حكاية عُمان المستمرة
تاريخ النشر: 11th, January 2026 GMT
معاوية الرواحي
تبدو حكاية عُمان من الخارجِ عاديةً للغاية. ربما لهدوئها الدائم وبعدها عن الضجيج العالمي. الواقعُ مختلفٌ تمامًا عندما تعرفُ عُمان من الداخل، وتُحاول فهمَ وضعها الداخلي. نصيب عُمان من حُكَّام الدولة المدنية الحديثة هما اثنان: السلطان قابوس بن سعيد رحمة الله عليه، وحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المعظم-- حفظه الله وأبقاه.
ومنذ 1970، وظروف عُمان لم تكن في أحسن حال. حربٌ قائمة، وتغيير غير نمطي في نظام الحكم، وتغيير اسم البلاد، وعصر النشأة، والتأسيس، وعُمان الحديثة التي أصبح يعرفها القاصي والداني. عاشت عُمان مراحلها، واختتمت بتسليم الأمانة بإشارةٍ من السلطان الراحل إلى سلطان عُمان هيثم بن طارق آل سعيد.
لكنْ هل حكاية عُمان دائمًا مصحوبةٌ بالسهولة واليُسر؟ كان انتقال السلطة في 2020 سلميًا، وهادئًا، وواضح المعالِم، بينما العالَم وقتها لم يكن واضح المعالِم، والتحديات بدأت من اللحظة الأولى، أزمة عالميةٌ خانقة بسبب الجائحة الصحية، وديونٌ تستنزف الميزانية العامة، وإغلاقٌ وراء إغلاق. كعادةِ عُمان، لا تكون الأمور أبدًا سهلةً عليها، ولا على بداياتها.
كما كان كل ما يحدث من قبل في سنواتٍ معيَّنة في تاريخ عُمان الحديث جديدا، فاليوم ما يحدث جديد أيضاً. سلطانٌ برؤية اقتصادية، وهذا الاقتصاد ليس اختيارًا؛ بل هو أقصى ما تفرضه الضرورات الجديدة في دولة تغيَّر عدد سكّانها، وأصبح المُضي قدمًا في نظرية التوزيع المُباشر للثروة الطبيعية أمرًا يفلت من اليدين مع كل يوم يمضي مع زيادة عدد السكان.
لذلك اختار السلطان هيثم مقاربة بناء الاقتصاد العُماني الحديث، ومجددًا، شيء جديد في عُمان، تأسيسٌ، وإعادة النظر في السوق، وبناء التغييرات. اختار التدرُّج في التغيير، وسعى بكل جهده إلى تجنيب البلاد زلازل التغيير المفاجئ والجذري، وهذا ما يتضحُ من نهجِه المستمر.
إنَّ تسميةَ السلطان هيثم بالسلطان الاقتصادي لن تكون تسمية في غير موضعها؛ فمسيرة عُمان حتى هذه اللحظة تُكمل النشأة، وتقصر المسافة التي تسابقُ فيها بقية الدول والأمم لتصل إلى حالة التنافس على الفرص العالمية. والاقتصاد ليس قرارًا داخليًا واحدًا، وإنما تهيئة للدخول في مناطق الفرص، وهذه لا تأتي بدون منافسين، وتنافس، وعواصف اقتصادية عالمية وسياسية، فضلًا عن الحروب التي تطل برأسها على المنطقة.
إنَّ الحديث عن السياسة الخارجية العُمانية إن بدأ، فدائمًا ينتهي في مجموعة جمل قصيرة. دولة لا تتدخل في شؤون الآخرين، وترفض أن يتدخل أحد في شؤونها، نقطة في نهاية السطر. وقد استمرَّ جلالة السلطان هيثم على هذه السياسة، وأكمل عليها بنهجٍ آخر، هو العفو عن اللاجئين الذين يطلبون العودة. وماذا بعد سياسيًا؟ لا شيء آخر، عُمان مُستمرةٌ على نهج هادئ ومسالم.
نعود إلى الاقتصاد؛ حيث إن إنشاء نموذج اقتصادي لعُمان هو التحدي الحقيقي الذي تعبُره عُمان في خطوات حذرة للغاية. ففي فترة التأسيس الأولى في سبعينيات القرن الماضي، لم تكن فكرة المراهنة أبدًا بنشأة الدولة ووضعها تحت يدي الاقتصاد العالمي المتقلب مطروحةً، وكان اختيار "المنطقة الآمنة" هو سيد الموقف حتى عبرت السنوات بعُمان إلى مناطق الاكتمال لمؤسسات الدولة، وبناء أعرافها الأولى، والتي استمر مُعظمها حتى في عهد السلطان هيثم.
فما التحدي الذي واجه سلطان عُمان اليوم؟
التحدي الاقتصادي، الذي حتى هذه اللحظة هو بكل مفاهيمه جديد للغاية، يحمل كل يومٍ توسعًا في مناطق متعددة، ويحاول أن يُوزِّع النمو بين القطاعات، وخلال كل هذا التوازن بين الاستثمار، وصناعة الفرص اقتصاديا، والحماية الاجتماعية قدر الإمكان. توازنٌ يحاولُ كل يوم أن يُدخل عُمان إلى منطقة الزخم الاقتصادي، وإلى جذب الاستثمار، وهذا ما يمكن فهمه بسهولة من المشهد العام بكل ما فيه من مشاريع جديدة، ومفاهيم اقتصادية تتبلور، ورؤية إسكانية مختلفة، وكل هذا مجددا، جديد للغاية، وينشأ بكل تجاربه، ونستطيع حتمًا أن نقول بكل صوابِه وأخطائه؛ فتصويب المسار مستمر.
تحسَّنت أحوال حرية التعبير كثيرًا بعد انتهاء فترة الطوارئ الحذرة التي صاحبت السنوات الأخيرة من حكم السلطان قابوس، وعادت أنهار الكتابة إلى مجاريها، والقانون سيد الموقف. لعل الأجيال الجديدة الآن التي تكتب لم تكن تعرفُ مجددًا حكاية عُمان التي تبدو هادئة للغاية من الخارج، أما في الواقع فكل مراحل عُمان كانت صعبة، لا أظن أن مراحل عُمان كنت يومًا سهلة إلّا في سنواتٍ قليلة من الرخاء والوضوح.
الملاحظ تمامًا في عهد جلالة السلطان هيثم هو المساهمة المباشرة من قائد المنظومة السيادية في صنع التحالفات الاقتصادية. الاعتياد العُماني على فعل ذلك سياسيًا، أُضيف إليه اليوم عامل جديد آخر، وهو أن السلطان ذاته يذهبُ ويعزز دور الاقتصاد العُماني. التوازن الصعب للغاية بين العرض والطلب، وماذا ستُقدم للغرباء المستثمرين في بلاد واضحة المعالم، ولكن في الوقت نفسه مجهولةٌ للغاية.
عرضٌ وطلبٌ، وكيف تُحسِّن الطلب على عُمان فتُقلِّل من التنازلات الاستثمارية والتحفيز الزائد عن الحد الذي يُفرض عليك من قبل الاقتصادات الأخرى؟ إحدى التحديات الرئيسية في عهد السلطان هيثم، أن شوطًا واضح المعالم قد قُطع، وشوطًا طويل آخر في الطريق المستمر إلى عصر الديمومة والاستمرارية بعد نهاية عصر التأسيس على وجه واضح من وجوه الاكتمال في بناء مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية.
تستمر الحكاية العُمانية في كتابة نفسها، بالصعوبة نفسها، بالتحديات الكبيرة نفسها. كانت يومًا ما دولة جديدةً تسعى للتأسيس ووضع نفسها على الخارطة السياسية، وأصبحت اليوم اقتصادًا جديدًا يحاول وضع نفسه على الخارطة الاقتصادية، مدعومًا بالإرادة السياسية العُمانية. وكل ذلك ليس سهلًا، ليس سهلًا بينما زلزل وباءٌ العالم، ثم في عهد حروب في المنطقة، وفي عهد دينٍ عامٍّ ثقيلٍ، وتغييرات مستمرة كلها تسعى نحو هدف عُمان الرئيسي: دولة اقتصاد نامٍ، يُثمر، ويربو، ويتحولُ إلى صمام الأمان الرئيسي للدولة وللمجتمع لاستبدال الواقع النفطي المتذبذب أيضًا، والذي لا يمكن الاعتماد عليه للأبد.
عهد آخر من عهود عُمان المليئة بالتحديات، والإنجازات، والنمو التدريجي، والمحاولات المُستمرة للحظة الانطلاق الاقتصادي.
نصَرَ اللهُ سلطان عُمان، وأيده بالبطانة الصالحة، وكتب له برَّ بنيه وعائلته، وأعانه على الأمانة، ورزقه فرحة اكتمال الخطط، ونجاح التنفيذ، وكتب على يديه رخاء عُمان وسلامتها، واستقرارها، وأمانها، ونموها الاقتصادي الكبير بإذن الله.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الاعتذار من شِيَم الكبار: الإمام المؤسس والسلطان العثماني
المراسلات الدبلوماسية تكشف أدبيات وبروتوكولات دهاليز السياسة والحرب. ويكاد يجمع الباحثون أن الإمام المؤسس أحكم بحرفية عالية إدارة العلاقات الدولية وكان يديرها بما ينسجم مع محددات تحفظ السيادة الوطنية وتعلي من شأن العلاقات الاقتصادية بما ينسجم مع الدور السياسي الذي استطاع أن يعيد عُمان لمكانتها الجيوسياسية وقوتها الاقتصادية بفعل موانئها وأسطولها الحربي والتجاري.
من هذا المنطلق لبى الإمام أحمد نداء نجدة البصرة في عام 1775م، بأسطول مهيب قاده ابنه القائد العسكري السيد هلال.
وتتابعت الأحداث في ذلك الميناء الاستراتيجي للمنطقة وحدثت بعض التجاوزات الفردية أثناء إدارة الموقف المتأزم الذي استمر لسنوات كان الدور العُماني فاعلًا وحاضرًا فيه بقوة.
ذلك التجاوز الفردي تمثل في سلوك غير لائق من قبل الوالي العثماني على البصرة مصطفى باشا، حيث رد مساعدات الإمام أحمد التي أرسلها في أسطول يقوده ابنه السيد هلال في عام 1777م، ولأن السلطان العثماني عبد الحميد الأول (1774-1789م) أدرك أن هذا التجاوز لا يليق بالجهود التي قدمها العُمانيون في نجدة البصرة ويتطلب اتخاذ موقف من القيادة العليا الممثلة في السلطان، أرسل رسالة اعتذار للإمام أحمد بن سعيد، ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ فقد كلَّف هذا التجاوز مصطفى باشا حياته فتم إعدامه بسبب هذا التصرّف الذي يعارض سياسة الخلافة العثمانية ويرقى لأن يكون عصيانًا وخيانة. فجاء في توصيف وثيقة عثمانية مؤرخة بتاريخ: (1 جمادى الآخرة 1191هـ/ 7 يوليو 1777م): "رسالة من السلطان العثماني عبد الحميد الأول إلى إمام مسقط أحمد بن سعيد يقدم فيها الاعتذار عن السلوك غير اللائق من مصطفى باشا -والي البصرة السابق- الذي أعاد مساعدات الإمام للدولة العثمانية ضد الفرس". ويشير توصيف الوثيقة المترجم إلى اللغة العربية بأنه تم إعدام مصطفى باشا بسبب هذا الموضوع.
إن قراءة متفحصة لمضمون هذه الوثيقة تؤكد أن الإمام أحمد بن سعيد أرسل أكثر من حملة لمساعدة البصرة في فك حصارها من قبل الفرس في سنوات متفرقة من عام 1775م، و1776م، و1777م وهو ما تشير إليه الوثائق العثمانية المنشورة في الجزء الأول من كتاب: "عُمان في الوثائق العثمانية ثلاثمائة وسبعون عامًا من العلاقات التاريخية". ففي وثيقة عنوانها: "طلب حول إرسال مرسوم إلى إمام مسقط معربًا عن الامتنان بشأن إرساله سفنًا مع ابنه لمساعدة البصرة"، مؤرخة في: (23 جمادى الأولى 1191هـ/ 29 يونيو 1777م)، جاء فيها: "هناك مراسلات مستمرة منذ القدم بين الإمام والولاة، حيث كانت علاقات ودية وإخلاص بينهم، وحتى أن الرسوم الجمركية لم تحصّل من تجارهم الذين يأتون إلى ميناء البصرة، لجبر خواطر الولاة. لكن ونظرًا لوجود صراع بينهم وبين الفرس كتب الراحل عمر باشا رسالة إلى الإمام وطلب فيها المساعدة بسبب محاولة الفرس الاعتداء على ميناء البصرة العام الماضي. وبناءً على هذا الطلب أرسل الإمام ابنه إلى البصرة مع ثلاثين أو أربعين سفينة مختلفة الأحجام".
ومن تتبع مسار الأحداث التاريخية وما يدعمها من وثائق فقد ردَّ الإمام أحمد بن سعيد على رسالة السلطان عبد الحميد الأول برسالة بدأ فيها بحمد الله والدعاء للسلطان، ثم ذكر استلام رسالة السلطان ببهجة وفرح على الرغم من وجود مسافات طويلة بين البلدين، وأوضح الإمام أحمد في رسالته أيضًا، بأن الفرس حاولوا غزو أراضي عُمان عدة مرات لكنهم فشلوا. ويعرب عن استعداده للتعاون مع الدولة العثمانية ضد الفرس، مفيدًا بأنه قد ارتدى القفطان الذي أرسله له السلطان عبد الحميد الأول". هذه الرسالة مؤرخة في: (16 ربيع الأول 1193هـ 3 أبريل 1779م).
كما يظهر عمق العلاقة ومتانتها بين السلطان العثماني عبد الحميد الأول والإمام أحمد بن سعيد من خلال استمرار المراسلات بين الطرفين، وتبادل الهدايا، ومنح بعض الامتيازات للتجار العُمانيين، وحماية الحجاج العُمانيين.
ومن أمثلة ذلك استمرار المراسلات والعلاقات الودية بين السلطان عبد الحميد الأول والإمام أحمد بن سعيد بعد سقوط البصرة سنة 1776م إلى انسحاب الفرس منها في عام 1779م، وهو ما تكشفه مكاتبة مرسلة من السلطان العثماني للإمام أحمد تتضمن إخباره بكل ما يحدث في البصرة في تلك الفترة، كما أن السلطان العثماني عندما أراد عقد صلح مع الفرس كان حريصًا على إبلاغ الإمام أحمد بذلك فكان رد الإمام أن الصلح خير للجميع، ولا يوجد خلاف عليه، وإذا رأى السلطان بأن ذلك في صالح المسلمين فنحن معه.
عمومًا توالت الرسائل بين الإمام أحمد بن سعيد والسلطان عبد الحميد الأول سواء حول تنسيق الجهود في استتاب الأمن في ميناء البصرة أو حماية الحجاج العُمانيين، فقد أرسل الإمام أحمد بن سعيد رسالة إلى الصدر الأعظم العثماني يطلب منهم عدم أخذ أموال من الحجاج العُمانيين والحرص على تمكينهم من زيارة مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة بأمان، وأن تتم حمايتهم من جميع أنواع المخاطر وهذه الرسالة مؤرخة في: (20 شعبان 1193هـ/ 2 سبتمبر 1779م).
كما يتضح من خلال الوثائق بأن العلاقة العثمانية العُمانية حافظت على حيويتها حتى بعد وفاة الإمام أحمد بن سعيد في عام 1783م، واستمرت العلاقات الطيبة بين العثمانيين والعُمانيين في عهد السيد سلطان ابن الإمام أحمد (1792-1804م) في ضوء الجهود التي قدمها والده الإمام أحمد لاستتاب الأمن والاستقرار في ميناء البصرة والخليج بصفة عامة، فكانت هنالك زيارات متواصلة للسيد سلطان لميناء البصرة لاستلام المكافأة السنوية المقررة من السلطان العثماني لإمام عُمان، كما هدفت تلك الزيارات الدائمة للبصرة بهدف الإشراف على تجارة عُمان الضخمة مع ميناء البصرة. وفي عهد السلطان سعيد بن سلطان ازدادت نشاطات الدولة العثمانية في الخليج العربي، وأبدت عُمان استعدادها لتنسيق الجهود مع الوالي العثماني محمد علي باشا، ويظهر ود وتقارب تلك العلاقات من خلال تنظيم حفل استقبال رسمي كبير في مكة للسلطان سعيد أثناء ذهابه لأداء مناسك الحج عام 1824م.
ونتيجة للنشاط التجاري المهم والمؤثر للسلطان سعيد في كل من عُمان وشرق أفريقيا زادت إيرادات البلاد عدة أضعاف، خاصة من خلال احتفاظه بتجارة القرنفل؛ لهذا حثّت الرسائل المرسلة من الولاة العثمانيين إلى مكتب الصدارة العثماني في القسطنطينية، على ضرورة تقريب السلطان سعيد من الدولة العثمانية، وتعزيز العلاقات بين الجانبين.