ارتبطت المآسي بالتاريخ البشري ولم تنفك عنه، باعتبارها واحدة من أهم الجوانب البينية التي يعيشها الأفراد والجماعات، سواء على المستوى الشخصي أو على صعيد شعوره بمآسي الآخرين. وغالبًا ما ينقسم الناس في تعاملهم مع مآسي الآخرين إلى أقسام مختلفة، منهم أولئك الذين تمرّ عليهم مرورًا عابرًا، غير مهم ما تحدثه من أثر على الصعيد الفردي لصاحب المأساة أو من حوله.
إن المأساة ليست حدثًا معزولاً؛ إذ لا تحدث في التجريد الذهني، بل تحدث من خلال اتصالها بالمجتمع والكون والأفراد، وفي سياقات سياسية وثقافية واجتماعية متّصلة بها بالضرورة؛ وبالتالي فإنها تفرض أسئلة أنطولوجية، وتقع بكل استبدادها على النفس والعقل، خاصة في لحظات صدمتها الأولى التي لا يُمكن تجنبها.
هذه الأسئلة والأفكار، غالبًا ما تكون ذات بُعد ذاتي يبدأ الشخص فيه بالتساؤل حول علاقته بكل شيء، وهل له علاقة بحدوث المأساة، أو إمكانية تجنبها قبل وقوعها. هذه الأسئلة تتعدد وتتفرع بتعددية الجوانب الفلسفية والأخلاقية للأفراد أنفسهم منها على سبيل المثال: ما الواجب فعله؟ من المسؤول؟ كيف ينبغي أن نعيش؟ هل ما قبل وقوع المأساة يشبه ما بعدها؟ وإلى أي مدى يُمكن تجنب تكرارها؟
وهكذا تصبح الأسئلة أكثر تفرُّعًا وإلحاحًا. يدفع هذا الفقد إلى مراجعة علاقة الذات بالآخر البشري والكوني، وبالمدينة وطريقة العيش فيها، وبالدولة والعقد الاجتماعي الذي تكوّن معها؛ وبالتالي هي مراجعة شاملة، لا تتعلق ببعد ذاتي واحد فقط، وإنما بأبعاد مختلفة ومتعددة.
إن هذه الصدمات بوقوع المأساة تدفع المرء إلى طرح رؤية جديدة حول العالم، أكثر تواضعًا وأكثر إنسانية. إذ وقوع المآسي يعيد تموضع الإنسان في الكون، والانتباه بشكلٍ أكبر إلى مكانته وقدرته على فعل اللاشيء تقريبًا في الوقت الذي تصبح فيه الحتمية هي اللاعب/المؤدي الرئيس على مسرح الحياة الخارجية (خارج الذات)، وبالتالي تهتز تلك النظرة المتضخمة والمتمركزة حول الذات، وتعاد الموضعة في مكان أكثر واقعية، حتى ليصبح المركز غير متضخم، وإنما ممتلئ، بالناس والأحداث والمشاعر واللحظات، بالحزن والفرح، والألم والخوف والطمأنينة والحب والكره والاستقرار والاهتزاز، وبكل ما يعترض الإنسان من تقلبات وعلوٍّ ونزول.
هذه المنطقة المشتركة التي تتولد في المركز بين الجميع، تحول المأساة إلى مسألة أكثر كونيّةً تُتجاوز من خلالها حدود المكان والثقافة واللغة، ولعل هذا جواب مبسّط ومختزل لشعور العالم بالمآسي التي تحدث للبشر في أي مكان، قبل دخول التأويلات وإعادة ربط الاعتبار بالسياقات، التي في كثير من الأحيان تفقد الحس الإنساني وظيفته.
لكن في حال إبقاء هذا الحس الإنساني، يُمكن أن تكون المآسي منطلق استفادة مجتمعية لإنتاج قيمة مشتركة، تجمع المتفرّق، وتقرّب البعيد، لا سيما إذا كان المتضررون من هذه المأساة يتشاركون في كثير، وفرّقهم القليل، ولذلك فإن محاولة معرفتها وإدراكها، والشعور بها، بكل تجلياتها واستبدادها على إحداث الخلل في الرؤية الفردية للكون مهمة، في محاولة الوصول إلى نمط تكراري أقل من وقوع المآسي سواء في المجتمعات أو الدول.
بعد هذا العرض البسيط المختزل لتسبب المآسي بحضور وطغيان الأسئلة الأخلاقية على الذات، يُمكن تناول المأساة التي حدثت خلال الأيام الماضية في عمان مثالاً؛ إذ توفيت أسرة كاملة من سبعة أشخاص أحدهم جنين بعد استنشاقهم لغاز أول أكسيد الكربون، خرج من مولّد كهرباء كانت تستخدمه الأسرة لتؤمّن عنصرًا بسيطًا من عناصر الحياة الأساسية.
ليست المسألة في سرد الحادثة هنا، أو تكرار ما نتج عنها من جدالات وتفاعل عارم وتعاطف كبير في مواقع التواصل الاجتماعي، إذ أحدثت هزة لا يُمكن العبور منها عبورًا سريعًا.
لكن المسألة في كيف يُمكن التحول من هذه الصدمة التي ولّدتها الحادثة، إلى استحضار الأسئلة المختلفة: عن البنية التحتية وجدواها؟ وعن المسؤول الذي ينبغي أن يتحمل مسؤوليته بانتقال سبعة أشخاص من أسرة واحدة إلى ربهم؟ ولماذا ينبغي أساسًا أن يضطر الإنسان للجوء إلى هذه الحلول؟
هذه الأسئلة تتبعها أسئلة أخرى، وأكثر إلحاحًا: ما واجبنا تجاه هذه المأساة؟ وإلى أي مدى يشكّل دورنا أهمية في حفظ حياة أناس آخرين؟ لماذا أساسًا انتظرنا حتى وقعت هذه الواقعة؟
في الجانب المقابل، ما معنى أن يموت الناس لسبب أو لآخر قبل أن يولدوا؟ قد يجيب مجيب إنها سنة الله في خلقه، وليس السؤال هنا اعتراضًا على السنن التي أوجدها الله في الكون، وإنما عما ينبغي أن تحدثه هذه السنن في نفوس الأحياء من أثر. وما علاقة ذلك بنظرتنا للحياة؟
هذا يدفعنا في المحصلة إلى تحمل مسؤولياتنا الأخلاقية كلٌّ بقدره وبما يستطيع، مسؤولية الفرد في فردانيته، من حيث وعيّه بالمسببات وتشابكها وتعقدها، ومحاولة تفكيكها لفهمها، أو على الأقل وعيّه بما يدور حوله، وإلى أين ينبغي أن يتوجه في تفكيره. ومسؤولية المجتمعات باعتبارها الكيان الانتمائي للأفراد، الذي يشعرون فيه ومن خلاله بالطمأنينة النسبية، فلا يضطر واحدهم إلى الانكفاء على ذاته، فيشعر أنه لا منتمي لأحد، لأن الحال لو كان بهذه الآلية، لأصبح المرء أقرب للعدم منه للوجود. فلا تمكن الحياة مع استمرارية القلق الوجودي الضخم المتشعب لكل شيء، والشعور بالانفصال عن كل شيء. ومسؤولية الدولة من حيث التفاتها إلى تشريعاتها وآثارها على الأفراد، وقوانينها، وتضييقها أو توسيعها، وما يُمكن أن ينتج عنه من مآس أخرى، أكثر قسوة وصدمة.
في المحصلة، ليس هذا مقال إخبار أو طرح رأي واضح، بقدر ما هو مشاركة التساؤلات بصوت أعلى، جزء من ذات التساؤلات التي ساورتني لأيام عديدة بلياليها، مع التفاتي إلى أنه ما كان ينبغي انتظار المآسي حتى تصبح الأسئلة الأخلاقية أكثر سطوة وإلحاحًا بهذه الطريقة التي تحدث فيها حاليًا، لأن انتظار مأساة شخص ما حتى يكون سؤال الأخلاق حاضرًا هو نوع من الأنانية والتمركز حول الذات. في الجانب المقابل، هي فرصة لمساءلة ذواتنا وتقييم منظوماتنا الأخلاقية والإنسانية، وإلى أي مدى بقي الإنسان حاضرًا فينا، وتهتز الرؤى الكونية عنده بسبب حادثة مثل هذه، أو حتى قبل حدوثها!
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: ینبغی أن وإلى أی
إقرأ أيضاً:
برج العقرب حظك اليوم السبت 29 نوفمبر 2025.. لحظة وضوح تكشف ما كان غامضًا
برج العقرب حظك اليوم السبت 29 نوفمبر 2025، الغد قد يحمل لك لحظة مفاجئة لكنها شديدة الأثر:
فكرة – موقف – كلمة – إحساس، قد يفتح لك باب الفهم بعد فترة من الغموض والارتباك، قد تدرك حقيقة شخص ما، أو تفهم سبب موقف معين، أو تكتشف ما كان يختبئ خلف تصرفات متناقضة.
برج العقرب حظك اليوم السبت 29 نوفمبر 2025لا تضغط على نفسك لمحاولة تحليل كل شيء، فالوضوح سيأتيك تلقائيًا دون جهد منك.
طاقتك اليوم عميقة، وحساسيتك أعلى من المعتاد، لذلك كن صبورًا مع نفسك.
صفات برج العقربقوي الشخصية لكنه حساس من الداخل.حدسه لا يخطئ، وقد يشعر بالأمور قبل حدوثها.غامض، جريء، وثقيل الحضور.محب للسيطرة لكنه وفي لمن يعشقهم.لا يثق بسهولة لكنه إذا أحب… أحب بعمق.يتحمل أكثر مما يظهر، ويخفي ألمه خلف صلابته.
مشاهير برج العقرب
جميعهم يحملون طاقة العقرب في العمق والموهبة والحضور الطاغي.
برج العقرب حظك اليوم على الصعيد المهني
قد يظهر اليوم أمر في العمل كنت تبحث عن تفسيره منذ فترة.
ربما يوضح أحدهم نيته الحقيقية، أو يظهر لك موقف يكشف ما خفي.
الفلك ينصحك اليوم بـ:
الاعتماد على حدسك.تجنب التسرع في ردود فعلك.عدم كشف خططك لأحد.قد تحصل على فرصة أو اقتراح جديد خلال الأيام القادمة، فكن جاهزًا.
برج العقرب حظك اليوم على الصعيد العاطفي
على الصعيد العاطفي، قد يُظهر لك الشريك حقيقة مشاعره أو يفتح لك قلبه بطريقة غير متوقعة.
أما إذا كنت أعزبًا، فقد تشعر بانجذاب قوي لشخص عميق يشبهك في التفكير.
الفلك يدعوك لعدم مقاومة المشاعر… وتركها تأخذ مجراها الطبيعي.
برج العقرب حظك اليوم على الصعيد الصحي
قد تحتاج اليوم إلى لحظة هدوء منعزلة لتصفية ذهنك.
حاول:
الجلوس قرب نافذة.الاستماع لموسيقى هادئة.الابتعاد عن الضوضاء.النوم مبكرًا.الراحة الذهنية اليوم أهم من الراحة الجسدية.الفترة القادمة ستكشف لك:
حقيقة شخص كنت مترددًا تجاهه.اتجاه مهني واضح أكثر من قبل.فرصة مالية قادمة.تحسنًا واضحًا في حالتك النفسية.قد تدخل مرحلة مليئة بالتجديد والوضوح… ووقتًا يصبح فيه حدسك دليلك الأساسي.