فنزويلا في ناظر ترامب: تصيّد آبار النفط قبل السَحَرة
تاريخ النشر: 9th, January 2026 GMT
إذا انتمى امرؤ إلى ذلك الرهط الذي يحلو له طرح أسئلة لا عناء، البتة، في العثور على إجابات لها، طبقاً لمنطق الحدود الدنيا في التأويل أو حتى الفذلكة المجانية؛ فإنه، بصدد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، سوف يسأل هكذا (كما فعل مات وليامز، محررموقع التحليل السياسي الأمريكي الشهير Conversation)) مثلاً: أكان الفعل قانونياً؟ ما الذي عرفه الكونغرس مسبقاً؟ كيف يقترح ترامب إدارة بلد آخر؟ ما الذي يعنيه ذلك للسياسة الخارجية الأمريكية، ولفنزويلا ذاتها؟
ذلك أنّ أية جدوى مرتجاة خلف هذه الشهية التساؤلية لن تعدو، في أفضل حالاتها بالطبع، ممارسة رياضة مستهلَكة مستنفَدة، ولعلها لم تعد جديرة إلا بفلول ما سُمّي ذات يوم بـ«النظام الدولي الجديد»، أيام جورج بوش الأب، ثمّ عصبة «المحافظين الجدد» التي شبعت قِدماً وركاكة (ولكنها، من دون عجب، ما تزال تعشش في عقول نفر من «العقلانيين» العرب، في جيوب نيو ـ ليبرالية مدقعة ومفلسة).
وعلى سيرة الصيد والتصيد، ولهواة ممارسة هذا الخبل في المستنقعات العكرة خصوصاً، قد يكون من تحصل الحاصل التشديد على أنّ هذه السطور لا تحمل إلا الاحتقار الأقصى لشخص مادورو؛ المستبدّ في بلاده، المنكّل بالشعب الفنزويلي، خادم شركات النفط العملاقة، صديق طغاة العالم وأنصافهم وأرباعهم، النافخ في قربة مثقوبة بصدد المزاعم التقدمية واليسارية عموماً والبوليفارية خصوصاً… وتلك اعتبارات، مثل الكثير سواها، لا تدفع هذه السطور أيضاً إلى أيّ مستوى من الشماتة في اختطاف مادورو على النحو الأكثر مهانة وإذلالاً، وهي بالتالي لا تتقبل أيّ تبرير لسلوك رئيس أمريكي، يقود إدارة باركت حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة؛ وارتكبت، على شاكلة سابقاتها من الإدارات، جرائم حرب وتدخل خارجي ومحاباة طغاة وإسقاط أنظمة شرعية وحياكة انقلابات على حكومات منتخبة ديمقراطياُ.
الأصل، إذن، هو نهج التدخل الأمريكي الخارجي في شؤون الشعوب، العسكري والاستخباراتي والاقتصادي والسياسي، المباشر تارة والخفي تارة أخرى؛ عن طريق الاجتياح والغزو، أو حياكة المؤامرات والانقلابات، أو استمالة قوى محلية عميلة، أو إثارة نعرات التفكيك والتجزئة، أو ممارسة أشكال شتى من الحصار الاقتصادي وفرض عقوبات تخنق الفئات الشعبية ولا تؤذي الأنظمة الحاكمة. وما إلى هذا وذاك من طرائق انتهاك لأبسط أعراف ما يُسمى «القانون الدولي»، ذاته الذي تتشدق الولايات المتحدة بالدعوات إلى سيادته، مثلما تدوس علانية مواضعات ما يسمى أيضاً «المجتمع الدولي» الذي تظاهرت بفرضه دول الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً. وليس عجيباً، والحال هذه، أن تعود إلى التسويق، في قلب أجهزة ما بعد الحرب الباردة السياسية والاقتصادية والفلسفية، في أوروبا والولايات المتحدة، تياراتُ التشكيك في فكرة «الغرب» ذاتها؛ أو ما تبقى من هشيم مفاهيمها وأطلال أعمدتها.
ولائحة ذلك النهج الأمريكي الرسمي تضمنت، في نطاق الدول العربية والشرق الأوسط، فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وليبيا والصومال وجنوب اليمن والكويت وإيران وأفغانستان؛ وعلى امتداد دول الجنوب، ثمة كوبا والدومنيكان وغواتيمالا وبناما وتشيلي وغرينادا وهاييتي وبوليفيا والبرازيل ونيكاراغوا وفنزويلا، وثمة كوريا الشمالية وفييتنام وأندونيسيا والصين ولاوس وسورينام والتبت وتايلاند، وكذلك غويانا والكونغو وأنغولا والموزامبيق؛ هذا فضلاً عن دول كانت في عداد المعسكر الاشتراكي، مثل ألبانيا وبيلاروسيا وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية وهنغاريا ولاتفيا ولتوانيا وبولندا ورومانيا والاتحاد السوفييتي وأوكرانيا؛ ولم يوفّر النهج الأمريكي دولاً حليفة مثل فرنسا وألمانيا الغربية وإيطاليا واليابان…
وقد يُستذكَر، هنا، ما يضربه التاريخ من أمثلة على قوى عظمى أخرى، لمستْ في ذاتها القدرةَ على قيادة الكون، بهبة من الله أو القدر كما قال ساستها وفلاسفتها. ففي القرن الأول قبل الميلاد، وفي تقريظ ما سُمّى بـ «السلام الروماني»، رأى شيشرون أنّ الشعب الروماني يتحمل مسؤولية رعاية الكون وفرض القانون الروماني على «الشعوب البدائية»، سواء بالإقناع أو بالإكراه. الإمبراطورية البريطانية كانت، من جهتها، بمثابة «عبء الرجل الأبيض كما فرضته يد التاريخ الجليلة»، وفي العقد الأوّل من القرن الماضي اعتبر البريطاني جورج أنوين أنّ «حسّ الإمبراطورية ملائم لمزاج الإنكليزي، لكنّ ضميره السياسي ينفر منه. ماذا في وسعه أن يفعل؟ لا مهرب له من قبول هذا الواجب الأعلى الذي فرضه الله، وهذا الشرف الذي أسبغه القدر». تلك كانت مرحلة السلام البريطاني.
لكنّ سلام الولايات المتحدة، أو الـ Pax Americana في المصطلح المستقرّ، كان منذ البدء حالة استثنائية في بواعثها وأهدافها، ولم نعدم كاتباً أمريكياً ظريفاً جنح إلى الشكوى من «واجب مقدّس» أطلق عليه سلسلة تسميات، بينها «الإمبراطورية بالصدفة العمياء»، و«الإمبريالية بالتطوّع»، و«العبء الجديد للرجل الأبيض». وفي كتاب بعنوان «السلام الأمريكي» صدر للمرّة الأولى سنة 1967 ولم تمنع حرب فييتنام من جعله كتاباً أثيراً لدى شرائح قراءة واسعة في الولايات المتحدة؛ يقول رونالد ستيل: «على النقيض من روما، إمبراطوريتنا لم تلجأ إلى استغلال أطرافها وشعوبها. على العكس تماماً… نحن الذين استغلتنا الشعوب واستنزفت مواردنا وطاقاتنا وخبراتنا»!
ذلك، على وجه الدقة، ما يقوله ترامب اليوم بصدد اختطاف مادورو، وإدارة فنزويلا، واسترجاع نفطها (الذي سرقته من أمريكا، حسب مزاعمه!)؛ وما يقوله عن قرب ضمّ حزيرة غرينلاند إلى ممالك الولايات المتحدة. وتلك أصداء تردد ما قاله رؤساء أمريكيون سابقون، ليس بصدد الجزيرة هذه منذ 1824 مع مبدأ جيمس مونرو الشهير، بل كذلك على سبيل التفلسف الاستثماري/ الاستعماري للشعوب والبلدان أينما كانت على خريطة الكون. فإذا كان السلامان الروماني والبريطاني سلسلة ترتيبات استهدفت حماية المصالح الرومانية والبريطانية، عبر خلق نسق خاص من النظام والقانون تنتعش فيه تلك المصالح، ويجري خلاله تسخير الجهد العسكري بما يكفل حماية ذلك النسق؛ فإنّ السلام الأمريكي يختلف جذرياً من حيث ارتكازه على القاعدة الذهبية التالية: يُفترض، مسبقاً بالتراضي أو بالقوّة، أن تتوفر حالة من التطابق والتوافق التامّين بين مصالح الولايات المتحدة ومصالح الإنسانية جمعاء.
والحكومات أو الحركات السياسية التي تعترض على هذا التطابق الفطري، إنما تضمر العداء للولايات المتحدة، وتناهض سلامها الكوني بالضرورة؛ والحرب ضد أولئك «العصاة» تصبح، تأسيساً على ذلك، مهمة مقدسة تستهدف خير البشرية والمجتمع الدولي، وحملة صليبية مديدة متجددة من أجل عالم «لائق» و«حرّ» و«ديمقراطي». وهذه، دون أيّ تبديل أو تعديل، هي اللغة التي استمع إليها العالم، كلّما تعيّن أن تذهب أمريكا إلى الحرب! أو، في تنويع غير نادر البتة، كلما تعارضت في قليل أو كثير مصالح واشنطن مع حلفائها، ليس على نطاق «الغرب» وحده، حيث أضاليل القيم المشتركة والتاريخ والثقافة؛ بل، كذلك، على أصعدة مؤسسات عسكرية الطابع مثل الحلف الأطلسي، أو إمبريالية المكاسب مثل حروب التجارة والتعرفة الجمركية.
تصيّد آبار النفط الفنزويلية هو الصفحة الأحدث، إذن، في مجلدات أمريكية ثقيلة؛ غاصّة بانتهاكات وحروب واجتياحات وجرائم حرب، لا عدّ لها ولا حصر.
القدس العربي
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه ترامب مادورو النفط الولايات المتحدة فنزويلا الولايات المتحدة النفط فنزويلا مادورو ترامب مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة رياضة رياضة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الولایات المتحدة
إقرأ أيضاً:
كيف تُعيد الولايات المتحدة هندسة اقتصادها العسكري؟
رفعت شركة "لوكهيد مارتن" الأمريكية توقعاتها للإيرادات والأرباح خلال 2026، مستفيدة من الطلب المتزايد على الصواريخ والمقاتلات وأنظمة الدفاع الجوي، في وقت تمضي فيه الولايات المتحدة نحو إقرار موازنة عسكرية قياسية وإعادة مسمى "وزارة الحرب" إلى المؤسسة الدفاعية.
وبحسب "رويترز"، تتوقع أكبر شركة للصناعات الدفاعية في العالم تسجيل إيرادات تتراوح بين 79.75 مليار دولار و81.75 مليار دولار خلال العام الجاري، مقارنة بتقديراتها السابقة التي تراوحت بين 77.5 مليار دولار و80 مليار دولار.
ورفعت "لوكهيد مارتن" توقعاتها لربحية السهم إلى ما بين 29.95 دولار و30.65 دولار، مقابل نطاق سابق تراوح بين 29.35 دولار و30.25 دولار. وسجلت الشركة خلال الربع الثاني أرباحاً بلغت 7.94 دولار للسهم، مقارنة بـ1.46 دولار للسهم خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
الصواريخ تقود النمووجاء قطاع الصواريخ وأنظمة التحكم في النيران في مقدمة محركات النمو، بعد ارتفاع إيراداته بنحو 20% خلال الربع الثاني، لتصل إلى 4.1 مليار دولار، مدفوعة بزيادة إنتاج صواريخ "باتريوت باك-3" وتسريع إنتاج منظومة "ثاد" لاعتراض الصواريخ.
التصعيد في هرمز وباب المندب يهز الملاحة ويرفع أسعار النفط - موقع 24تتجه أزمة الملاحة البحرية في المنطقة نحو مزيد من التصعيد، مع تزامن التراجع الحاد في حركة السفن عبر مضيق هرمز مع هجوم جديد استهدف ناقلتين سعوديتين في البحر الأحمر قرب مضيق باب المندب، في مؤشر على اتساع رقعة التهديد، لتشمل أهم الممرات الملاحية في العالم في آنٍ واحد.
وارتفعت إيرادات قطاع الطيران لدى "لوكهيد مارتن" بنسبة 9%، بدعم من زيادة إنتاج ومبيعات مقاتلات "إف-35"، التي تمثل أكبر برنامج تسليح في تاريخ وزارة الدفاع الأمريكية، مع تقديرات تتجاوز تريليوني دولار لتكاليف شراء المقاتلات وتشغيلها وصيانتها على مدى عمر البرنامج.
وفي انعكاس مباشر لحجم الطلب العسكري، قفزت قيمة الطلبيات المتراكمة لدى الشركة إلى 230.4 مليار دولار بنهاية الربع الثاني، مقارنة بـ166.5 مليار دولار قبل عام، بزيادة تقترب من 38%.
من "الدفاع" إلى "الحرب"ولا تنفصل القفزة في أعمال "لوكهيد مارتن" عن التحول الأوسع في السياسة العسكرية الأمريكية، بعدم إقرار مجلس النواب إعادة تسمية وزارة الدفاع باسم "وزارة الحرب"، ضمن مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2027.
ووفق صحيفة "ذا هيل"، وافق أعضاء المجلس على تغيير المسمى خلال التصويت على مشروع قانون السياسة الدفاعية السنوي، الذي مر بفارق ضئيل بلغ 216 صوتاً مقابل 212، رغم أن هذه التشريعات كانت تحظى عادة بتأييد واسع من الحزبين.
وقاد وزير الدفاع بيت هيغسيث الدعوات إلى استعادة الاسم التاريخي للوزارة، معتبراً أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تريد تعزيز ثقافة "المحاربين" وليس الاكتفاء بمفهوم الدفاع.
وكانت المؤسسة العسكرية الأمريكية تحمل اسم "وزارة الحرب" قبل توقيع الرئيس الأسبق هاري ترومان قانون الأمن القومي عام 1947، الذي أعاد هيكلة الجيش الأمريكي وأنشأ الصيغة الحديثة للمؤسسة الدفاعية.
وسبق لترامب أن وقع أمراً تنفيذياً في سبتمبر(أيلول) يدعم العودة إلى الاسم القديم، فيما وجّه هيغسيث باستخدام المسمى الجديد على الموقع الرسمي للوزارة وحساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي واللافتات التابعة لها.
موازنة عسكرية تتجاوز تريليون دولاروجاء تغيير المسمى ضمن مشروع قانون يطلب تخصيص 1.15 تريليون دولار للأمن القومي والإنفاق العسكري خلال السنة المالية 2027، في إحدى أضخم الموازنات الدفاعية في التاريخ الأمريكي.
بالأرقام| كيف يعيد تقليص الدعم الأمريكي رسم اقتصاد الإغاثة الدولي؟ - موقع 24تواجه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين واحدة من أكبر أزماتها التمويلية منذ تأسيسها، إذ تضغط عواصم غربية ومسؤولون أمميون على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لمنعها من قطع علاقتها بالمفوضية. وتكشف مصادر دبلوماسية وإنسانية لوكالة "رويترز" أن واشنطن – التي تعد تاريخياً أكبر ...
ويشمل المشروع تمويل تطوير أنظمة الدفاع وشراء الأسلحة والمعدات العسكرية، إلى جانب زيادة رواتب أفراد القوات المسلحة بنسب تتراوح بين 5% و7%، وزيادة أعداد القوات العاملة، وإنشاء ثكنات ومساكن لأسر العسكريين.
ويمثل الرقم زيادة كبيرة مقارنة بنحو 900 مليار دولار خُصصت للدفاع خلال السنة المالية 2026.
وأثار المشروع انقساماً حاداً داخل الكونغرس، إذ اعترض معظم الديمقراطيين على ضخامة الإنفاق العسكري في ظل تقليص مخصصات بعض البرامج الاجتماعية، منتقدين استمرار العمليات العسكرية ضد إيران، التي قدّرها "البنتاغون" بقرابة 37.5 مليار دولار حتى الآن. في المقابل، رأى الجمهوريون أن الموازنة ضرورية لدعم القوات المسلحة وتمويل أنظمة الدفاع وتعزيز جاهزية الجيش.
رسمياً.. أمريكا تعتمد مسمى وزارة الحرب وتقرّ موازنة عسكرية قياسيةhttps://t.co/k2X6uGON8G pic.twitter.com/U4OYNM3t3r
— 24.ae (@20fourMedia) July 23, 2026ووفق وسائل إعلام عالمية أقر مجلس النواب إطاراً منفصلاً للموازنة بقيمة 95 مليار دولار، يُخصص معظمه لتمويل الحرب ضد إيران، بينها 73 مليار دولار للقوات المسلحة ووكالات الاستخبارات.
وبحسب خبراء، فإن هذه التطورات "تشكل ملامح مرحلة جديدة في السياسة الأمريكية، تمتزج فيها زيادة الإنفاق الدفاعي، وإعادة صياغة الخطاب العسكري".