحفائر تقليدية، يصل بعضها إلى 40 مترًا، لتأمين المياه للشرب والري وتوفير السقاية للمواشي، غير أن نقص الخدمات والصيانة، إضافة إلى العقبات الأمنية واللوجستية الناتجة عن النزاعات المسلحة، يعيق الاستغلال الكامل لهذه الموارد.
كما أن بعض الآبار غير محميّة وغير مجهزة تجهيزًا حديثًا، ما يعرّض المياه للتلوّث ويهدد الصحة العامة. ومع استمرار النزاعات والتهجير، يظل الوصول إلى المياه الجوفية في دارفور معركة يومية.
إقليم غارق في الفقر رغم ثرواتهرغم ما يختزنه إقليم دارفور من ثروات، لا يزال يتصدر قائمة المناطق الأكثر فقرًا في السودان، فيما يعيش سكانه في دائرة ممتدة من الحرمان والمعاناة.
وعلى مدى سنوات، تحوّلت هذه الموارد إلى وقود يغذّي صراعًا متعدد الأطراف. وفي مقابلة مع "يورونيوز"، أوضحت الناشطة الحقوقية شادية عبد المنعم كيف تحوّلت ثروات الإقليم، وفي مقدمتها الذهب من مصادر للنمو الاقتصادي إلى أدوات تُستخدم في تمويل الحرب.
وتقول المتحدّثة إن القوى المتحاربة تتجنب استهداف مناطق إنتاج الذهب لما تمثله من قيمة استراتيجية، لكنها لا تتورّع في المقابل عن قصف المدن المكتظة بالمدنيين.
واعتبرت ناشطة أخرى، في تصريحها ليورونيوز، أن قوات حميدتي تتحمل الجزء الأكبر من الجرائم المرتكبة في دارفور، إلا أن الجيش النظامي قيادة عبد الفتاح البرهان متهم أيضًا بـ"تنفيذ قصف عشوائي واعتقالات تعسفية وتأجيج الانقسامات العرقية" وفق تعبيرها.
وقد بدأت الحرب بين قوات الدعم السريع والجيش عام 2023، وأسفرت حتى الآن عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد 12 مليونًا، فيما تقول منظمات إن العدد الحقيقي للضحايا قد يكون أعلى بكثير.
انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثةالمصدر: euronews
كلمات دلالية: إسرائيل الصحة حزب الله لبنان الحرب في أوكرانيا واشنطن إسرائيل الصحة حزب الله لبنان الحرب في أوكرانيا واشنطن إقليم دارفور جمهورية السودان الذهب قوات الدعم السريع السودان النفط نزاع مسلح إسرائيل الصحة حزب الله لبنان الحرب في أوكرانيا واشنطن حركة حماس روسيا الاتحاد الأوروبي أوكرانيا دونالد ترامب حروب المیاه الجوفیة الدعم السریع إقلیم دارفور فی دارفور إلى أن
إقرأ أيضاً:
حرب غزة التي لم تنته
لا شيء في غزة يشير إلى أن الحرب انتهت عدا اللغة الدبلوماسية الباردة التي اختارت أن تطلق على ما يجري اسم «اتفاق سلام» أو«وقف إطلاق نار». الواقع على الأرض يقول شيئا آخر تماما، قصف مستمر رغم أن البعض يطلق عليه اختراق للاتفاق، وحصار خانق لا ينتبه له الكثيرون، ومعاناة إنسانية تتفاقم كل يوم مع دخول الشتاء، فيما يتراجع الاهتمام الدولي خطوة بعد أخرى، كأن العالم قرر أن يُغلِق الملف لمجرد أن نصا «للسلام» وقع في شرم الشيخ.
لا يوجد أي نوع من أنواع «السلام» في المخيمات العشوائية التي انتشرت على طول القطاع وعرضه، مجرد خيام متهالكة تغرق في مياه الأمطار ومياه الصرف الصحي. ينام الأطفال بملابس مبللة، والمرضى بلا دواء. وجميع الأسر بلا مأوى إلا بطانيات متهالكة ورطبة وبعض خبز جاف.
ورغم أن المنظمات الدولية تتحدث بصوت واضح عن استمرار المجاعة، وتفشّي الأمراض والأوبئة، وعن نظام صحي منهار لا يستطيع التعامل مع أبسط الطوارئ إلا أن أحدا لا يكاد يصغي لكل هذا، ولا حديث إلا عن اتفاق السلام «الهش» وما يعتريه بين حين وآخر من اختراقات إسرائيلية! لكن الحقيقة لا أحد يراها أو يريد أن يراها أن الوضع ما زال مستمرا إلى حد كبير.. الهجمات مستمرة، والشهداء يسقطون كل يوم، والجوع مستمر، وغزة كلها من شمالها إلى جنوبها مكشوفة أمام الشتاء القارص. لا يوحي هذا المشهد أن غزة دخلت «مرحلة ما بعد الحرب».. ما زالت الحرب مستمرة بطريقة أو بأخرى. الذي تغير فقط أن الضمير العالمي يعتقد أنه أدى ما عليه وتم توقيع اتفاق «للسلام» حتى لو كان ذلك على الورق فقط أو في بعض وسائل الإعلام.
أما الاحتلال الإسرائيلي فما زال يتحكم في إيقاع الحياة والموت في غزة؛ يتحكم في المعابر، ويحدد عدد الشاحنات التي تدخل، ونوعية المساعدات المسموح بها، ولم يتحول الاتفاق إلى آلية لتدفق المساعدات وتحول في كثير من الأحيان إلى غطاء سياسي يتيح استمرار الضغط العسكري والاقتصادي على القطاع مع قدر أقل من الضجيج الإعلامي.
تقع المسؤولية إضافة إلى إسرائيل على الدول التي رعت الاتفاق وقدّمت نفسها ضامنة لوقف إطلاق النار الذي لم يتحقق وفق ما تم الاتفاق عليه. وعلى هذه الدول أن تعود مرة أخرى إلى الضغط على إسرائيل وتغير من مستوى اللغة المستخدمة التي تبدو أقرب إلى إدارة أزمة طويلة الأمد منها إلى مواجهة انتهاك سافر للقانون الدولي الإنساني.
والعالم الذي ملأ الشوارع باللافتات المطالبة بوقف الحرب لا يمكن أن يكتفي الآن بالقول إن «اتفاق سلام» وُقِّع وإن الملف في طريقه إلى الإغلاق. إذا كان لوقف إطلاق النار معنى حقيقي، فهو أن يتوقف القتل بالكامل، وأن تُرفَع القيود عن الغذاء والدواء والوقود، وأن تُحمى المستشفيات والمدارس ومخيمات النزوح.
ما ينبغي أن يُقال بصراحة هو أن ترك غزة في هذا الوضع، بعد كل ما شهدته من تدمير وتهجير هو استمرار للتواطؤ الذي بدأ مع بداية الحرب. وأن محاولة تكريس فكرة أن غزة في مرحلة ما بعد الحرب هو وصف تجميلي لحرب ما زالت متواصلة بأدوات أقل صخبا، لكن بالوحشية نفسها.