محمد كركوتي يكتب: «الفيدرالي الأميركي» والأسواق
تاريخ النشر: 12th, January 2026 GMT
هناك مجموعة من الأسباب التي تثير قلق الأسواق العالمية في العام الجديد، لعل من أبرزها حالة عدم اليقين التي بات شبه «مستدامة» على الساحة الدولية عموماً، بالإضافة إلى المبالغة في التقييمات المرتفعة لشركات التكنولوجيا، والخوف الدائم من إمكانية عودة التضخم إلى الارتفاع، وبالطبع تفاقم الاضطرابات الجيوسياسية، وغيرها من الأسباب الكامنة أو الواضحة.
البعض يضيف الأخطار المتراكمة إلى قائمة العوامل المسبِّبة للقلق، على الرغم من أن أداء الاقتصادات الكبرى المؤثرة لا بأس به في الوقت الراهن.
وسط هذا المشهد، هناك أسئلة كثيرة تُطرح حول وضعية المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي) في العام الجديد، في أعقاب وصول رئيس جديد له بعد أربعة أشهر تقريباً.
العلاقة بين رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» الحالي جيروم بأول والرئيس الأميركي دونالد ترامب، يمكن وصفها بالسيئة. فالثاني لا يوفر مناسبةً إلا هاجم فيها الأول، متوعداً بتغيير نمط تحديد سعر الفائدة تماماً. الخلاف واضح. باول لا يزال متحفّظاً بشأن خفض كبير لتكاليف الاقتراض، بينما يريد البيت الأبيض تيسيراً نقدياً كبيراً، على اعتبار أن مخاطر التضخم لم تَعُدْ قوية بما يكفي لإثارة قلق المشرّعين الأميركيين. رئيس «الاحتياطي الفدرالي» المقبل، سيكون (وفق ترامب) «محبّاً» لخفض الفائدة، لماذا؟، لأن الرئيس الأميركي أعلنها واضحة «أن أي شخص يختلف معي لن يكون رئيساً للمجلس الاحتياطي الفيدرالي أبداً»، وهذا يعني أن سعر الفائدة سيهبط هذا العام بوتيرة سريعة.
لكن هذا الخفض المحتمل جداً، قد يؤدي إلى اضطرابات في الأسواق، مع عدم وجود مخاوف حقيقية كبرى من عودة التضخم للارتفاع.
ولهذا السبب تترقب الأسواق، التي تفضّل الالتزام بتوجهات حذرة في مسألة خفض الفائدة، التحولات الإدارية في «الفيدرالي الأميركي».
صحيح أن التفاهم بين المشرعين والبيت الأبيض يُعد أفضل وسيلة لجلب مزيد من الاستقرار للسوق الأميركية والأسواق العالمية عموماً، إلا أنه ينبغي أن يكون تفاهماً أكثر واقعية، يأخذ في الاعتبار ما هو موجود على الأرض حقيقة.
والأفضل من كل هذا أن تكون لـ «الفيدرالي» الاستقلالية الكاملة في اتخاذ القرارات المالية، التي تستند إلى معطيات واقعية بعيدة عن أي اعتبارات سياسية أو انتخابية أو أي شيء آخر. أخبار ذات صلة
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: محمد كركوتي كلام آخر الفيدرالي الأميركي
إقرأ أيضاً:
أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
منذ أيام قليلة، انتشرت تقارير بعنوان هل ينجح الذكاء الاصطناعي في هزيمة السرطان؟.. وربما يمنح هذا العنوان، للوهلة الأولى، صورة ذهنية براقة وبصيصاً من الأمل في دحر ذلك الغول المتوغل داخل أجساد ملايين البشر حول العالم. ودار فحوى التقرير حول ثورة الذكاء الاصطناعي كتقنية واعدة، وقدرة الخوارزميات الفائقة على تحليل مليارات البيانات الطبية في فترات قياسية، مما يتيح للعلماء ميزة غير مسبوقة للتنبؤ بطبيعة الخلايا الخبيثة واختصار أمد البحث المخبري الشائك، وهو ما يبشر برسم خارطة طريق مغايرة تماماً للمستقبل العلاجي.
لكن خلف هذا البريق التكنولوجي الأخاذ، تغيب عن وعي قطاع عريض من المجتمعات حقيقة بيولوجية وتاريخية صارمة؛ وهي أن ولادة أي عقار دوائي جديد، سواء لمقاومة الأورام أو الفيروسات أو الميكروبات، ليست مجرد معادلة رقمية تظهر بضغطة زر، بل رحلة شاقة قد تمتد لأكثر من عقد كامل. تبدأ هذه المسيرة الحتمية داخل المعامل بعزل المركبات الكيميائية وتقييم أمانها الأولي على الخلايا الحية والحيوانات، وهي مرحلة البحوث التي تستغرق وحدها ما بين ثلاث إلى خمس سنوات، وتمثل الحيز الوحيد الذي تستطيع التقنيات الحديثة تسريع وتيرته الرقمية، دون امتلاك القدرة على تخطي ما يليها من مراحل ومحطات تفرضها الطبيعة البشرية ذاتها.
ويعود هذا العجز التقني أمام خطوة التطبيق على الإنسان بالأساس إلى أن الطبيعة البشرية تمثل منظومة حيوية فريدة وبالغة التعقيد، لا تزال الخوارزميات الرقمية عاجزة عن فك شفراتها السيكولوجية والبيولوجية؛ فالآلة الصماء، مهما بلغت قدرتها على محاكاة البيانات والتنبؤ بها، لا يمكنها استيعاب التداخلات الغامضة بين الجينات المستقرة، والحالة النفسية للمريض، والتفاوت البيئي، وتنوع آليات الاستجابة المناعية من جسد لآخر، وهي متغيرات لا تخضع لمنطق المعادلات الحسابية الجامدة، مما يجعل رصد تفاعلات الدواء داخل الجسد حكراً على المراقبة الحية الصارمة.
وهنا تحديداً، يدخل المشروع العلاجي نفق "التجارب السريرية" على البشر، وهو المسار الأكثر حساسية ودقة؛ إذ يتدرج الباحثون على مدار خمس إلى سبع سنوات أخرى في اختبار العقار عبر ثلاثة أطوار متلاحقة؛ تبدأ بحفنة من المتطوعين الأصحاء للتأكد من السلامة، ثم مئات المرضى لتقييم الفعالية، وصولاً إلى آلاف الأشخاص حول العالم لرصد الآثار الجانبية النادرة ومقارنتها بالبدائل السائدة. وحين تنتهي تلك الأعوام الطويلة من المراقبة اللصيقة، يخضع الملف بأكمله لمراجعات وفحوصات دقيقة من الهيئات التنظيمية الرسمية قد تستغرق عامين إضافيين قبل منح رخصة التداول، لتصبح المحصلة النهائية قرابة اثني عشر عاماً من التدقيق والتمحيص؛ وهي المعرفة التي تمثل حجر الزاوية في أمننا الصحي، والدرع الأول في مواجهة التضليل.
وأمام هذا الغياب التام للحقائق الرقمية والبروتوكولات الصارمة عن وعي البسطاء، يولد فراغ معرفي خطير يمثل الثغرة المثالية التي ينفذ منها سماسرة الطب الزائف ومعدمو الضمير. وهنا تحديداً، يُقحم مرتزقة "شركات بئر السلم للأدوية" أنفسهم؛ تلك الكيانات العشوائية التي تعد الأشد فتكاً بصحة المرضى لعدم استنادها إلى أي معايير تصنيعية عالمية، بل تعتمد بالكامل على فبركة نتائج الأبحاث الجارية، وإقناع الملهوفين على الشفاء بأنها توصلت لصياغة مستحضرات ناجزة تصنع المعجزات في علاج أمراض مزمنة كداء السكري وخشونة الركبة المتقدمة وغيرها من الأمراض العضال.
ولم تكن هذه التجارة الآثمة بآلام البشر لتدور في معزل عن شركاء آخرين، بل تكتمل فصولها بتحالف مخزٍ يضم أنصاف الأطباء ممن ينتسبون زوراً لتلك المهنة السامية ويتدثرون بردائها لتمرير الوهم، تساندهم منصات فضائية تقبل ببث الأكاذيب لقاء مقابل مادي. ولعل الطعنة الأشد إيلاماً في جسد الوعي المجتمعي تأتي من بعض الفنانين الذين تورطوا في تقديم "إعلانات استشهادية رخيصة" يؤكدون فيها تمام شفائهم بعد استخدام تركيبات دوائية مجهولة؛ في سقطة معرفية وأخلاقية مدوية لا تعكس مطلقاً القيمة الفنية التي أبدعوها على مدار سنوات كقادة رأي كان يُفترض بهم صون وعي الجماهير لا تضليله!
وفي غمرة هذا الطوفان الإعلاني المزيف، لن تغلق ثغرة الوعي تلك إلا بيقظة المشاهد نفسه، وعدم الانصياع لاستراتيجيات الإغراق الإعلاني المنظم التي يراهن عليها هؤلاء المروجون لتمرير أوهامهم البصرية؛ فحماية الجسد البشري من رواج هذه المنتجات غير المؤثرة، وربما الضارة والمدمرة للصحة، تبدأ من رفض التجاوب معها، والتمسك بالحقائق والمسارات العلمية الصارمة كحصن أول وأوحد لأمننا البشري والصحي.