لجريدة عمان:
2026-07-24@22:46:48 GMT

دونالد ترامب يسعى لتغيير أنظمة الحكم في أوروبا

تاريخ النشر: 13th, December 2025 GMT

ترجمة: أحمد شافعي 

متى سنفهم الرسالة؟ كنت أمزح قبل شهور قليلة فأقول إن أوروبا في ما يتعلق بدونالد ترامب تحتاج إلى أن تتعلم من شخصية ميراندا هوبز في مسلسل (الجنس والمدينة) فتدرك أنه «ببساطة غير مهتم بك». 

ثم اتضح الأسبوع الماضي أن في هذا المزاح تهوينًا من المشكلة؛ فليس أمر أمريكا في عهد ترامب أنها غير مبالية فقط بأوروبا، وإنما هي تكن لها العداء، وهذا أمر له تبعات هائلة على القارة وعلى بريطانيا لا يزال كثير للغاية من قادتنا يرفضون مواجهتها.

 

لقد انكشف عمق العداء الأمريكي بجلاء شديد في استراتيجية الأمن الوطني الأمريكية الجديدة، وهي وثيقة من تسع وعشرين صفحة تمثل بيانا رسميا بالسياسة الخارجية لإدارة ترامب الثانية. وفي هذه الوثيقة الكثير مما يرثى له، ابتداء بعلامات التنصيص المريبة التي تظهر حول الإشارة الوحيدة إلى «تغير المناخ»، لكن الفقرات الأشد صدمة هي التي تستهدف أوروبا. 

قد تتصورون أن الصين وروسيا في نظر الولايات المتحدة هما التهديدان الاستراتيجيان الحقيقيان الجديران بالانتباه، لكن الوثيقة لا تشير إليهما إلا بسطحية وإيجاز نسبي. فأوروبا هي التي تثير فريق ترامب بحق، ولذلك تطلق الوثيقة على أوروبا مفرقعاتها اللغوية، فتحذر من أن الركود الاقتصادي و«الرقابة على حرية التعبير وقمع المعارضة السياسية وانخفاض معدلات المواليد انخفاضًا حادًا» والهجرة في المقام الأكبر تنذر بـ«احتمال صارخ لانطماس حضاري». 

لستم بحاجة إلى برنامج متقدم لفك الشيفرات كي تستخلصوا معنى هذا. فالوثيقة تتخوف من أن بعض بلاد أوروبا سوف تصبح عما قريب «ذات أغلبية غير أوروبية»، وذلك ما لا يمكن ترجمته إلا بأنها ستكون «غير بيضاء». وأي شك في هذا تبدد في الخطاب المسهب الذي ألقاه الرئيس في بنسلفانيا يوم الثلاثاء وتساءل فيه عما يجعل الولايات المتحدة تستقبل فقط بشرًا من «بلاد منحطة» من قبيل الصومال، وتساءل في حسرة «لماذا لا يكون لنا بعض الناس من النرويج والسويد... ومن الدنمارك؟». 

لعل هذا ما كان ليصبح ذا شأن كبير لو أن غاية أمره أنه يؤكد أن ترامب ودائرته ينظرون إلى أوروبا بمثل عدسات الحرب الثقافية التي ينظرون بها إلى الولايات المتحدة فيلومون الهجرة و(التنوع والمساواة والاحتواء) وسياسات «الصحوة» في إضعاف المجتمعات التي كانت أقوى حين كانت أغلبيتها بيضاء مسيحية (وذلك فهمهم لـ(الأوروبي»). ولكن ذلك ليس محض لغو تلغو به شبكة فوكس نيوز. إنما هو خطة. 

توضح وثيقة الأمن الوطني أن إدارة ترامب لن تقف ساكنة بينما تسمح أوروبا لنفسها بأن تصبح «قارة أخرى في غضون عشرين عاما أو أقل». فهي تخطط لخوض الصراع، بدعم أحزاب أقصى اليمين القومية المتطرفة التي تصفها بـ«المقاومة». وتقول إن «التأثير المتنامي للأحزاب الأوروبية الوطنية» يدعو لأقصى التفاؤل وإن الولايات المتحدة سوف تبذل أقصى ما في وسعها لمساعدة أوروبا على «تصحيح مسارها القائم»؛ أي أن الولايات المتحدة بعبارة أخرى مستعدة للسعي إلى تغيير أنظمة حكم في أوروبا وسوف تلقي بثقلها وراء أمثال «حزب البديل من أجل ألمانيا» في ألمانيا وحزب (التجمع الوطني) في فرنسا وبالطبع حزب (الإصلاح) في المملكة المتحدة. 

يسعى المدافعون عن ترامب إلى القول بأنه ما من مشكلة لدى إدارته مع أوروبا في ذاتها، لكن ما لا تحتمله هو الاتحاد الأوروبي. ويقولون إن أوروبا ذات الدول الوطنية المنفردة ذات السيادة سوف تلقى ترحابًا دافئًا من واشنطن في عهد ترامب. 

ويتصادف وحسب أن هذا هو ما يفضله أيضا فلاديمير بوتين الذي يعد إضعاف الاتحاد الأوروبي أو كسر شوكته هدفا استراتيجيا له منذ عقود. فلا عجب في أن الكريملين يكيل الثناء للخطة الأمريكية الجديدة التي سرَّه أنها متوافقة مع «رؤيتنا». 

قد يكون الحديث عن الرؤى أمرًا جليلًا؛ فلعل ما يقود واشنطن إلى مشاركة موسكو في ازدرائها للاتحاد الأوروبي ليس فلسفة ولكنه شيء أدنى كثيرا. 

ولاحظوا الطريقة التي رأت جوقة من مسؤولي ترامب أن تؤكد بها موقفها المناهض للاتحاد الأوروبي ـ بأجلّ العبارات بالطبع ـ فور فرض بروكسل غرامة على موظف ترامب السابق إيلون ماسك قدرها مائة وعشرون مليون يورو بسبب ممارسات «الخداع» المتبعة في منصته إكس. فهل يمكن أن يكون ما يمقته ترامب وأتباعه حقا في الاتحاد الأوروبي هو أنه من القوى القليلة في الكوكب القادرة على كبح قوتهم؟ وأن للاتحاد الأوروبي عضلات، وذلك فقط ما يثير غضب أمثال ماسك وترامب، خاصة وأن القاسم المشترك في ولاية ترامب الثانية هو الرغبة في إزالة أو إضعاف أي قيد على حرية التحرك. فخير له طبعا وجود تجمع فضفاض من سبع وعشرين دولة يمكنه تقسيمها والنفاذ فيها من وجود كتلة ذات بأس تعمل مجتمعة. 

غير أن الدافع ليس ذا قيمة كبيرة، فسواء اعتبرت الولايات المتحدة الاتحاد الأوروبي عدوا لأسباب مصلحية أم أيديولوجية، فإنها الآن تراه عدوًا. وكان ينبغي أن يكون هذا واضحا في غضون أسابيع من عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وكان ينبغي أن يتضح بلا شك في فبراير حينما وبخ فلودومير زيلينسكي في المكتب البيضاوي. لكن ها هي الولايات المتحدة أوضحت عداءها بلا لبس وعلى نحو لا جدال فيه. 

لكن المشكلة هي أن قادة أوروبا لا يزالون غير قادرين على مواجهة هذه الحقيقة الجديدة المؤلمة. 

فقد أعلن رئيس الناتو مارك روته يوم الخميس بنبرة منذرة أن «روسيا أرجعت الحرب إلى أوروبا» و«أننا هدف روسيا التالي». وتخوف من أن الكثيرين لا يشعرون بخطورة التهديد. لكنه لم يشر إلى أن أقوى عضو في حلف الناتو أي الولايات المتحدة، قد اختار الفريق الذي سوف يقف معه في هذه الحرب، وأن الاختيار قد وقع على روسيا. 

لاحظوا كيف تزيد الولايات المتحدة الضغوط على أوكرانيا كي تقبل شروطًا للهدنة ملائمة لروسيا، وتصدر تعليمات لكييف بالانسحاب من أجزاء في الدونباس لا تزال تسيطر عليها، دونما ضمانات بألا تقوم القوات الروسية ببساطة بالتحرك للاستيلاء على ما تخلت عنه أوكرانيا من أرض. وقال ترامب لأوكرانيا، من خلال حوار مع بوليتيكو، إن عليها أن «تتعاون» ما دامت لروسيا «اليد العليا». 

يحذر روته من الحرب، ويحض أوروبا على الاستعداد، ولكن ليس لديه ما يقوله عن الحليف السابق في الجهة الأخرى من الأطلنطي الذي استحال الآن إلى خصم. 

بل إن قائد الناتو، على العكس من ذلك، كان حتى أشهر قليلة ماضية يصف ترامب حرفيا بـ«أبي». 

لا يكاد يوجد من يجسد التناقض أكثر من كير ستارمر رئيس وزراء بريطانيا؛ فهو يتباهي بتضامنه مع زيلينسكي، لكنه يلزم الصمت حينما يبدي ترامب تضامنه مع بوتين. ويعلم رئيس الوزراء أن الدفاع عن أوكرانيا يقتضي جمع قدرات أوروبا العسكرية، غير أنه سمح في الشهر الماضي بانهيار خطة انضمام المملكة المتحدة إلى جهود إعادة التسلح الأوروبية. 

فقد أرادت الحكومة البريطانية أن تشارك في هذه الخطة البالغة قيمتها مائة وخمسين مليار يورو بما يعزز صناعة الدفاع البريطانية في ثنايا ذلك، لكنها تراجعت بسبب رسوم الاشتراك. 

وفي هذا الأسبوع استبعد ستارمر الانضمام مرة أخرى إلى الاتحاد الجمركي الأوروبي، موضحا أنه لم يشأ أن يفكك الاتفاقية التجارية المبرمة في مطلع العام الحالي مع الولايات المتحدة. فهو الخيار نفسه، يتخذ مرة تلو الأخرى، بتقديم العلاقة مع الولايات المتحدة على العلاقة الأوروبية، حتى لو كانت الإشارات في غاية الوضوح إلى أنها علاقة حب من طرف واحد. وإنه لأمر خطير حينما يكون أقوى صوت جيوسياسي في أوروبا هو صوت البابا. فقد انتقد ليو الرئيس ترامب لـ«محاولته تفكيك» التحالف الأطلنطي الذي لا يزال ضروريًا، وفي المناخ الحالي، حتى تسمية المشكلة باسمها بات يمثل فعلًا راديكاليًا.  ولقد حان الوقت للقادة الذين لا يتكلمون باسم الرب، وإنما باسم شعوب أوروبا، لأن يتحلوا بمثل هذه الشجاعة. 

جوناثان فريلاند من كتاب الرأي في صحيفة ذي جارديان 

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الولایات المتحدة الاتحاد الأوروبی

إقرأ أيضاً:

دونالد ترامب وقع في الفخ الإيراني.. ويميل إلى التصعيد

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

تتبادل الولايات المتحدة وإيران الآن الضربات. استؤنفت المواجهات في 7 يوليو، عندما فرضت طهران حصارًا جديدًا على مضيق  هرمز في انتهاك لمذكرة  التفاهم الموقعة في يونيو. وبعد أن وعد ترامب بجعل إيران تدفع "ثمنًا باهظًا" مقابل كل قتيل أمريكي جديد، أعلن يوم الأربعاء أن الجيش الأمريكي سيضرب "جسرًا أو محطة توليد كهرباء" كلما أطلقت طهران النار على سفينة في المضيق. وقد فرضت الولايات المتحدة مجددًا حصارًا بحريًا حول إيران، وتقوم بتحويل مسار جميع السفن التجارية التي تحاول دخول الموانئ الإيرانية.

لكن يبدو أن إيران لا تتأثر بمنطق المعاملة بالمثل. فقد توعدت طهران بـ"الرد" بعد ليلة ثالثة عشرة على التوالي من القصف الأمريكي على أراضيها، و"طالما استمرت الهجمات الأمريكية على البنية التحتية والمناطق الساحلية للبلاد ". 

 وتواصل إيران استهداف السفن الحربية والتجارية في الخليج والبحر الأحمر، إضافة إلى إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه القواعد الأمريكية في المنطقة، في محاولة لإظهار أن الضربات الغربية لم تنجح في تقليص قدرتها على الرد. كما كثفت الجماعات الحليفة لطهران، وفي مقدمتها الحوثيون، عملياتها ضد الملاحة الدولية، ما وسّع نطاق المواجهة إلى أكثر من جبهة في وقت واحد.

وبالتوازي مع التصعيد العسكري، دفعت واشنطن بمزيد من القطع البحرية والطائرات المقاتلة ومنظومات الدفاع الجوي إلى الشرق الأوسط، في خطوة تؤكد استعدادها لاحتمال مواجهة أطول مما كان متوقعًا. ويقول مسؤولون أمريكيون إن هذه التعزيزات تهدف إلى حماية القوات الأمريكية وردع أي هجمات إضافية، لكن حجم الحشد العسكري يعكس أيضًا إدراكًا متزايدًا بأن الأزمة تجاوزت مرحلة الضربات المحدودة.

وفي واشنطن، يزداد الجدل بشأن ما إذا كانت الإدارة الأمريكية لا تزال تسيطر على إيقاع الأحداث، أم أنها أصبحت تلاحق تطورات يفرضها الخصم. فكل رد إيراني يستدعي ردًا أمريكيًا جديدًا، وكل تصعيد أمريكي يقابله تصعيد مضاد، بما يجعل دائرة المواجهة تتسع تدريجيًا من دون أن يحقق أي من الطرفين اختراقًا حاسمًا.

ويرى عدد من الخبراء أن إيران نجحت، حتى الآن، في فرض معادلة تقوم على توزيع ساحات الصراع. فبدلًا من مواجهة تقليدية مباشرة، تدور المواجهة عبر الخليج، والبحر الأحمر، والعراق، وسوريا، واليمن، وهو ما يزيد تكلفة العمليات الأمريكية ويجعل حماية القوات والمصالح الأمريكية أكثر تعقيدًا.

لكن هذا لا يعني، بحسب هؤلاء، أن طهران في موقع قوة. فالاقتصاد الإيراني يواجه ضغوطًا متزايدة، والبنية التحتية العسكرية والمدنية تعرضت لخسائر كبيرة، كما أن استمرار القصف الأمريكي يضع النظام أمام اختبار صعب بين مواصلة التصعيد أو القبول في مرحلة لاحقة بالعودة إلى التفاوض، حسبما ذكرت صحيفة "لو فيجارو" فى تقريرٍ لها.

فخ التصعيد

ويعتقد محللون أن الرئيس الأمريكي يواجه معضلة استراتيجية. فمنذ اندلاع الأزمة، سعى إلى إظهار الحزم العسكري مع تجنب الانخراط في حرب شاملة، إلا أن التطورات الميدانية جعلت هذا التوازن أكثر صعوبة. فكلما وسعت إيران نطاق ردودها، ارتفعت الضغوط داخل واشنطن للمطالبة برد أقوى، بما قد يدفع الإدارة تدريجيًا إلى خيارات كانت تستبعدها في بداية الأزمة.

وفي المقابل، تراهن طهران على أن الولايات المتحدة لا ترغب في خوض حرب مفتوحة وطويلة في الشرق الأوسط، خصوصًا في ظل ارتفاع تكلفتها العسكرية والاقتصادية، وما قد تتركه من آثار على الداخل الأمريكي. ولذلك تبدو الاستراتيجية الإيرانية قائمة على استنزاف الخصم تدريجيًا، وإبقائه في حالة استنفار دائم، بدلًا من السعي إلى مواجهة فاصلة.

ويكشف اتساع رقعة المواجهة أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالبرنامج النووي الإيراني أو بحرية الملاحة في مضيق هرمز، بل أصبحت اختبارًا لقدرة الولايات المتحدة على إدارة صراع متعدد الجبهات في منطقة شديدة التعقيد.

كما توحي التعزيزات العسكرية الأمريكية بأن واشنطن تستعد لاحتمال استمرار المواجهة لأسابيع أو أشهر، حتى وإن كانت لا تزال تعلن أن هدفها هو ردع إيران وليس إسقاط نظامها. غير أن التاريخ يشير إلى أن كثيرًا من الحروب تبدأ بعمليات محدودة، ثم تتوسع تدريجيًا بفعل منطق الرد والرد المضاد.

وفي هذا السياق، يبدو أن الخطر الأكبر لا يكمن في ضربة بعينها، وإنما في غياب مخرج سياسي واضح. فكلما طال أمد المواجهة، ازدادت احتمالات سوء التقدير، واتسعت مساحة الخطأ، وارتفعت كلفة العودة إلى طاولة المفاوضات. ولهذا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه في واشنطن اليوم لم يعد فقط: كيف يمكن الضغط على إيران؟، بل أيضًا: كيف يمكن وقف التصعيد من دون أن يبدو أي من الطرفين وكأنه تراجع تحت الضغط؟

مقالات مشابهة

  • ترامب: السعودية ستنضم إلى اتفاقيات أبراهام
  • دونالد ترامب وقع في الفخ الإيراني.. ويميل إلى التصعيد
  • الولايات المتحدة تحذر مواطنيها من السفر إلى دول الشرق الأوسط
  • كيف دفعت المواجهة في جرينلاند أوروبا للاستعداد للحرب مع الولايات المتحدة؟
  • الولايات المتحدة تفرض عقوبات جديدة على إيران تستهدف 4 أفراد و9 شركات
  • عراقجي يردّ على ترامب: مصادرة أصول إيران ستفتح «باب الفوضى» وعدم الاستقرار
  • ترامب يفرض رسومًا جمركية جديدة على 60 دولة.. الصين والاتحاد الأوروبي ضمن القائمة
  • ترامب: الرئيس الصيني شي جين بينج سيزور الولايات المتحدة في سبتمبر المقبل
  • ‏ترامب: سداد قيمة أي أضرار تلحق بالسفن باستخدام الأموال الإيرانية التي تحوزها الولايات المتحدة
  • ترامب يسعى لترشيح رئيس الفيفا لمنصب أمين عام الأمم المتحدة!