” ترامب” هل يكون “جورباتشوف” أمريكا..؟!
تاريخ النشر: 27th, December 2025 GMT
قد لا يختلف حال الرئيس الأمريكي الحالي ” دونالد ترامب” عن حال أخر رؤساء الاتحاد السوفييتي السابق ” جورباتشوف”، والفارق الوحيد بين الرجلين هو أن “جورباتشوف” حين وجد دولته تنهار تحت وقع الأزمات المالية والبيروقراطية المتخلفة التي عنونت أداء الحزب الشيوعي الحاكم، اختار طريقة “الموت الذاتي” معتمدا على حكاية ” القرد والسلحفاة” في قصة ” كليلة ودمنة” للفيلسوف الهندي” ديدبة” مفضلا تفكيك ” البيت الاشتراكي” وتمزيق مكوناته رغم ما لديه من عوامل القوة التي كانت كفيلة بتحويله إلى “قرصان” مثله مثل ” ترامب” اليوم، لكنه لم يفعل، فيما قرينه الحالي “دونالد ترامب” يعيش _اليوم _ذات اللحظة التي عاشها “جورباتشوف “، فأمريكا دولة على خطوات قليلة من الإفلاس، ولأنها كذلك كانت عودة “ترامب ” للبيت الأبيض “رغم سلسلة الفضائح التي رافقت مسيرة الرجل خلال السنوات الأربع التي حل فيها سلفه” بايدن ” داخل البيت الأبيض، سنوات أربع قضاها” ترامب “أمام المحاكم والمخافر وأقسام البوليس، وكانت صوره وسيرته وقضاياه وقودا للماكينة الإعلامية، َمع ذلك عاد” ترامب” رغم كل ذلك إلى البيت الأبيض ومهمته المكلف بها من قبل الدولة العميقة في أمريكا هي إنقاذ أمريكا من الانهيار.
لكن هل بمقدور “ترامب” تحقيق حلم الدولة العميقة في أمريكا..؟ وهل سيحقق “ترامب” بنك أهدافه بدءا من إبقاء “أمريكا الدولة العظمى” وفق شعاره “أمريكا أولاً”..؟!
من خلال السياسة التي اتبعها الرجل منذ وصل البيت الأبيض، وهي سياسة ابتزاز وقحة وحافلة بالتناقضات التي لا تخلو من مظاهر “البلطجة” والدوس على القوانين والتشريعات والمواثيق الدولية، والسخرية منها ومن دول وأنظمة العالم، محاولاً تطويع العالم والدوس على كرامة الأمم وإجبارها على الركوع والخضوع لسياسة الغطرسة التي اعتمدها للهروب من أزمات أمريكا الداخلية ومحاولته تصدير هذه الأزمات للخارج معتمدا على القدرات العسكرية وحسب..!
أمريكا في عهد “ترامب” يمكن القول إنها فقدت نسبة كبيرة من أسلحتها الناعمة، فهي لم تعد تعتمد على تسويق الديمقراطية، ولم يعد بإمكانها توظيف القيم الليبرالية أو الحديث عن الحريات وحقوق الإنسان، كل هذه الشعارات التي كانت توظفها أمريكا عن طريق _ وزارة الخارجية وجهاز المخابرات، ووكالة التنمية الدولية، والمعهد الديمقراطي الأمريكي، وهي الجهات التي كانت تمثل رأس حربة للدبلوماسية الأمريكية، وكانت بمثابة “كاسحات القيم الوطنية والاجتماعية” لشعوب العالم، التي زرعت وسقت ورعت ما نطلق عليها “منظمات المجتمع المدني” _ كل هذا الأدوات لم تعد تجدي، وبالتالي لم يعد أمام أمريكا سوي توظيف ترسانتها العسكرية، للدفاع عن بقائها ليس كدولة عظمى بل ك” قطب” في” عالم متعدد الأقطاب “..!
” جورباتشوف ” كان بمقدوره أن يستخدم القدرات العسكرية لمساومة أمريكا والمنظومة الغربية والعالم، ولكنه لم يفعل، لأنه ونظام الدولة التي كان يقف على راسها، لم يكن لهم خلفية ثقافية استعمارية، وكان ونظامه يحترمون القانون الدولي وميثاق الأمم الذي ساهمت دولته في تأسيسه بعد خفوت مدافع الحرب العالمية الثانية، وكان ملزما عليه احترام تلك القوانين والمواثيق الدولية، إضافة أن تلك المرحلة كانت فيها ماكينة الإعلام الإمبريالي تكاد تصم الآذان بضجيجها الصاخب عن الديمقراطية والحريات، والعولمة وثقافة الانفتاح، وهي واقعيا كانت جزءا من خديعة كبرى تكشفت ملامحها لاحقا، وكانت إنجازاتها ما نحن عليه اليوم..؟!
“ترامب” ذو خلفية استعمارية، شكلت تفكيره ثقافة ” الكابوي” وتقاليد “رعاة البقر”، فهو المهاجر كأسلافه الذين قدموا من ” تضاريس إيرلندا” ومن هضاب وسهول أوروبا الاستعمارية، بعد أن ضاقت بهم الطبقة الأرستقراطية الأوروبية، وقررت طردهم إلى قارة أمريكا ومعهم أرسلت كل من كان في سجونها من القتلة والمجرمين وقطاع الطرق، ومنحتهم عواصم الاستعمار حرية إبادة الملايين من السكان الأصليين، واستعباد أمثالهم من أبناء القارة السمراء..!
من هذه الخلفيات الإجرامية قدم “ترامب” وإدارته، ودفعت به الدولة العميقة والهدف إنقاذ أمريكا من انهيار اقتصادي محتوم بعد أن بلغ الدين الخارجي عليها أكثر من ” 36 ترليون” والنصف منهم تقريبا دينها الداخلي، يعني دولة على هاوية الإفلاس، وكأن “الدولار” الذي فرض كعملة دولية بمثابة رافعة لاقتصادها، غير أن اليوم هناك ما نسبته ” 47 ٪” من التعاملات الاقتصادية الدولية تتم بالعملات الوطنية الدول بعيدا عن الدولار، يعني إذا تجاوزت هذه النسبة وبلغت ” 53 ٪ ” فإن انهيار اقتصاد أمريكا أصبح واقعا، لذلك يوظف “ترامب “أساطيله وبوارجه ” كآخر ورقة يستغلها دفاعا عن بقاء أمريكا..؟!
إن أمريكا” ترامب” تعيش في أسوأ مراحلها، وتخوض معركة وجودية كمغامر يلعب لعبة” الروليت “، وكل ما يصدر عن” ترامب “والبيت الأبيض وأركان إدارته، عبارة عن تصريحات هلامية، وتهديدات بائسة، وتحمل في طياتها حقيقة الشعور بالعجز والخوف من القادم، لذا يعتمد “ترامب” فلسفة “أدعي عليه بالموت يرضى بالحمى”..!
فالرجل ابتكر فكرة التعرفة الجمركية، بعد أن كانت بلاده قد تبنت سياسة الانفتاح والعولمة الاقتصادية، ورفعت شعار حرية التجارة، وأنشأت منظمة التجارة الدولية، والشفافية الدولية، وفرضت على دول العالم فتح حدودها لحرية التجارة وحركة الانسياب التجاري، وتسهيل سلاسل التوريدات..!
لكن اليوم ” أمريكا وترامب” في أزمة وجودية حقيقية تطالهم لأول مرة في تاريخ هذه الإمبراطورية التي توشك على الأفول، وتوشك أن تفقد سيطرتها على العالم، وهي في منطقتنا تكفلت بإثارة الفوضى وحسب، وهذا ما تريده، إذ لا تريد حلاً في المنطقة، بل تريد مضاعفة أحداثها حتى فيما يتعلق بحلفائها وفي المقدمة ” الكيان الصهيوني” الذي تريد إبقاءه في حالة عدم الاستقرار، مؤمنة أن أنظمة المنطقة العربية ستبقى تحت سيطرتها وإنها أي أنظمة المنطقة لن يختلف حالها عن حال “جن النبي سليمان، الذين لبثوا في العذاب المهين و لم يكتشفوا وفاة النبي إلا بعد أن أكلت أرضة الأرض منساته وسقط ارضاً”..
أمريكا مركزة على شرق آسيا والكاريبي والمحيطات وعلى أوروبا، والهدف هو السيطرة على موارد هذه النطاقات، وجعلها بمثابة سور يعزل “التنين الصيني” عن “الدب الروسي” وان كان الثمن التضحية ب” أوكرانيا” وتقديم نظام” زيلينسكي ” قربان ” في” حفلة شواء _ ليلة الكريسماس “..!
لكن أمريكا _ترامب، رغم ضجيج محركات الأساطيل ومشاهد استعراض القوة أعجز من أن تشن حرباً حتى على” نظام فنزويلا ” القريب منها، لأن الحرب إن شنها ترامب ضد ” كراكاس ” ستصل لأول مرة نيرانها للداخل الأمريكي حتما..!
وتبقى الأيام القادمة كفيلة بتفكيك الكثير من الطلاسم الجيوسياسية في العلاقات الدولية بكل ابعادها.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..