عمروف.. تتاري مسلم يقود وفد المفاوضات الأوكراني
تاريخ النشر: 1st, December 2025 GMT
في خضم التصعيد السياسي والميداني الذي يرافق المفاوضات الأوكرانية الأميركية حول خطة السلام المقترحة، برز اسم رستم عمروف أمين المجلس الوطني للأمن والدفاع، بوصفه الواجهة الجديدة لجهود الدبلوماسية في كييف.
وقد تولى عمروف رئاسة الوفد الأوكراني إلى المباحثات في فلوريدا بعد إقالة أندري يرماك إثر فضيحة فساد أربكت موقع الرئيس فولوديمير زيلينسكي وأضعفت موقفه التفاوضي، وتأتي هذه التغييرات بينما تتعرض أوكرانيا لضغط أميركي متزايد للقبول بتنازلات إقليمية، في ظل نقص السلاح والمال وتصاعد الهجمات الروسية.
وعلى المستوى الميداني والسياسي، تتعامل كييف مع مبادرة أميركية معدلة تشمل نحو 19 بندا، بعد حذف بعض النقاط الخلافية وتأجيل أخرى إلى تفاوض مباشر بين زيلينسكي والرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبينما تصف كييف المباحثات الأخيرة بأنها "بناءة"، لا تزال الضمانات الأمنية محورا عالقا، في وقت تواصل فيه روسيا توجيه ضربات ليلية لأهداف بأوكرانيا، وتستعد واشنطن لتقييم جولة جديدة من الوساطة عبر مبعوثها ستيف ويتكوف، الذي يُتوقع أن يعود قريبا إلى موسكو لمحاولة تضييق فجوات المواقف.
خلفية دينية وسياسيةينحدر روستم عمروف من تتار القرم، وهو مسلم ممارس لتعالميه الدينية ويرتبط بعلاقة وثيقة مع الزعيم التاريخي لتتار القرم مصطفى جميلوف، وقد جعلته خلفيته القومية والدينية صوتا ثابتا في الدفاع عن حقوق التتار وقضية تحرير القرم منذ أن ضمتها روسيا عام 2014.
ودخل البرلمان عام 2019 ضمن حزب هولوس الإصلاحي، قبل أن يتولى وزارة الدفاع بين 2023 و2025، حيث اكتسب خبرة واسعة في التفاوض حول إمدادات الأسلحة مع الدول الغربية، كما لعب دورا محوريا في اتفاق الحبوب الذي رعته تركيا عام 2022، مما منحه سمعة مفاوض هادئ وفعال يتقن الإنجليزية والتركية، ويعرف جيدا كيف يُوازن بين الضغوط الدولية وحاجات أوكرانيا الأمنية.
إعلانإنها مسؤولية جسيمة -وفقا لتقرير بصحيفة لاكروا- لا سيما في ظل فترة حرجة تمر بها أوكرانيا، إذ تتعرض البلاد لضغوط شديدة من الولايات المتحدة لتقديم تنازلات عن أراض تحتلها روسيا.
وبين الضغوط الأميركية، وتصلب الموقف الروسي، وتبدل التوازنات داخل القيادة الأوكرانية، يحاول زيلينسكي الحفاظ على شرعيته الداخلية والدولية عبر مسار دبلوماسي نشط، كان آخره وصوله إلى باريس للتشاور مع الجانب الأوروبي.
وتعليقا على ما تمر به أوكرانيا من قضايا فساد، نقلت الصحيفة عن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو قوله في مقابلة مع صحيفة لاتريبيون -أمس الأحد- إنه "تجب معالجة قضايا الفساد من قِبل المؤسسات المختصة"، مضيفا أن زيلينسكي له "كل الشرعية في قيادة أوكرانيا نحو السلام".
وبينما تتواصل الهجمات الجوية الروسية وترد كييف بضربات على البنية النفطية الروسية، يبقى نجاح أي اتفاق مرهونا بقدرة عمروف على انتزاع ضمانات أمنية تُقنع الأوكرانيين بقبول وقف إطلاق النار، وباستعداد واشنطن للذهاب إلى أبعد من التصريحات "البناءة" نحو التزامات ملموسة، وفقا لصحيفة لاكروا.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.