الاستيطان… الاستيطان… الاستيطان
تاريخ النشر: 26th, November 2025 GMT
يعتبر الاستيطان الإسرائيلي المستشرس في الأرض العربية الفلسطينية من أخطر ما يهدد المشروع الوطني برمته، وبصورة غير مسبوقة شهدت في الآونة الأخيرة تصعيداً ملحوظاً لهجمات المستوطنين الصهاينة على الفلسطينيين الآمنين على طول الضفة الغربية وعرضها، واستخدامهم للسلاح الحي وتبني مفهوم الهجمات الاستنزافية المتواصل على ممتلكات الآمنين، مع السعي المحموم لتهجيرهم.
وقد بات هذا السعي بمثابة العنوان الأبرز في معركة الوجود فوق أرض فلسطين خاصة مع اتساع رقعة النشاط الاستيطاني وشراسته وما يحمله من تهديد مباشر لا يطال الفلسطيني وحده، بل ينسف ركائز الاستقرار في المنطقة بأسرها.
فهجمات المستوطنين المستفحلة حالياً والتي باتت معفية تماماً من المساءلة العدلية والقانونية، والمدعومة من قبل مؤسسات صهيونية مسجلة في دولة الاحتلال، لم تعد حقلًا من حقول الصراع التقليدي، بل بوابة تُفتح على صراعات أعمق وأطول، لا يعرف أحدٌ مآلاتها.
ويشكّل الاستيطان بما يلقاه من أموال ودعم لا حصر له من جيش الاحتلال، منصة متوسعة لإعادة هندسة الجغرافيا على حساب التاريخ والإنسان الفلسطيني، ليرى المتجول في الضفة الغربية اليوم كيف بات الزحف الاستيطاني يقضم التلال رويدًا رويدًا، وكيف تتبدل معالم المكان، وكيف تتحوّل المسافات بين القرى والمدن إلى نقاط عسكرة تُعيق حركة الحياة اليومية. فالفلسطيني لم يعد وحده من يتأثر بهكذا حال؛ بل بات المشهد برمّته على شفا الانزلاق نحو دوامة من العنف والتوتر، تريدها إسرائيل لشرعنة إطلاق عملية عسكرية في الضفة الغربية تساهم في طرد الفلسطينيين من أرض أجدادهم.
أخطر ما تحمله الأنشطة الاستيطانية ونمط تطورها، هو مسعاها لتفكيك وحدة الأرض الفلسطينية وترابطها
ولعلّ أخطر ما تحمله الأنشطة الاستيطانية ونمط تطورها، هو مسعاها لتفكيك وحدة الأرض الفلسطينية وترابطها، وتحويل المدن والقرى الفلسطينية إلى جزر مقطّعة الأوصال، تفقد معها إمكانية التطور الطبيعي، بينما يُدفَن معها حلم الدولة المستقلة. الاستيطان لا يكتفي بابتلاع الأرض؛ إنه يعيق التعليم ويعرقل الاقتصاد ويكبّل حياة البشر.
واليوم تعاني جموع الشعب الفلسطيني من أذى المستوطنين وتماديهم في تهجير الآمنين من المضارب البدوية، والمسافر وأطراف القرى مما يعطل تدفق الحياة اليومية الطبيعية ويرفع نسبة التنغيص على المواطنين وتهديدهم وتدمير حياتهم، ليشهد الطالب الذي لا يستطيع الوصول إلى مدرسته وجامعته، والطبيب الذي يُمنع من بلوغ مريضه، والمزارع الذي يشاهد محاصيله تموت أمام ناظريه، يشهدون مجتمعين قصصاً تتكرر، لتكوّن في مجموعها جرحًا وطنيًا لن يندمل بسهولة.
ورغم وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للزعماء العرب والمسلمين خلال لقائهم الأخير به في نيويورك في سبتمبر أيلول المنصرم بعدم السماح بضم الضفة الغربية إلا أن ما يجري على الأرض إنما يؤكد على تسارع وتيرة تنفيذ خطة الضم، بوقاحة كبيرة وبخطوات متتابعة ليس فقط على حساب الأرض وإنما أيضاً على حساب هشاشة الأمن الإقليمي برمته.
إن أخطر ما في الاستيطان لا يكمن في الجرّافات والدعم العسكري الذي يعزز بإضافة مسيرات سلمت مؤخراً للمستوطنين، بل في محاولة فرض رواية جديدة على حساب الرواية الأصيلة. هنا ستصبح معركة الاستيطان بمثابة حرب على الهوية والذاكرة الفلسطينية من خلال وأدها بالكامل وسرعة ماراثونية لخلق البديل. فالفلسطيني الذي يرى جذور الزيتون تُقتلع، لا يفقد شجرة فقط، بل يفقد فصلًا من حكاية، وهو ما سيلوث المشهد البشري ويزيد من تمادي الاحتلال المتسلح بمجموعة من المستوطنين المرتزقة الذين تدفع مؤسسات استيطانية رواتبهم بشكل دوري.
إن العالم الذي شهد فظائع غزة إنما يشهد اليوم إصرار إسرائيل على تماديها وزرعها لبذور المزيد من الأزمات بينما يدرك أكثر من أي وقت مضى أن ترك الملف الفلسطيني رهينة للسياسات الطائشة لحكومة اليمين المتطرف في تل أبيب لم يعد خيارًا مجديًا. فالنشاط الاستيطاني، بطبيعته التوسعية، يشكّل عامل تفجير لأي محاولة لبناء استقرار طويل الأمد في المنطقة، ويبقي فتيل المواجهة الميدانية مشتعلاً ويزكي نار الكراهية ويدمر إمكانية قيام دولة فلسطينية قوية وقادرة عبر تُقطّيع أوصال الجغرافية الفلسطينية واختطاف مساحاتها.
في المحصلة، فإن مواجهة الاستيطان ليست مسؤولية الفلسطيني وحده، بل مسؤولية كل المؤمنين بأن العدالة حجر أساس لأي استقرار في المنطقة، وأن ولادة شرق أوسط آمن ومزدهر كما ادعى ترامب سيبقى حلماً بعيد المنال وهو ما يدفع لإلحاحية إيقاف مشروع الإحلال الذي يفرضه المستوطنون كل يوم، إذ لا استقرار فوق أرض تُبنى عليها بؤر الصراع يومًا بعد يوم.
القدس العربي
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الاستيطان الضفة الاحتلال الاحتلال الاستيطان الضفة مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد اقتصاد رياضة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الضفة الغربیة على حساب أخطر ما
إقرأ أيضاً:
إصابة 10 فلسطينيين شرق بيت لحم في تجدد هجمات المستوطنين الإسرائيليين
أصيب عشرة مواطنين فلسطينيين السبت، جراء تجدد هجوم المستوطنين الإسرائيليين على منطقة خلايل اللوز شرق بيت لحم، جنوب الضفة الغربية المحتلة.
وأفادت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، بأنه تم تسجيل 10 إصابات في اعتداءات مستوطنين على المنطقة خلايل اللوز، حيث نقلت إصابة الرصاص الحي في الفخذ، و3 إصابات بالرضوض نتيجة الضرب إلى المستشفى، فيما جرى التعامل مع الإصابات الأخرى ميدانيا.
#شاهد| لحظة اقتحام قطعان المستوطنين خلايل اللوز جنوب بيت لحم. pic.twitter.com/Svru6k51uh — المركز الفلسطيني للإعلام (@PalinfoAr) November 29, 2025
وحاول المستوطنون حرق منزل يعود لعائلة صلاحات، ولكن الأهالي تمكنوا من التصدي لهم، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا".
والخميس، دعت دول أوروبية بارزة الاحتلال الإسرائيلي إلى الالتزام بالقانون الدولي وحماية الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وذلك في ظل تواصل خروقات وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتصاعد الاعتداءات في الضفة الغربية.
وقال وزراء خارجية ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا إسرائيل في بيان مشترك الخميس: "نحن ندين بشدة التصعيد المهول للعنف من جانب المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين، وندعو إلى الاستقرار في الضفة الغربية"، بحسب ما نقلت وكالة "رويترز".
وجاء البيان بعدما أضرم مستوطنون إسرائيليون، النار بمسجد وخطّوا شعارات عنصرية في بلدة بِدّيا، غربي محافظة سلفيت، شمالي الضفة الغربية المحتلة.
وذكرت وكالة "وفا" أن مستوطنين "اقتحموا محيط مسجد الفلاح في منطقة أبو زعين، شمال بلدة بديا، وأضرموا النار في أجزاء منه، ما تسبب بحدوث أضرار فيه، قبل أن يتمكن الأهالي من السيطرة على الحريق".
ويأتي هذا الهجوم ضمن تصعيد إسرائيلي مستمر في الضفة الغربية منذ أكثر من عامين، تخللته عمليات اقتحام واعتقال واغتيال، بالتزامن مع حرب الإبادة الجماعية التي بدأت في قطاع غزة منذ 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، واستمرت عامين.
وبحسب بيانات رسمية فلسطينية، أسفرت الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية من قبل الجيش والمستوطنين، عن استشهاد أكثر من 1083 فلسطينيًا وإصابة نحو 11 ألفًا واعتقال ما يزيد على 20 ألفًا و500 شخص منذ بدء التصعيد.
كما طالت الاعتداءات الممتلكات الزراعية، حيث تم تدمير واقتلاع نحو 48 ألفا و728 شجرة، بينها 37 ألفا و237 شجرة زيتون.
وتواصل "إسرائيل" خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه مع حركة حماس ودخل حيز التنفيذ في 10 من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بوساطة قطرية مصرية تركية ورعاية أميركية.
ومنذ ذلك خرق الاحتلال الاتفاق أكثر من 500 مرة، وقتلت أكثر من 340 فلسطينيا، وفق أرقام نشرها المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.