إذا قُدّر لك أن تتابع شعاع ضوء يمر قرب نجم ضخم، فإنك قد ترى شيئًا عجيبًا، وهو أن هذا الشعاع سينحني بينما يمر أعلى النجم، وكأن الأخير مغناطيس قد جذبه. لا ينحني الضوء لأن هناك شيئًا يجذبه، بل لأن "الزمكان" نفسه ينحني، فتسير أشعة الضوء على مسارات منحنية.

هذا التشبيه الأينشتايني عاد للظهور، لكن في مكان غير متوقع، وهو الشرائح الإلكترونية، حيث اكتشف باحثون أن الإلكترونات يمكن أن تتأثر بهندسة خفية في الفضاء الكمومي، فتبدو مساراتها وكأنها تتقوّس بطريقة تشبه مجازًا تقوّس الضوء بالجاذبية.

ليست ما سبق محاولة لربط الإلكترون بالجاذبية فعليًا، بل قصة عن نوع جديد من الهندسة في فيزياء المادة المكثفة، والتي تدرس خصائص المادة في حالتيها الصلبة والسائلة، وكيف تنشأ هذه الخصائص من تفاعل الذرات مع بعضها وفق قوانين ميكانيكا الكم.

وقد نجح فريق من جامعة جنيف بالتعاون مع جامعة ساليرنو ومعهد "سي إن آر سبين" في إيطاليا في رصد أثر تجريبي واضح لهذا المفهوم (الهندسة الكمومية) في مادة معروفة، ونشروا النتائج في دراسة بدورية "ساينس" (Science) المرموقة.

هذا التشبيه الأينشتايني عاد للظهور، لكن في مكان غير متوقع، وهو الشرائح الإلكترونية (دويتشه فيلله)هندسة المواد

تقنيات المستقبل، مثل الحوسبة فائقة السرعة، تعتمد على مواد تتصرف وفق قواعد الكم، لا وفق الحدس الكلاسيكي.

ميكانيكا الكم هي النظرية التي تصف سلوك الجسيمات الصغيرة جدًا مثل الإلكترونات والفوتونات، ولا تعاملها ككرات لها مسار محدد دائمًا، بل كنظام له مجموعة احتمالات لما يمكن أن يحدث.

تصميم المواد الجديدة الدقيقة، في هذا السياق، يشبه محاولة قيادة سيارة في ضباب كثيف، فنحن نعرف وجهتنا، لكننا لا نرى كل التفاصيل الدقيقة التي تتحكم في حركة الإلكترونات داخل الشبكات البلورية، وهي الشبكات التي تنتظم الذرات فيها.

إعلان

في ميكانيكا الكم، فإن للإلكترون قانون يحكم تصرفاته ويصف سلوكه، يسمى "الدالة الموجية"، وعندما تتغير شروط البيئة المحيطة، مثل المجال الكهربائي أو المغناطيسي أو ترتيب الذرات، تتغير هذه الدالة، وتختلف حالتان كموميتان عن بعضهما البعض بسبب ذلك.

هذا الاختلاف هو ما يلتقطه مفهوم "المقياس الكمومي"، والذي يعد طريقة لقياس المسافة بين الحالات الكمومية، وهو جزء من كيان أوسع يدعى "الموتر الهندسي الكمومي".

استغلال هذه الهندسة الجديدة قد يفتح طريقًا واسعًا نحو إلكترونيات أدق وأفضل (محمد ثروت حسن)تطبيقات واعدة

وبحسب الدراسة، فإن الفريق لم يرَ تلك الهندسة عبر الكاميرا، بل رصد أثرها عبر قياس انحراف الجسيمات عن سلوكها الخطي المعتاد تحت تأثير حقول مغناطيسية قوية، وظهر أن هناك بالفعل هندسة كمومية حقيقية.

ثم تأتي الخطوة الأذكى، فهذا المقياس يمكن أن يُترجم إلى أثر كهربائي قابل للقياس، وقد تمكن الباحثون بالفعل من قياسها والتحكم بها كهربائيًا

هذه النتيجة مهمة فعلًا لأنها توسّع دور الهندسة الكمومية من مجرد تفسير إلى أداة تصميم، فقياس هذا الأثر يسمح بتوصيف أدق لخصائص المواد الإلكترونية الدقيقة، وهو ما يقدم طريقة جديدة لفهم المواد الكمومية وتصميمها.

استغلال هذه الهندسة الجديدة قد يفتح طريقًا واسعًا نحو إلكترونيات أدق وأفضل، إضافة إلى أثر محتمل على فهم وتطوير الموصلية الفائقة، وتفاعلات الضوء مع المادة

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

أميمة بنت علي الراشدية

كنت سأبدأ المقال بطرح الأسئلة، ولكن تراجعت في اللحظة الأخيرة، وآثرت أن أدخل مباشرة نحو الحديث عن قيمة الصحة التي لا يدرك قيمتها إلا المرضى، وتذكرت حديثًا طويلًا قيل لي عن الثمن الباهظ الذي ندفعه عندما نهمل صحتنا، ونعتقد بأننا بخير في كل الأحوال.

ثم سمعت من أقرب الناس عن قصص الحياة والموت والأنين والوجع الذي لا يحتمل بحكم عمله بين أقسام المستشفى، قال لي: إذا أردتِ أن تعرفي قيمة الصحة، فعليكِ بزيارة أقسام التنويم، ستعلمين كيف يعيش المرضى ساعات يومهم في انتظار الفرج والخروج من الغرف الباردة!

قال بأن الحياة حجمها يصغر كثيرًا عند نوبات الألم القصوى، فلا الترياق، في بعض الحالات، يكتم الألم، ولا الأنين يسمعه من بالخارج، قصص ومشاهد لا يعرفها الكثير من الناس؛ لأنهم لم يدخلوا في هذه الدوامة من الصبر وتحمل أقسى الظروف.

لم أُصب بالصدمة، لكن زادت مخاوفي من المرض وفقدان الصحة، منذ فترة لم أكن منتظمة على أخذ أدوية السكر في الوقت المحدد، أحيانًا أنسى وسط زحمة العمل اليومي، ومسؤوليات الأسرة، ومتطلبات العمل الإداري.

لكن ما إن اتضحت أمامي الصورة، عاهدت نفسي على الانتظام والانضباط على أخذ العلاج بكل ترحاب، بيني وبين نفسي صراع نفسي وخوف من المجهول، قد يكون طبيعيًا، فما نراه من فقد يجعلنا نطرق أبواب النقاش لنؤكد بأن الصحة، كما قيل منذ زمن: "تاج على رؤوس الأصحاء"، لا يشعر بقيمتها الحقيقية إلا من ابتلي بالمرض.

في الإذاعة المدرسية قدمت حكمة الصباح، لم أكن أعرف مغزاها الحقيقي إلا عندما كبرت وتعلمت، فالحكمة تقول: "إذا فقدت المال لم تفقد شيئًا، وإذا فقدت الصحة فقدت بعض الشيء، وإذا فقدت الأخلاق فقدت كل شيء".

غياب الصحة ليس من السهولة استرجاعها، وإن رجعت فأحيانًا لا تعود إلى أصلها الماضي، ضياع الصحة ثمنه باهظ، فكم من مريض أعياه المرض، فعندما تحيط بك العاهات لن تلتفت إلى ما جمعته من مال بقدر ما تتمنى أن يخلصك الله من شكواك.

المرض هو الزائر الذي لا يطرق أبواب الجسد، لكنه يتغلغل بين ثناياه، فيحول الوقت إلى عالم لا محدود من الدقائق والثواني والأيام، المرض مخيف بدرجة لا يمكن الوثوق في موعد خروجه، بعض الأمراض تعيش في أجساد الناس منذ الإصابة وحتى الموت، يُدفن الإنسان في قبره والمرض هو الرفيق الذي لازمه، رحلة طويلة وصراع من أجل البقاء بخير.

لماذا يخاف الإنسان من الإصابة بالمرض؟ من الواقع نستشف كيف يصنع رهاب المرض بالإنسان، خاصة عندما تكون الإصابة قاتلة، ففي أيام "كوفيد-19"، وفي ذروة نشاط الفيروس وسرعة انتشاره، وسقوط المصابين بالداء في الشوارع والممرات وفي كل مكان، كان الخوف يتوحش أكثر، ليس لأنه مجرد حالة عارضة سرعان ما تنتهي، لكنه الفناء الذي من أجله تُحبس الأنفاس، لهذا كان الخوف ليس مجرد فطرة غرائزية عند البشر، ولكن حالة طبيعية من أجل البقاء، فالإصابة قد تكون عنوانًا لبداية الموت!

كل الذين خرجوا من أزمتهم الصحية في زمن كورونا يدركون معنى الصحة، يعرفون معنى أنك معافى من المرض، سبروا خفايا الإحساس بالخوف عن قرب، لذا عليك أن تصغي لما سيقولونه عن المرض، وكيف وجدوا الحياة أثناء الإصابة، والخروج من عنق الزجاجة.

لذا نقول: "اهتموا بصحتكم، وحافظوا على قواكم، ولا تحملوا أنفسكم طاقة لا تحتمل، فالحياة قبل المرض شيء، وأثناء المرض شيء آخر، والمرض يعد أكبر الأزمات التي يمر بها الإنسان في حياته، لذا ضعوا: "الوقاية خير من العلاج" نصب أعينكم.

مقالات مشابهة

  • «موهوبي أم القيوين» يسلّط الضوء على دور الأسرة في تنمية المواهب
  • قرار رئاسي بتعيين قائد جديد لمحور أبين
  • أسعار النفط الفعلية تقفز بفعل حربي إيران وأوكرانيا
  • طالب بـ هندسة الإسكندرية يمثل مصر بمنحة تنافسية دولية في المغرب
  • بين الهندسة والميدان.. كيف وثقت القسام رحلة تطوير مسيّراتها الانتحارية؟
  • بأكثر من 2%.. تراجع مؤشر نيكي بفعل مخاوف الإنفاق على الذكاء الاصطناعي
  • توقع موجة احترار قياسية عالمية خلال 2027 بفعل النينيو
  • كيف تُعيد الولايات المتحدة هندسة اقتصادها العسكري؟
  • فقدان الصحة..نهاية كل شيء!
  • أميمة بنت علي الراشدية