أي دول أوروبية تبني الذكاء الاصطناعي السيادي الخاص بها للتنافس في سباق التكنولوجيا؟
تاريخ النشر: 1st, December 2025 GMT
أوروبا تريد التحرر من الاعتماد على شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة في مجال الذكاء الاصطناعي.
بعد ثلاث سنوات على طرح شركة OpenAI لروبوت الدردشة ChatGPT وإيصال الذكاء الاصطناعي (AI) إلى التيار العام، تعمل عدة دول أوروبية على بناء أنظمتها السيادية الخاصة.
الذكاء الاصطناعي السيادي هو قدرة الدولة على تطوير واستضافة ونشر وحوكمة أنظمة ذكاء اصطناعي تُصنع داخلها لمواطنيها، بدل الاعتماد على الأنظمة الأجنبية أو اختصاصات الحوسبة السحابية الأجنبية.
أقرّ البرلمان الأوروبي في يونيو في تقرير بأنه "يعتمد اليوم بشكل كبير على التقنيات الأجنبية"، ولا سيما الأمريكية، ما يحول دون أن يكون للاتحاد روّاده التكنولوجيون. وأضاف التقرير أن هذا الاعتماد "مرشح للاستمرار" بسبب استثمار الولايات المتحدة الأخير بقيمة 500 مليار دولار (432,9 مليار يورو) في الذكاء الاصطناعي.
وأكد الاتحاد الأوروبي أنه لاستعادة تفوقه، ينبغي له الاستثمار في البحث وتطوير أنظمة جديدة. وهنا يمكن أن تلعب الحكومات الوطنية دورا محوريا.
بضع دول في أنحاء أوروبا تبني أنظمة ذكاء اصطناعي سيادي خاصة بها. "Euronews Next" تستعرض ما أُنجِز حتى الآن.
ألمانياألمانيا هي أحدث دولة تُعلن خطة خاصة بالذكاء الاصطناعي تُعرف باسم نماذج المؤسسة مفتوحة المصدر ذات السيادة ("SOOFI").
وبحسب الحكومة الألمانية، فإن "SOOFI" محاولة لبناء نموذج أساسي مفتوح المصدر من فئة "الذكاء الاصطناعي المتقدم"، يمكن للشركات الأخرى العاملة في تطوير منتجات الذكاء الاصطناعي تكييفه.
وسيُستخدم هذه التقنية في مهام شديدة التعقيد، مثل الروبوتات المُتحكَّم بها عبر الذكاء الاصطناعي، وفق بيان للحكومة الألمانية.
قال وولفغانغ نيدل، أستاذ في جامعة لايبنيز هانوفر، وهي من الجامعات المشاركة في المشروع: "مع "SOOFI" نضع الأساس للجيل المقبل من نماذج الذكاء الاصطناعي الأوروبية، السيادية والقوية والواقعة بالكامل في أيدٍ أوروبية".
وأضاف: "إن النماذج الكبيرة للذكاء الاصطناعي التي تحترم القيم الأوروبية ضرورية لبناء الثقة في الذكاء الاصطناعي، لا سيما في مجالات حساسة مثل التعليم والطب والإدارة والإنتاج".
وقالت شركتا الاتصالات "دويتشه تيليكوم" و"تي-سيستمز" إن الهدف هو أن يضم "SOOFI" 100 مليار مُعامِل أو إعداد يتحكّم في سلوك النموذج.
وتُقدّم الشركتان دعما تقنيا للنموذج اللغوي الكبير في أحد مصانع الذكاء الاصطناعي التابعة لهما. ولتدريب النموذج، ستستخدم "دويتشه تيليكوم" نحو 130 شريحة من "NVIDIA" وأكثر من 1.000 وحدة معالجة رسومية (GPU) ستكون جاهزة بحلول مارس المقبل.
وقالت جامعة "TU Darmstadt"، وهي من الجامعات الألمانية المشاركة في المشروع، إن "SOOFI" سيحدّد أيضا المتطلبات اللازمة لبناء الخبرات في كل جوانب تطوير النماذج الكبيرة للذكاء الاصطناعي، من جمع البيانات وتحضيرها إلى بناء البرمجيات وتدريبها.
سويسرافي سبتمبر، أطلقت مبادرة الذكاء الاصطناعي السويسرية "Apertus"، وهو أول نموذج لغوي متعدد اللغات في البلاد.
"Apertus"، وهي كلمة لاتينية بمعنى "مفتوح"، تتيح للباحثين والمهنيين والجمهور تخصيص النموذج لاحتياجاتهم الخاصة.
ويقول المطوّرون إن كل ما يتعلق بالنموذج متاح للاستخدام، بما في ذلك معمارية التدريب، ومجموعات البيانات، والشفرة المصدرية، وأوزان النموذج، أي المعاملات التي تُرشد النموذج اللغوي الكبير إلى كيفية تفسير البيانات.
وقالت "ETH Zurich"، وهي من الجامعات المتعاونة، إن "Apertus" تم تدريبه على 15 تريليون رمز أو قطعة معلومات عبر أكثر من 1.000 لغة، مثل الألمانية السويسرية والرومانش.
وتم رفع "Apertus" على "Public AI"، وهي بوابة وصول إلكترونية للنماذج السيادية، بحيث يتمكن الناس حول العالم من الوصول إلى النموذج.
وقالت مبادرة الذكاء الاصطناعي السويسرية إنها ستستكشف نماذج متخصصة في مجالات القانون والمناخ والصحة والتعليم.
قال أنطوان بوسيلو، الشريك في قيادة مبادرة الذكاء الاصطناعي السويسرية، عبر "Public AI": "هذا الإصدار ليس خطوة نهائية، إنه بداية". وأضاف: "نحن نمضي نحو التزام طويل الأمد بأسس للذكاء الاصطناعي السيادي والمفتوح تخدم الصالح العام على مستوى العالم".
بولندافي فبراير، أطلقت بولندا نموذجها اللغوي الكبير المحلي، النموذج اللغوي البولندي الكبير ("PLLuM").
وجاء في بيان حكومي وقت الإطلاق أن "PLLuM" "مصمم وفق خصوصيات اللغة البولندية"، بحيث تتمكّن أي مشاريع للخطاب أو الكتابة عبر الذكاء الاصطناعي من "التعامل بشكل ممتاز مع تحديات التصريف والبنى النحوية المعقدة".
وتُشير الحكومة إلىأن نماذج "PLLuM" يمكن تحويلها إلى تطبيقات ذكاء اصطناعي تُساعد على كتابة النصوص والبريد الإلكتروني، وتلخيص الوثائق، ومساندة الطلاب في الاستعداد للدروس، وتوليد محتوى روبوتات الدردشة، والتخطيط للرحلات، أو إعداد المخططات.
وقال داريوش ستاندرسكي، نائب وزير الشؤون الرقمية في بولندا، آنذاك إن "PLLuM" "استثمار في الدولة الرقمية".
وأضاف ستاندرسكي خلال إطلاق النموذج أنه سيتوسع ليصبح "Hive AI": نظاما سيُدمج في نهاية المطاف ضمن عمليات الإدارة العامة الحكومية ويساعد على تطوير "منظومة الذكاء الاصطناعي الوطنية".
فعلى سبيل المثال، سيحصل الجمهور على إمكانية الوصول إلى مساعد افتراضي يُعينهم على الحصول على المعلومات العامة، ومساعد مكتبي "ذكي" يُؤتمت معالجة الوثائق واسترجاع المعلومات.
لاحقا، سيُستَخدم "PLLuM" أيضا لمساعدة المعلمين على "إجراء دروس جذابة" باستخدام أحدث التقنيات في الفصول الدراسية.
إسبانيافي يناير، أطلق"Alia" "مركز برشلونة للحوسبة الفائقة (BSC)"، وهو "أول بنية تحتية أوروبية مفتوحة ومتعددة اللغات"، سيُطوّر "ذكاء اصطناعيا مسؤولا في خدمة الناس".
وطوّر "BSC" مشروع "Alia" بمساعدة "MareNostrum 5"، وهو حاسوب فائق قادر على إجراء 314 كوادريليون عملية حسابية في الثانية.
يُوفّر "Alia" قاعدة بياناتمفتوحة للموارد، مثل مجموعات البيانات والنماذج اللغوية وأدوات الدمج بالإسبانية والباسكية والكتالانية والجاليكية، لمساعدة الشركات الناشئة على بناء نماذجها المحلية الخاصة.
وفي نهاية المطاف، قالت "الوكالة الإسبانية للإشراف على الذكاء الاصطناعي (AESIA)" إن "Alia" سيتحوّل لاحقا إلى روبوت دردشة لوكالة الضرائب، وسيُدمج في تطبيق قادر على تشخيص قصور القلب بسهولة.
ويستند مشروع "Alia" أيضا إلى "Ilena"، وهي مبادرة أخرى للحكومة الإسبانية أنشأت أكثر من 100 مورد في مجال الذكاء الاصطناعي باللغات الإسبانية والباسكية والكتالانية والجاليكية لتستخدمها الشركات المحلية.
في عام 2020، أطلقت حكومة كتالونيا "Aina"، وهو مشروع تجريبي يُنتج نماذج حاسوبية باللغة الكتالانية لشركات أخرى ترغب في بناء منتجات ذكاء اصطناعي مثل المساعدات الصوتية والمترجمات الآلية أو وكلاء المحادثة.
ودربت الحكومة ذلك النموذج على قاعدة بيانات أولية باللغة الكتالانية تضم 1,7 مليون كلمة مُجمّعة في 95 مليون جملة.
هولندافي عام 2023، بدأت ثلاث منظمات غير ربحية في تطوير نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر يتحدث الهولندية يُدعى "GPT‑NL".
يصف موقع مُخصّصللمشروع "GPT‑NL" بأنه نموذج "للغة والثقافة الهولندية: موثوق وشفاف وتبادلي وذو سيادة".
ويعمل الكونسورتيوم باستخداممزيجا من البيانات المُتحصّل عليها بموجب اتفاقات حقوق النشر من مصادر عالية الجودة، والبيانات العامة، بالإضافة إلى توليد بياناته الاصطناعية الخاصة.
وقد وقّع الكونسورتيوم مؤخرا اتفاقا مع ناشرين هولنديين تحت مظلة منظمة NDP Nieuwsmedia ووكالة الأنباء ANP لاستخدام مقالاتهم في تدريب "GPT‑NL". وفي المقابل، يحصل الناشرون على حصة من أرباح النموذج اللغوي الكبير عند إطلاقه في نهاية المطاف.
وسيكون المشروع أيضا مفتوح المصدر، ما يعني أن المؤسسات الأكاديمية والباحثين والحكومة يمكنهم تجربة تطبيقاته في مجالات الصحة والتعليم والخدمات. وقد يتعيّن على المستخدمين الذين لا يستخدمون النموذج اللغوي الكبير لأغراض مهنية دفع رسما صغيرا للوصول إليه عند توفره.
وبدأ الباحثون تدريب النموذج في يونيو 2025، وهم يتوقعون أن تكون النسخة الأولى متاحة قبل نهاية العام، وفقا لتحديث حديث.
البرتغالمنذ عام 2024، يعمل كونسورتيوم من جامعات برتغالية على نموذج ذكاء اصطناعي سيادي يُدعى "Amalia".
وقالت "مدرسة نوفا للعلوم والتكنولوجيا"، وهي إحدى الجهات البحثية وراء "Amalia"، إنه قادر على الإجابة عن الأسئلة وتوليد الشيفرات وشرح المفاهيم وتلخيص النصوص وتفسير المعلومات باللغة البرتغالية وبسياق محلي.
حتى الآن، اختبر الباحثون النسخة التجريبية من "Amalia" في سبتمبر، ويعملون على طرح عام للذكاء الاصطناعي في منتصف عام 2026.
وتخطط الحكومة بالفعل لاستخدام هذا النموذج اللغوي الكبير في خدمات الإدارة العامة عبر بوابتها الإلكترونية وفي المجال العلمي للمساعدة في التحليل.
تقارير محلية قالت إن "Amalia" لن يكون متاحا لعامة الجمهور عند تطويره كروبوت دردشة، لكن شيفرة النموذج اللغوي الكبير ستكون مفتوحة المصدر لكي تتمكن شركات برتغالية أخرى من استخدامها في نماذجها للذكاء الاصطناعي.
انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة
المصدر
المصدر: euronews
كلمات دلالية: إسرائيل الصحة روسيا البابا ليو الرابع عشر فلاديمير بوتين قطاع غزة إسرائيل الصحة روسيا البابا ليو الرابع عشر فلاديمير بوتين قطاع غزة جدول أعمال الاتحاد الأوروبي تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي إسرائيل الصحة روسيا البابا ليو الرابع عشر فلاديمير بوتين قطاع غزة كوريا الشمالية المسيحية كيم جونغ أون بيروت القدس لبنان الذکاء الاصطناعی للذکاء الاصطناعی ذکاء اصطناعی اصطناعی ت
إقرأ أيضاً:
كاتبة بريطانية تحذر: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يضعف الإبداع والوعي الإنساني
وسط الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي في الكتابة والإعلام والحياة اليومية، تتصاعد التحذيرات من أن الاعتماد المفرط على هذه الأدوات حيث أنه لا يهدد دقة المعلومات فحسب، بل يضعف أيضا قدرة البشر على التفكير والإبداع والتعبير عن ذواتهم، وفقا لما نشرته صحيفة الغارديان.
ونشرت صحيفة "الغارديان" مقالا للصحفية نسرين مالك قالت فيه إن البشر يخسرون قدرتهم على التواصل وتنظيم مجتمعاتهم من أجل السهولة والسرعة، مضيفة أنه "يجب أن نُؤكّد ثقتنا بالبشر بدل الآلات".
وأشارت الى السيناريو الكابوس التالي: "أنت تُؤلّف كتابا عن كيفية إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل الواقع. تبدأ باستخدامه كشريك بحثي، واثقا من أنك تُطبّق أفضل الممارسات بعدم السماح له بكتابة جملة واحدة في الكتاب. تعتقد أنك ستكون حذرا، وستُدقّق في كل شيء. ثم يصدر كتابك، ويتضح أنه يحتوي على أكثر من ستة اقتباسات منسوبة خطأ أو مُزيّفة. اعترف الكاتب ستيفن روزنباوم، الذي وقع ضحية هذا الخطأ، بأن مُخرجات الذكاء الاصطناعي كانت أحيانا "خاطئة بشكل مُذهل"، ولكن مع ذلك، تسلّلت الأخطاء".
كما ذكرت أن هناك أمثلة أخرى. فقد غرقت قصة قصيرة حائزة على جائزة الكومنولث في ادعاءات بأنها تحمل سمات الذكاء الاصطناعي. وأنه في كل مرة ترى فيها تقرير صحفي وقع ضحية اقتباسات مزيفة من الذكاء الاصطناعي أثناء بحثه، تدعو الله أن يحفظها، وقال إنه لولا لطف الله لكانت مكانه. ولكن لكي لا تترك الأمر للرحمة وحدها، تتجنب تماما التعامل مع هذه الاقتباسات. فعندما تظهر نتائج الذكاء الاصطناعي كخيار افتراضي في محركات البحث، ترفضها وتستنكرها، وكأنها تحمل في طياتها سحرا خفيا يتسلل إلى العقل بمجرد التفاعل معها ويسيطر عليه.
وأكدت أن هذا النهج الرهباني، الذي يكاد يكون جنون ارتياب، ليس فقط لأن الذكاء الاصطناعي أداة بحث محفوفة بالمخاطر وغير موثوقة، بل هو صوت، ونبرة، وتردد. مضيفة أن لغة الذكاء الاصطناعي تطاردها في ملايين الترانيم الرتيبة المتشابهة، من خدمة العملاء إلى منشورات وسائل التواصل الاجتماعي إلى البيانات الصحفية. حتى وهي تكتب هذه السطور، يساورها القلق من أن تبدو كلماتها ككلمات الذكاء الاصطناعي، وأنها استوعبت، بطريقة ما، من خلال التعرض المتواصل لها، رتابتها وإسهابها، وجملها القصيرة الموجزة، وسردها الإعلاني، ومحاكاتها غير الرسمية للشخصية: “أهلا! أتمنى أن تكونوا بخير. ظننتُ أنك قد ترغب بكتابة مقال عن الذكاء الاصطناعي، وهو موضوع يشغل بال المفكرين والكتاب بشكل متزايد. هل ترغب في معرفة المزيد؟"
ثم طرحت السؤال: "ما الذي نخسره في خضمّ هذا الجدل؟" وأجابت بالقول إن الكتابة ليست مجرد التعبير عن الأفكار بالكلمات بأسلوب معين: تحليل، أدب روائي، سرد قصصي. إنها تتعلق بالكيمياء الخاصة للفرد، حيث يستمدّ من بصمته الفريدة لبناء فكرة. إنها تتعلق بطريقة عمل دماغه، والخصائص التي اكتسبها على مرّ السنين، وآرائه السياسية، وتاريخه، وعلاقاته، ونظرته للعالم. يمكنك إنتاج ألف كاتب مثل ديكنز والرومي باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنك لن تستطيع خلق كاتب أيقوني جديد. كل ما يمكنك فعله هو الاستفادة من الأساليب الموجودة بالفعل. يمكنك فقط الاشتقاق، لا الإبداع.
وقالت إنه إضافة لذلك هناك الضمور. فقدان القدرة على البحث عن الكلمة المناسبة، على صياغة صورة لفظية. فبإمكان الكاتب توفير دقائق ثمينة مع اقتراب الموعد النهائي، ويطلب من الذكاء الاصطناعي أن يبتكر له عبارة مناسبة، أو بإمكانه التريث والتفكير مليا في أن مقاومة الكتابة بمساعدة الذكاء الاصطناعي أشبه بمحاولة تجنب استنشاق فيروس ينتقل عبر الهواء. وأضافت أن هذا قد لا يكون تشبيها بليغا، ولكنه تشبيهها الخاص. وهو يساعدها، في الكتابة، على ترسيخ أفكارها. سواء أكان نصا سياسيا أم بريدا إلكترونيا، فإن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في كل شيء، من البحث إلى الكتابة، يقطع الصلة بين الشعور والتعبير. إنه يُفرغ كل شيء من رونقه، ويخنق قدرة المرء على توجيه أفكاره، والتفاعل معها، والمفاجأة بما يدور في ذهنه. عندما تصبح التكنولوجيا وسيلة لتقليل الجهد المبذول بكل الطرق، فإنها تُصبح في نهاية المطاف عائقا أمام الوعي الحقيقي. تُظهر الأبحاث، التي لا تُثير الدهشة على الإطلاق، أن الاعتماد على برامج الذكاء الاصطناعي قد يُقلل من تفاعل الدماغ.
وأوضحت أن الأمر الأكثر إحباطا هو مدى ملاءمة هذا التضييق على الذات للوضع السياسي الراهن، الذي يتسم بوفرة المحتوى والمعلومات المغلوطة. ينتشر الذكاء الاصطناعي بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنشر الحسابات بثقة نصوصا مطولة حول كل شيء، من حروب الشرق الأوسط إلى تجارب شخصية مؤثرة لم تحدث في نوع من الخيال العلمي. وفي السياسة، يهيمن صوت أشبه بصوت كير ستارمر، بنبرة رتيبة من الشعارات الفارغة المتكررة والردود المراوغة. والنتيجة هي محرضون يمينيون متطرفون يثرثرون في بحر من التضليل، أو سياسيون وسطيون يعيشون في خوف من الخروج عن الوضع الراهن. أما الأفكار أو السياسات القليلة التي يمتلكونها، فهي مختبئة في وضح النهار، محجوبة بتأثير غريب يتمثل في محاولة كتم المشاعر خشية اتهامهم بتبني أيديولوجية حقيقية.
وقالت: "سامحوني إن بدوتُ كشخص مُعارض للتكنولوجيا، ولشعوري ببعض القلق الأخلاقي حيال تقنية تُسهم ظاهريا في إتاحة المعرفة للجميع وتذليل العقبات أمام الكتابة. لكنّ معايرتها مُختلة تماما، ما يُؤدي إلى دمج استخدام الذكاء الاصطناعي الحقيقي مع صوته العام. ثمة ما يُشبه الآن حملة مطاردة تُشنّ على تحليل النصوص باستخدام برامج الذكاء الاصطناعي واتهام الكُتّاب بالغش، كرد فعل على التغلغل المُحيّر لهذا الصوت في كل شيء، وعلى مدى انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي".
ونقلت عن روزنباوم قوله: "أي كاتب يعمل اليوم ويجلس أمام جهاز كمبيوتر، سواء كان يكتب مقالات طويلة أو مُلتزما بمواعيد نهائية أو يعمل في المجلات، أيا كان أسلوب عمله، فهو يستخدم الذكاء الاصطناعي بطريقة أو بأخرى، جزئيا على الأقل لأنه ليس فقط جذابا للغاية، بل إنه قيّم جدا أيضا". ثم قالت إن هذا تعليق بالغ الدلالة، ويكشف عن تشاؤم عميق، يرفض حتى مجرد الإقرار بإمكانية وجود عالم نملك فيه خيارا، تتجاوز أهميته مجرد الملاءمة.
وختمت المقال بالقول إنّ الأمر لا يقتصر على بعض الأخطاء المؤسفة هنا وهناك، بل يتعداه إلى التزام بالسعي، وإن كان غير كامل، ولكن دائما بمصداقية. في ذلك يكمن عقد اجتماعي كامل يدعم قدرتنا على الثقة المتبادلة. عندما يقاوم المرء الذكاء الاصطناعي، فإنه يستثمر في الحفاظ على مصداقية العالم الذي نعيشه جميعا. وكما قال جورج برنارد شو: "عقاب الكاذب ليس في عدم تصديقه، بل في عجزه عن تصديق أي أحد".