٣٠ نوفمبر.. ذاكرة وطن لا تنطفئ
تاريخ النشر: 26th, November 2025 GMT
حين يطلّ الثلاثون من نوفمبر كل عام، تعود إلى الذاكرة واحدة من أعظم اللحظات الفارقة في تاريخ اليمن الحديث. إنه اليوم الذي غادر فيه آخر جندي بريطاني أرض الجنوب، ليُعلن اليمنيون ميلاد فجرٍ جديد بعد احتلال امتد أكثر من قرن وربع القرن. قد يبدو هذا اليوم للبعض حدثًا تاريخيًا عاديًا، لكنه في الحقيقة خلاصة مشوار طويل من النضال والكفاح، لم يأتِ صدفة ولا جاء نتيجة حسابات سياسية باردة، بل كان حصيلة دماء وجراح وصبر رجال آمنوا بأن هذه الأرض لا يليق بها إلا أن تكون حرة.
ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963م كانت الشرارة الأبرز في هذا المسار، فبفضل رجال ردفان والضالع وأبين ولحج وعدن وشبوة وحضرموت والمهرة ارتفعت الراية التي أعادت ترتيب المشهد وفتحت الطريق نحو الاستقلال. لكنّ هذه الثورة لم تكن البداية، بل كانت القمة التي سبقتها سنوات طويلة من المقاومة المنسية، المقاومة التي لم تُكتب كما يجب، ولم تجد منصفًا يوثقها أو يحفظ أسماء أبطالها. هنا يظهر السؤال المؤلم: لماذا غاب تاريخ الاحتلال البريطاني لجنوب اليمن بكل تفاصيله ووقائعه؟ ولماذا يبدو وكأن اليمنيين عاشوا 129 عامًا من الاحتلال دون مقاومة، وكأنهم صمتوا أو استسلموا؟ هذا غير منطقي ولا يتفق مع طبيعة الإنسان اليمني الذي لا يقبل الغزو ولا يمد يده للمحتل إلا على مقبض بندقية.
الحقيقة أن التاريخ لم يُكتب كما يجب، وأن أعوامًا طويلة من النضال طُمست عمدًا أو أُهملت، وأن الكثير من ثورات القبائل في شبوة وحضرموت والمهرة وسقطرى ولحج وأبين وعدن، لم تجد موقعًا لها في الكتب أو المناهج. وربما كان ذلك نتيجة مصالح سياسية، أو ضعف في التوثيق، أو تأثير قوى خارجية حرصت على تشكيل رواية ناقصة لا تُبقي في ذاكرة الأجيال إلا ما يريدونه هم. لكن مهما غُيّب التاريخ، تبقى ذاكرة الشعوب أقوى، وتبقى الأرض شاهدة على من مرّ عليها ومن قاوم لأجلها.
واليوم، ونحن نستعيد ذكرى الاستقلال، نجد أننا نعيش مشهدًا لا يختلف كثيرًا عما كان قبل عقود. فالمحافظات الجنوبية التي احتفلت يومًا برحيل آخر جندي بريطاني، تواجه اليوم أشكالًا جديدة من الوصاية والسيطرة، ولكن بوجوه مختلفة وأدوات مختلفة. فالسعودية والإمارات حاضرتان وكأنهما بريطانيا نفسها من جديد، ليس عبر جنودها بل عبر قواعدها وقواتها ومرتزقتها، وعبر محاولات التحكم بالموانئ والجزر والممرات البحرية والثروات النفطية والغازية. وكأنّ التاريخ يريد أن يعيد نفسه، ليذكّرنا بأن الاستقلال لا يكتمل بمجرد خروج المحتل من الباب ما دام قد أبقى له ألف نافذة ينفذ منها.
أبناء شبوة والمهرة وسقطرى وحضرموت وأبين ولحج وعدن والضالع، الذين قاوموا بالأمس، ما زالوا حتى اليوم يحملون الروح نفسها، روح الرفض، وروح الإصرار على أن هذه الأرض ليست للبيع ولا للارتهان، وأن الاستقلال ليس مناسبة للاحتفال، بل مسؤولية لمواصلة الطريق. إن ذكرى الثلاثين من نوفمبر ليست مجرد تاريخ على التقويم، بل هي تذكير دائم بأن الحرية لا تُمنح، وأن الاستقرار والسيادة لا تكتبها إلا الشعب نفسه، وأن الاحتلال مهما غيّر شكله ولغته وأدواته، سيظل احتلالًا.
وهكذا يبقى 30 نوفمبر1967م يومًا تتقاطع فيه الذاكرة مع الحاضر، وتعود فيه الأسئلة القديمة لتقف أمام مشاهد اليوم: هل يمكن لشعب صنع استقلاله أن يقبل الوصاية مجددًا؟ وهل يمكن لأرض قاومت 129 عامًا أن تخضع في زمن يعرف فيه الجميع قيمة الحرية؟ الإجابة نجدها في التاريخ نفسه، وفي وجوه الناس، وفي صمود اليمنيين الذين يعرفون أن الاستقلال الحقيقي ليس حدثًا مضى، بل شعلة يجب أن تبقى متقدة في الوعي والوجدان إلى أن يتحرر كل شبرٍ من هذا الوطن.
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
الــ 30 من نوفمبر .. خروج آخر جندي بريطاني من جنوب اليمن بين إرث التحرير وتحولات الواقع
تحلّ على الشعب اليمني، ولا سيما في الجنوب، الذكرى السنوية لليوم المجيد 30 نوفمبر 1967، اليوم الذي غادر فيه آخر جندي بريطاني أرض اليمن الجنوبي بعد احتلال امتد لأكثر من 129 عاماً، لا يمثّل هذا التاريخ مجرد يوم في الروزنامة الوطنية، بل هو خلاصة قرن من النضال، وتعبير واضح عن قدرة الشعوب على كسر الطغيان مهما طال، وفيما يتجدد الاحتفال بهذه المناسبة، تتقاطع الذكريات العظيمة مع أسئلة الحاضر المأزوم، خاصة في ظل وجود إحتلال جديد في الجنوب يمثل شكلاً جديداً من الوصاية.
يمانيون / تقرير / طارق الحمامي
بدأ الوجود البريطاني في عدن سنة 1839، حين دخلت القوات البريطانية الميناء الاستراتيجي لتأمين طرق الملاحة الدولية وربطه بمستعمراتها التي تمتد عبر القارات، وعلى مدار عقود طويلة، عملت بريطانيا على ترسيخ سيطرتها السياسية والعسكرية من خلال تقسيم السلطَنات والمشيخات، واستقطاب بعض القيادات القبلية، وإنشاء إدارات محلية خاضعة لنفوذها.
لكن الجنوب لم يكن أرضاً قابلة للابتلاع، فقد ظلت المقاومة الشعبية تتأجج بين حين وآخر، ومع منتصف القرن العشرين بدأ التحول الجذري نحو العمل المنظم، إلى أن انفجرت ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963 في ردفان، لتشعل شرارة التحرير، تبنّى الثوار مختلف أساليب النضال، من حرب العصابات في الجبال إلى العمليات الفدائية في المدن، حتى بات الاحتلال البريطاني أمام واقع عسكري وسياسي يستحيل تجاهله.
30 نوفمبر .. عندما انحنت الإمبراطورية أمام إرادة الشعب
شكّل فجر الثلاثين من نوفمبر لحظة فارقة لا تُنسى، إذ غادرت آخر دفعة من القوات البريطانية عدن، معلنة نهاية حقبة استعمارية كاملة، خرجت الجماهير إلى الشوارع تهتف للحرية وترفع صور الشهداء، بينما أعلنت القيادة الوطنية قيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية أنذاك، وكان المشهد انتصاراً لصمود شعبٍ أعزل إلا من إيمانه العميق بحقه في الحرية، ودليلاً على أن الإمبراطوريات تنهزم حين تفشل في كسر إرادة الشعوب.
الدلالات الكبرى لاستقلال جنوب الوطن
يحمل يوم الاستقلال تاريخياً دلالات لا تزال حاضرة حتى اليوم، من أهمها، كسر سلاسل الاستعمار مهما طال زمنه، وتعزيز الهوية الوطنية واستعادة القرار، وإلهام حركات التحرر العربية والعالمية، وكذلك تأكيد أن إرادة الشعب أقوى من السلاح والقوة العسكرية.
لكن هذه الدلالات، بكل رمزيتها، تواجه اليوم تحديات كبيرة في ظل واقع مرير ومعقد يعيشه الجنوب اليمني.
بين الماضي المجيد والحاضر المتشابك .. الجنوب تحت الاحتلال السعودي _ الإماراتي
في الوقت الذي يُحيي فيه أبناء اليمن عامة وأبناء الجنوب بشكل خاص ذكرى خروج المحتل البريطاني، تبرز في الساحة السياسية أسئلة حول طبيعة الوجود العسكري والسياسي السعودي _ الإماراتي، أبناء اليمن قاطبةً يرونه استعماراً وشكلاً جديداً من الاحتلال والوصاية، ويرى كثير من المحللين والمراقبين على أن الجنوب يعيش اليوم مرحلة غياب سيادة كاملة، وازدحاماً في القوى المؤثرة على الأرض، ما يجعل ذكرى الاستقلال مناسبة تتجاوز البعد الرمزي إلى مراجعة الواقع الراهن.
حيث بات أنبا الشعب اليمني يعقدون مقارنات بين الاستعمار البريطاني القديم والوجود الاستعماري الحالي، ويرون أن الجنوب، وإن تغيّرت ملامح العلاقة، لا يزال يفتقر لقراره السيادي، وهو ما يجعل 30 نوفمبر لحظة تساؤل عن مدى تحقق حلم الاستقلال الذي دفع الشهداء حياتهم ثمناً له.
كما تحرك الذكرى مشاعر شعبية واسعة ترفض أي تدخل خارجي في القرار الوطني، وتدعو إلى استعادة الإرادة الحرة التي صنعت الانتصار عام 1967، بعيداً عن الاصطفافات الإقليمية والحسابات الضيقة.
المرتزقة يبيعون التضحيات
يستحضر اليمنيون وأبناء الجنوب خاصة، تضحيات شهداء ثورة أكتوبر الذين قدّموا أرواحهم من أجل التحرر الكامل، لكن قطاعاً واسعاً من اليمنيين يعرب عن استيائه وغضبه الشديد من بيع تضحيات الشهداء من خلال ارتهان بعض القيادات المحلية للوصاية السعودية والاماراتية اللتان تتحكمان في القرار اليمني، ويرى الجنوبيون اليوم أن ما دفعه أبناء ردفان وعدن والضالع من دماء لم يكن من أجل استبدال استعمار بآخر، بل من أجل سيادة كاملة، ويعتبرون أن مرتزقة اليوم تتصرف بعكس هذا المبدأ من خلال ارتباطها السياسي أو العسكري بدول الاستعمار الجديد السعودي _ الاماراتي.
ناشطون يؤكدون إن بعض القوى السياسية في الجنوب ، تعاملت مع الوصاية السعودية الاماراتية ،باعتبارها طريقاً للحصول على مواقع ومكاسب، بينما لم يكن ذلك إلا تخلّياً عن الثوابت الوطنية، وتقليلاً من عظمة يوم الاستقلال.
وبدلاً من أن يكون اليوم مناسبة للتأكيد على التحرر والسيادة، أصبح لدى المرتزقة ساحة للتجاذب السياسي، في وقت يرى فيه أبناء الوطن الواحد أن روح التحرر يجب أن تكون بوصلة لاستعادة القرار الوطني.
وتطالب القوى الوطنية والأحرار في هذا الوطن ،بضرورة إعادة الاعتبار لدماء الشهداء وقيم الثورة، وتدعو كل القيادات إلى اختبار مواقفها أمام سؤال تاريخي، هل يسيرون على خطى شهداء أكتوبر ونوفمبر، أم سيستمرون في طريق الارتهان للوصاية؟
ذاكرة تصنع المستقبل
إن ذكرى 30 نوفمبر ليست صفحة من الماضي، بل رسالة متجددة، رسالة تقول إن الحرية لا تُمنح، وإن السيادة تُنتزع بإرادة صلبة، وإن الشعوب التي انتصرت على أقوى الإمبراطوريات قادرة على استعادة قرارها مهما كانت الظروف.
في هذا اليوم المجيد، يستعيد الجنوبيون السيرة البطولية لمن صنعوا الاستقلال، ويضعون أيديهم على قلب الحقيقة، أن الوفاء للشهداء يبدأ من رفض التبعية، وإحياء روح التحرر، وإعادة الاعتبار للوطن شماله وجنوبه في سيادته وقراره ومستقبله.